الوجه الساقط للأيديولوجيا: جرائم البعث وصدام من منظور اجتماعي وأخلاقي

الوجه الساقط للأيديولوجيا: جرائم البعث وصدام من منظور اجتماعي وأخلاقي
في كلّ نظام سياسي مستبد، تتوارى الأخلاق خلف المصلحة، وتتآكل القيم تحت وطأة القمع، لكنّ ما حدث في تجربة حزب البعث وصدام حسين...

في كلّ نظام سياسي مستبد، تتوارى الأخلاق خلف المصلحة، وتتآكل القيم تحت وطأة القمع، لكنّ ما حدث في تجربة حزب البعث وصدام حسين فاق الوصف والتصوّرات، ليس فقط من حيث الكمّ الهائل من الجرائم، بل من حيث التحطيم الممنهج للنسيج الاجتماعي، والإبادة المتعمّدة للضمير الجمعي.

لقد تحوّلت الدولة في عهد البعث إلى آلة ضخمة لترويج الكراهية، وبُنيت منظومة الحكم على ثقافة الشكّ والخوف والانتهازية. لم يكن المواطن في عراق صدام مجرد ضحيّة، بل حُوّل بالتدريج إلى أداة خائفة، مأجورة، أو صامتة، لا تقوى على قول “لا”، لأن “اللا” كانت تعني المقابر الجماعية، أو التهجير، أو الإعدام بتقارير كاذبة.

من الناحية الاجتماعية، عمّق البعث التفرقة بين المكوّنات العراقيّة، وزرع الأحقاد الطائفية والعرقية والطبقية، فدمّر ما تبقّى من الروح الوطنية. استخدم سياسة “فرّق تسد” لتكريس سلطته، وحوّل جهاز التعليم والإعلام إلى مصنع لإنتاج العنف والكراهية والتقديس الأعمى للديكتاتور.

القبيلة استُخدمت سلاحًا، والدين شُوّه، والتاريخ زُوّر،

حتى تحوّلت العلاقات الاجتماعية من روابط ثقة إلى شبكات تجسّس،

وباتت البيوت ترتعد من همس أبنائها، خشية الوشاية أو الاشتباه.

أما من الناحية الأخلاقية، فقد شهد العراق انهيارًا غير مسبوق لمنظومة القيم.

  • الكذب أصبح شجاعة،
  • الخيانة وطنيّة،
  • التقرّب للطاغية فضيلة،
  • النفاق مهنة،
  • والانتماء للحقّ تهمة.

لقد رسّخ البعث في الناس أن البقاء لا يكون إلا بالولاء، لا بالكفاءة، وأنّ الطريق للترقّي هو مدح الحاكم لا خدمة الوطن. وانتهى المطاف بمجتمع مهزوز، مُنهار نفسيًا، مُصابٌ بجروح روحيّة لا تزال تنزف حتى اليوم.

صدام لم يكن مجرّد فرد، بل كان رمزًا لمنظومة أخلاقية منحطّة، ضُربت فيها قيم العدالة، وضاعت فيها المعايير، واختلط فيها الظالم بالمظلوم.

إن جرائم البعث لا تُختزل في الدماء المسفوكة، بل تتجسّد أيضًا في تدمير الإنسان العراقي من الداخل، في خنق روحه، وكسر كبريائه، وإضعاف إحساسه بالقيم.

وإذا أردنا أن نُعيد بناء العراق، فعلينا أن نبدأ بإعادة بناء الإنسان، وبتجريم المرحلة، لا سياسيًا فحسب، بل أخلاقيًا واجتماعيًا وتربويًا، لكي لا يُعاد إنتاج هذه الكارثة بأشكال جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *