السرد وتقنياته في رواية “العودة إلى هليليكي” للروائية إلهام عبد القادر عبد الرحمن قراءة نقدية في الأسلوب وتعدد الأصوات السردية

السرد وتقنياته في رواية "العودة إلى هليليكي" للروائية إلهام عبد القادر عبد الرحمن قراءة نقدية في الأسلوب وتعدد الأصوات السردية
لا تكتمل متعة القراءة الروائية إلا حينما يمسك القارئ بخيوط السرد المتشابكة، ويغوص في أعماق الشخصيات، والأماكن، والأزمنة التي تشكل النسيج الحكائي للعمل الأدبي. وفي رواية "العودة إلى هليليكي"، تسعى الكاتبة إلهام عبد القادر عبد الرحمن إلى إعادة بناء الذاكرة الجمعية من خلال سرد مشحون بالشعر، والحنين، وتعدد الأصوات، لتقدم تجربة سردية ناضجة تنفتح على قضايا الهوية، والانتماء، وتنوع الثقافات...

مقدمة:

لا تكتمل متعة القراءة الروائية إلا حينما يمسك القارئ بخيوط السرد المتشابكة، ويغوص في أعماق الشخصيات، والأماكن، والأزمنة التي تشكل النسيج الحكائي للعمل الأدبي. وفي رواية “العودة إلى هليليكي”، تسعى الكاتبة إلهام عبد القادر عبد الرحمن إلى إعادة بناء الذاكرة الجمعية من خلال سرد مشحون بالشعر، والحنين، وتعدد الأصوات، لتقدم تجربة سردية ناضجة تنفتح على قضايا الهوية، والانتماء، وتنوع الثقافات.

*ما قبل النقد:

تقع رواية “العودة إلى هليليكي” في 235 صفحة من القطع المتوسط، وهي من إصدارات “شمس للنشر والإعلام”. تتكون الرواية من أربعة عشر فصلا، لم تعنونها الكاتبة، وكأنها أرادت للقارئ أن يبحر في النص دون فواصل تحد من انسيابه الداخلي.

منذ الصفحات الأولى، يتجلى أسلوب الكاتبة في المزج بين اللغة الشعرية والسرد، فتفتتح الرواية بوصف بصري شاعري لمكان العنوان “هليليكي”، الحي الشعبي المتواضع في “القامشلي” الذي تصفه الكاتبة قائلة:

“هليليكي حيّ تتنفس شوارعه تربة غبار الزمن تحت وجه الغسق. بيوت بأسطح مكشوفة، تفوح منها رائحة الماضي، تراصت كجنود صامتين، تراقب الحياة بجمود غريب، كأنها بقايا مشهد نجاح من تقلبات الزمن…” (ص7).

توظف الكاتبة اللغة الشعرية دون أن تسمح لها بطغيانها على البناء السردي، وتُوازن بين جماليات اللغة وواقعية الحدث. ومن التقنيات اللافتة في الرواية تحررها من نمط السارد الوحيد؛ إذ تتخلص من هيمنة السارد العليم لتمنح شخصياتها مساحة للتعبير عن ذواتها.

يظهر هذا التحول السردي جليا في الفصلين السادس والسابع، حين تنتقل البطلة “ئالا” إلى دمشق لمتابعة دراستها الجامعية، ليتسع الفضاء المكاني ويتعدد معه صوت السرد. في هذه المرحلة، تسلط الرواية الضوء على مجموعة من الطالبات السوريات من خلفيات اجتماعية ومذهبية وقومية مختلفة، منهن:

  • حنين من حمص (مسيحية)،
  • نوشين كردية من ريف الحسكة،
  • نور من طرطوس (علوية)،
  • يسرى من دير الزور،
  • وفاء درزية من السويداء،
  • منيرة من درعا.

من خلال هذه الشخصيات، تنقل الرواية حوارات وثقافات متشابكة تعكس التنوع السوري في عاداته، وتقاليده، ونظرته إلى المرأة، والزواج، والحب، والدين. كما تطرح قضايا مثل سلطة الذكر، وحرية الفتاة، والتقاليد المقيدة، بأسلوب غير مباشر عبر الحوار والتفاعل اليومي.

ومن أبرز تقنيات السرد في الرواية السرد الذاتي والتداعي الحر، حيث تنساب الذكريات والأفكار في ذهن البطلة بطريقة شبه تلقائية، مما يمنح النص بعدا نفسيا عميقا ويعزز من خصوصيته التعبيرية.

الخلاصة:

رواية “العودة إلى هليليكي” ليست مجرد حكاية فتاة، بل هي شهادة سردية على فضاءات متعددة من الوجع والحنين والاختلاف الثقافي. تنجح الروائية إلهام عبد القادر في توظيف تقنيات السرد الحديثة من تعدد الأصوات، وتوظيف الشعر، والتداعي الحر، لتقدم نصا غنيا بالرموز والدلالات. إنها رواية تكتب المكان والهوية بأسلوب شاعري مؤثر، وتدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الانتماء وسط عالم تتعدد فيه الأصوات وتتناقض فيه الهويات.

وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *