عبارة دائماً ما تتردد داخل الأوساط العراقية:
(العراق هي الدولة الوحيده في العالم الذي ماضيه أجمل من حاضره ومُستقبله ) .؟
حقيفة إنها مفارقة الماضي والحاضر في العراق ، يُقال بحسرة وأسى إن العراق هو الدولة الفريدة في هذا العالم التي يبدو ماضيها أكثر إشراقًا وجمالًا من حاضرها المليء بالتحديات والمستقبل الذي لا يزال يكتنفه الغموض ، هذه المقولة تلخص بمرارة واقعاً يعيشه العراقيون اليوم ، حيث تتداخل ذكريات حضارات عريقة وإنجازات تاريخية مع صعوبات الحاضر وتساؤلات المستقبل ، وكُل ذلك بسبب :
أولاً / الوعي الشعبي يرفض الانجرار خلف رغبات السياسيين .؟
لقد بدأ هُناك وعي متزايد يتبلور لدى الشارع العراقي ، رافضاً الانجرار الأعمى خلف الطبقة السياسية .
فالسياسة ، كما يراها الكثيرون قد تحولت إلى ساحة للمحاصصة والنفاق والمداهنة والكذب ، المشهد الإعلامي يعكس غالباً صراعات مفتعلة بين شخصيات سياسية ،
سرعان ما تتلاشى خلف الكواليس في أجتماعات وولائم تتبادل فيها الابتسامات والنكات . هذه الازدواجية دفعت الكثير من العراقيين إلى التشكيك في مصداقية هذه القيادات والتحذير من الانسياق وراء خطاباتها ، يمكن ملاحظة هذا الوعي في ردود فعل الكثير من العراقيين على وسائل التواصل الاجتماعي أتجاه المناسبات السياسية أو التصريحات المتناقضة للسياسيين ، هناك سخرية ونقد لاذع يعكسان حالة من عدم الثقة والخذلان والأحباط الذي أصاب الشارع العراقي من هذه الطبقة السياسية .
ثانياً / تركة صدام عبء ثقيل وتحديات مستمرة .؟
لم يكن للعراقيين ، اليد الطولى في زوال حكم الطاغية صدام حسين ، لكنهم وجدوا أنفسهم ورثةً لتركة ثقيلة الأعباء ، خلفها نظام قمعي أستبدادي ، لم تقتصر هذه التركة على مؤسسات دولة مهلهلة وأقتصاد مُنهك ، بل أمتدت لتشمل جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي ، وثقافة عنف متجذرة وشكوكًا متبادلة بين مكونات المجتمع .
الفساد ، الذي كان مستشرياً في عهد النظام البائد ، ليتفاقم بشكل كارثي بعد 2003 ليطال مفاصل الدولة والمجتمع ، وينهب مقدرات البلاد دون حسيب أو رقيب ، هذا الواقع المرير يدفع بالكثير من العراقيين إلى مقارنة أيام صدام بحاضرهم ، ليس حنيناً إلى الدكتاتورية بل تعبيراً عن يأس وإحباط من فشل الطبقة السياسية الجديدة في تحقيق الأمن والرخاء والعدالة الأجتماعية .
إن شبح الماضي لا يزال يُخيم بثقله على الحاضر ، ويضع تحديات هائلة أمام أي محاولة جادة لبناء مستقبل مستقر ومزدهر للعراق ،
فالسلاح المنفلت ليس مجرد خطر أمني ، بل هو رمز لفشل الدولة وللحكومات المُتعاقبة في أحتكار القوة وفرض القانون .؟
والفساد ليس مجرد سرقة للمال العام ، بل هو تقويض لثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وتعميق لجراح الماضي .
أ. الفساد المستشري :
قضايا الفساد الكبرى التي تهدر المال العام دون محاسبة حقيقية ، وتؤثر على الخدمات الأساسية وحياة المواطنين .
ب. التفاوت الطبقي :
أتساع الفجوة بين الأغنياء الذين يستفيدون من الثروات والنفوذ ، والفقراء الذين يعانون من أبسط مقومات العيش .
ج. نقطة تحول جوهرية : أمتلاك زمام المبادرة ولو بشكل مؤلم ، على الرغم من كل هذه المآسي ، يبقى هناك تحول جوهري في تاريخ العراق المعاصر ، العراقيون لم يعودوا مجرد أرقام أو ضحايا يُفعل بهم حتى وإن كانوا اليوم يقتلون ويسرقون بعضهم البعض ، فإنهم يفعلون ذلك بإرادتهم وأيديهم ، لا بأوامر من سلطة قمعية خارجية أو داخلية بالمعنى السابق ، لقد نال العراقيون حريتهم دون فضل مباشر منهم في إسقاط النظام ، ولكنهم حتى الآن يواجهون صعوبة في تقدير هذه الحرية وأستثمارها بشكل صحيح .
د. بصيص أمل في المستقبل :
إمكانية البناء على أساس الحرية حتى لو كان المشهد الحالي قاتماً ، حيث يسود العنف والفساد ، فإن الحقيقة أن العراقيين يمتلكون حرية التصرف ، وإن كانت تُستغل بشكل خاطئ في الوقت الراهن ، لكنها تمنح بصيص أمل للمستقبل ،
فإذا كانوا قادرين اليوم على الاقتتال والسرقة بإرادتهم ، فهم بالتالي يمتلكون القدرة نفسها ، بفضل هذه الحرية ، على بناء وطن حر ومزدهر لمواطنين أحرار ، ربما يكون هذا هو المكسب الحقيقي الوحيد الذي تحقق للعراق من سقوط نظام صدام ، إمكانية بناء مستقبل أفضل بأيدي العراقيين أنفسهم ، عندما يتم استثمار هذه الحرية بشكل مسؤول وواعٍ .
هُناك حركات مدنية ومبادرات شبابية تحاول أستغلال هذه الحرية في المطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد وبناء مجتمع مدني فعال ، هذه الحركات تمثل بذرة الأمل في مستقبل أفضل .
أخيراً إن العراق يمر بمرحلة أنتقالية صعبة ومعقدة ، فبعد عقود من القمع والاستبداد ، يواجه العراقيون تحديات جمة في بناء دولة حديثة ومستقرة ، إلا أن امتلاكهم لحرية التعبير والتنظيم والمشاركة يمثل نقطة انطلاق حاسمة ، لكن يبقى التحدي الأكبر يكمن في كيفية أستثمار هذه الحرية بشكل إيجابي لتحقيق تطلعاتهم في بناء عراق مزدهر وآمن ، يتجاوز مرارة الحاضر ويستلهم عظمة الماضي لبناء مستقبل يليق بتضحيات شعبه وتاريخه العريق! …


