عندما دفع الاستكبار العالمي المجرم صدام لشن حربه على إيران، مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، والثورة الإسلامية لا زالت في بواكيرها، والدولة تحبو في مستهل طريقها،
أخبر الإمام الخميني (رض) بأن صدام هجم على الجمهورية الإسلامية، فأطلق كلمته الشهيرة: “الخير فيما وقع”.
وكما قالوا: “إن العارف لا ينطق إلا عن آية أو حديث”، فإن الأصل القرآني لجملة الإمام الراحل هو قول الله سبحانه:
﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾
(البقرة: 216)
وبالفعل، كان لهذه الحرب التي فرضت على إيران وفرة كبيرة من البركات، أهمها وفي مقدمتها التحام الشعب وتمسكه بحماية نظامه ودولته.
كما ترسخت لديهم أيضًا ثقافة الشهادة، وروح التضحية لأجل الدين والثورة والوطن.
وقد تعرضت إيران حينها لمحن عصيبة، وتحديات شديدة، خصوصًا وأنها كانت تفقد قادة الثورة ومفكريها ومسؤوليها عبر الاغتيالات بالجملة.
ولكنها كدولة ومؤسسات، سرعان ما تثب وتملأ الشواغر الحكومية، وتستأنف إدارة شؤون البلاد بسلاسة تذهل العالم.
وحتى مع رحيل الإمام الخميني، مفجر الثورة الإسلامية وقائدها العظيم، لم يتسبب رحيله بفراغ قيادي، ولم تتزعزع أركان الدولة، بل سارت على نهجه دون أن تحيد قيد أنملة، بقيادة خلفه الصالح الإمام الخامنئي (حفظه الله).
وقد أكسبت هذه التجارب المريرة رجال الدولة ومسؤوليها خبرة متراكمة في التعاطي مع الأزمات والنكبات، وضاعفت لدى الشعب الإيراني ثقته بقدرة قيادته على تخطي المصاعب الكبرى.
ولكن، وعلى ما يبدو، فإن الإمام الراحل كان يستشرف مآلات ومستقبل هذه الدولة الفريدة من نوعها في المحيط العالمي، بأن الجميع سيتكالب عليها في المستقبل،
ولذلك، فإن من الأفضل لها أن تكون مستعدة على الدوام للتعاطي بحكمة وحنكة مع التقلبات الكبرى.
وباعتقادي، لولا أن إيران مرت بنكبات عظيمة، واستهدف كل شيء فيها، ما كانت لتصمد، وما كانت لتستمر وتتفوق.
وما كان لها أن تستوعب الرحيل المفاجئ للسيد إبراهيم رئيسي، وانتخاب من يحل محله، وما كان لها أن تستوعب الضربة الموجعة التي تلقتها من الكيان الصهيوني، واغتيال كبار قادة الجيش والحرس الثوري وعلماء الطاقة النووية.
كما أرى أن النشء الصاعد في الجمهورية الإسلامية، والأجيال التي لم تشهد أيام الحرب المفروضة، بحاجة إلى إنعاش الروح الثورية لديهم، وإحياء الثقافة الجهادية عندهم بنحو عملي وسلوك ميداني.
وهو ما يتماشى مع الثقافة الثورية لدى الشعب الإيراني الذي ينفعل أكثر بالأحداث الواقعية.
أي إن العدوان الإسرائيلي قد أنعش الروح الثورية لدى الشعب الإيراني، وعمق صلته مجددًا بالثورة الإسلامية، ونفض الفتور الذي أخذ يدب في جسده، وأعاد روح الحماسة لديهم من جديد.
وكأن الحرب المفروضة وما تلاها من تحديات، كانت مناورة بالذخيرة الحية لتدريب الشعب الإيراني على المواجهة الشرسة مع الصهاينة اليوم.
وبناءً على ما تقدم، يمكنني القول: إن صمود الشعب الإيراني اليوم في مواجهة إسرائيل، مدفوعة بقوى الاستكبار العالمي، هو عملية تأهيل وغرس للاستعداد الروحي والمعنوي والعسكري في المجتمع الإيراني، لخوض المعركة النهائية الكبرى عند ظهور الإمام المهدي (عج).


