الظاهرة الروائية البراونية..

الظاهرة الروائية البراونية..
دوّامةٌ تلكَ التي يدْخلها قارئُ روايات (دان براون) إذ يمتزجُ هناك القديم بالحديثِ، جماعاتٌ سريّةٌ منحدرةٌ من الأديرةِ والكنائسِ بمخطوطاتها ورموزها، في مقابلِ النشاطِ المتسارعِ للتطوّر العلميِّ الحديث، مع أحداثٍ بوليسيّةٍ غير متوقعةِ الجريانِ، يقودها بطلُ رواياتهِ(روبرت لانغدون) عالم الرموز الذي بذكائهِ يفتحُ مغاليق المغامرةِ القائمةِ على تحليلِ واكتشافِ...

دوّامةٌ تلكَ التي يدْخلها قارئُ روايات (دان براون) إذ يمتزجُ هناك القديم بالحديثِ، جماعاتٌ سريّةٌ منحدرةٌ من الأديرةِ والكنائسِ بمخطوطاتها ورموزها، في مقابلِ النشاطِ المتسارعِ للتطوّر العلميِّ الحديث، مع أحداثٍ بوليسيّةٍ غير متوقعةِ الجريانِ، يقودها بطلُ رواياتهِ(روبرت لانغدون) عالم الرموز الذي بذكائهِ يفتحُ مغاليق المغامرةِ القائمةِ على تحليلِ واكتشافِ ومعلومات كثيرةٍ يدسّها في متنِ رواياتهِ، إلى حدِّ استعراضِ ثقافتهِ العالية في مجال التتبِع التاريخيِّ للتراثِ المسيحيّ المتشعّب منذ فرسانِ الهيكل، فضلا عن سعةِ اطلاعهِ على الجماعات والأعلام الماسونيةِ والفنونِ بكلِّ أشكالها لدرجةٍ تثير الإعجاب حقّا.
بعدَ صدورِ روايته الأخيرة (الأصل/Origin) دفعتني الرغبةُ إلى إعطاءِ رؤيةٍ مجملةٍ وقصيرةٍ لأفكارهِ التي بثّها بينَ طيّاتِ رواياتهِ، ومحاولةِ اكتشافِ عوالمهِ المكتظةِ بالأسرارِ والسعي إلى تفسيرها فكأنهُ يمارسُ تفكيكا للمثيولوجيا، مستخدما خبيرَ الرموزِ والفنّ الأستاذ في هارفرد (روبرت لانغدون) قناعا وأداةً لذلك، ولا شكَّ أننا أمام رواياتٍ تحتاجُ إلى متلقٍّ لهُ اهتمامٌ بالتاريخ وولعٌ بالتراثِ والجماعاتِ الدينيةِ والغموض، ليكملَ سيرهُ في أدغالِ براون، ولاشكّ أيضا أنه سيجعل من قارئهِ مهتما بهذا التاريخ المنسيِّ ومتسائلا في الوقتِ ذاتهِ (هل ما زالت هذه الجماعات مؤثرةٌ في عالمنا؟) خاصةً أنّ هناكَ نظريةً للمؤامرةِ وسياساتٍ عالمية تقودها أيادٍ خفيّة أقوى من الماسانوية التي قرأنا أنها مجرّدُ منظمة عالميةٍ تعملُ على انحدارِ الإنسان نحو ملذّاتهِ دونَ الإحاطةِ بأفكارها الأخرى، فقد حرّكَ –براون- المياه الراكدةَ وأخرجَ –بتأثير روايتهِ- هذا التاريخ إلى السطحِ، من خلال كتبٍ تُرجمتْ حديثا تتناولُ كلّ ما لهُ صلةٌ بما بثّهُ في رواياتهِ لفرسانُ الهيكل، والمجدلية، والمعابدِ الماسونيّة، والجماعات السريّة، والرموز الدينية، والمؤامرات المقدسة، والصراع بين الدين والعلم .. الخ.
وبما أنَّ عملَ الأديب يرتبطُ بشكلٍ وآخر مع قناعاتهِ الشخصيةِ، وبيئتهِ الاجتماعيةِ والعلميّة، فقد أفاد براون كثيرا من وجودهِ بينَ أسرةٍ تدورُ اهتماماتها بهذا المجالِ بشكل مباشر فوالدهُ عالم رياضياتٍ ووالدتهُ محترفةٌ للموسيقى الدينيةِ، أما زوجتهُ بلايث فهي أستاذة في علم تاريخِ الفن ورسامةٌ أيضا وشخصيا فهو-أي براون- من المولعين بتتبعِ الأسرارِ والرموزِ ومحاولة تفكيكها، وذلك لم يتجلّ فقط في رواياتهِ التي بطلها “لانغدون”، بل حتى في روايتيهِ الأخريتين “الحصن الرقمي” التي تدور في أروقة ال(C. I. A) و”حقيقة الخديعة” التي يتعرّض فيها إلى وكالة ناسا الفضائية، وفسّرَ شغفه بهذا الاسلوب قائلا:” – أعدُّ نفسي كاتبًا يكتشف التاريخ، تثيرُ المعتقداتُ المتعارفُ عليها اهتمامي لا سيما أن جذورها ليست مرسّخةً في الواقع التاريخيّ بقدرِ ما هي مرسّخة في الإبداع البشري”، فهو حتما يجدُ أن هذه المادة التي يستند عليها مكتنزة بالتشويقِ الذي يسعى إليهِ دون أن تكونَ مبنيّة على أسس فلسفيةٍ إنسانيّةِ.
خامرتني فكرةٌ مفادها: هل هناكَ قصديةٌ في تسلسلِ رواياتهِ؟ فمن الصراعِ بينَ السلطة الدينية (الفاتيكان) والتنوير/العلم، ومحاولة نسف الفاتيكان بقوة العلم، إلى البحثِ عن ذريةٍ للمسيحِ وضريح مريم المجدلية ومحاولة منعِ انكشاف هذا السرّ من قبل منظمةٍ سريّة في إطارٍ من الألغاز والرموزِ ذاتها المستخدمة في روايتهِ الأولى من السلسلةِ، ثمَّ إلى عالم الماسونيةِ وثقافتهِ بهذه الحركةِ وإعجابهِ بها نافيا أن يكون ماسونيا بقوله:” “أحترم كثيرًا الفلسفات الماسونية وتاريخها ومبادئها إلا أنني لست ماسونيًا. كي يصبح المرء ماسونيًا، يجب أن يتعهد بكتم الأسرار، أما أنا فأفضّل أن أحظى بحريةِ الكتابةِ عن كلِّ شيء، حتى عن تقاليدِ الماسونيين واستخدامهم الغنيّ للرموز”، ثمَّ التطرّق إلى مشكلةٍ عالميةٍ هي الانفجارِ السكانيّ انطلاقا من جحيم دانتي في الكوميديا الإلهية واضعا خطّةً طبيعيةً لذلك وهي بقاء العنصرِ الأنقى جسديا، ثمَّ تكرار الفكرة ذاتها لكنّ التفوّق يأتي من خلالِ دمج الإنسان بالآلةِ وتحويله إلى كائن سوبراني كتطوّرٍ طبيعيٍّ للأجناسِ إذ لم يتوقف على الكائنات الحيّة العضوية.
ففي روايتهِ الأخيرةِ –أعني الأصل- استحضرتُ فيلم (RoboCop) ذلك الشرطي الذي أصبح ثلثي جسمه آليّا بعد إصابتهِ!! وبرأيي ليسَ هناكَ جديدٌ في فكرة براون؟ كتبَ عن أمر موجود أساسا(الإنسان السوبراني) عدا المعلوماتِ عن كنيسةِ “ساغرادا فاميليا” التي قدمها بطريقة يجيدها!!، لكنَّ ذلكَ لم يمنع من كونِ الروايةِ اتخذت الحماس ذاته بالنسبة لي كقارئ، فنرى أفكار ستيفن هوكينغ وداروين وبعض الملحدين والمتنورين واضحةً لدرجةِ عدم محاولة اختبارِ ثقافةِ القارئ لاستنباطها من خلال الرواية، ولمّحَ في لقاءٍ صحفيٍّ الى أن روايتهُ القادمة ستكونُ عن بطلهِ المحبوب له ولمتابعيهِ أيضا عالم الرموز العبقري”روبرت لانغدون” لكننا في الحقيقة أصبحنا نستطيع أن نخمّن ما سيجري الكتابة عنه، مكان جديد بالآلية ذاتها مع قصة بوليسية مشوقةٌ، وماذا بعد؟
دان براون ليس في مصاف الروائيين الأمريكيين الكبار كأدغار ألن بو، وهمنغواي، ووليم فوكنر وغيرهم، ولكن له أسلوبًا خاصًا في كتابة الرواية وهي الرواية التشويقية، وهذا النوع ينحصرُ بمرحليته فليستْ رواياتهِ من الخالدات- برأيي الخاص- إنما موجهة للجماهير ولا تنطوي على رسالةٍ إنسانيّة يستطيعُ القارئُ البحثَ عنها من خلالِ الغوصِ في أعمقها، وهو يعني ذلك بقوله: “أقوم بتأليف الرواية التي أحبُّ قراءتها وهي رواية تسلّي وتلبّي الفضول الفكري وتلهمه”.
مع كلّ ذلكَ فهو روائي عبقري استطاعَ بهذا الخليطِ التاريخي، المثيولوجي، البوليسي خلقَ رواياتٍ استطاعت أن تترجمَ إلى 50 لغةً عالميةُ ويباع منها أكثر من 200 مليون نسخة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *