تُعدّ اتفاقية مونترو واحدة من أهم الاتفاقيات الدولية التي عزّزت تموضع تركيا الجيوسياسي في القرن العشرين، وتحديدًا في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وقد نُظّمت هذه الاتفاقية في وقت بلغت فيه التوترات الدولية ذروتها، وكانت أوروبا تتجه نحو صراع كبير، ما دفع الدول الكبرى إلى إعادة النظر في وضع المضائق التركية.
ومن المعلوم أن هذه الاتفاقية تستمد أهميتها من دورها في تنظيم المرور والملاحة عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وهما من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط. وقبل هذه الاتفاقية، كانت هذه المضائق خاضعة لقيود دولية فرضتها معاهدة لوزان، الأمر الذي حدّ من سيادة تركيا عليها.
وفي عام 1915، حاولت قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) السيطرة على المضائق للوصول إلى روسيا وإخراج الدولة العثمانية من الحرب، فقامت بإنزال عسكري على سواحل غاليبولي. لكن القوات العثمانية تصدّت لهم بشدة، وواجه الحلفاء مقاومة شرسة كبدتهم خسائر فادحة، ناجمة ايضًا صعوبات التضاريس وسوء التخطيط، ومع تصاعد الأخطار الدولية لاحقًا، طالبت تركيا بإعادة السيطرة الكاملة على هذه الممرات.
ثم دخلت، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، في مفاوضات جادة مع القوى الكبرى، بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، انتهت بتوقيع الاتفاقية عام 1936 في مدينة مونترو. وقد منحت هذه الاتفاقية تركيا حق التحكم الكامل في المضائق، مع ضمان حرية مرور السفن التجارية في وقت السلم، وفرض القيود والرسوم على السفن الحربية التابعة للدول غير المطلة على البحر الأسود. كما أعطت الاتفاقية لتركيا الحق في إغلاق المضائق في حال الحرب أو التهديد المباشر.
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، استفادت تركيا من هذه الاتفاقية بشكل كبير؛ إذ أعلنت الحياد في بادئ الأمر، واستخدمت بنود مونترو لمنع مرور السفن الحربية عبر المضائق. وقد ساعدها هذا الموقف على تجنب الدخول المباشر في الصراع بين الحلفاء ودول المحور، رغم الضغوط التي مارستها بعض الدول الكبرى عليها للانضمام إلى أحد الطرفين. وظلت تركيا على هذا الحياد حتى المراحل الأخيرة من الحرب، حين أعلنت دخولها الحرب بشكل صوري ضد دول المحور عام 1945، بهدف الانضمام إلى معسكر الدول المنتصرة.
لذا يمكن القول إن اتفاقية مونترو لم تكن مجرد اتفاق لتنظيم الملاحة، بل كانت أداة سياسية واستراتيجية مكّنت تركيا من تعزيز سيادتها، وحماية أمنها القومي، وتجنب ويلات الحرب العالمية الثانية إلى حدّ كبير. كما أسهمت في تثبيت مكانة تركيا كدولة محورية تربط بين الشرق والغرب، وتتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبعد أن سعت إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي وعدم الرضوخ للضغوط الدولية، يبرز سؤال جوهري: هل سيكون بوسع الجمهورية الإسلامية انتزاع اتفاقية لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز على غرار اتفاقية مونترو، بالتنسيق مع سلطنة عمان؟ وهل يمكن أن يشكّل ذلك منجزًا جيوسياسيًا كبيرًا في القرن الحادي والعشرين، يؤسس لمنظومة إقليمية جديدة، ويعيد رسم مسارات التعاون بعيدًا عن الهيمنة الخارجية.


