ليست كل الجرائم سواء، فبعضها يتجاوز حدود الدم ليطال الفكر، والضمير، ومستقبل الأمة. من هذا النوع كانت جريمة اغتيال المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، التي ارتكبها النظام البعثي الصدامي في نيسان 1980، حين قرر أن يُخرس عقلًا متوقدًا، وصوتًا رساليًا، ونموذجًا فريدًا في تاريخ المرجعية الشيعية والعالم الإسلامي الحديث.
لقد اغتالوا السيد الصدر لأنه كان مشروع نهضة لا مشروع مرجع فقط. لأنه لم يكن يخيفهم بكثرة أتباعه، بل بعمق فكره، واتساع رؤيته، وقدرته على الجمع بين الفقه والفلسفة، بين الحوزة والجامعة، بين النخبة والجمهور. كان يحمل هم أمة، ويتنفس مسؤولية التغيير، ويكتب بعقلٍ يفيض علمًا وقلبٍ ينبض إيمانًا.
كان النظام البعثي يدرك أن السيد الصدر يمثل خطرًا من نوع آخر: خطرًا على ثقافة الصمت، على عبودية الحاكم، على انفصال الدين عن قضايا الناس. لم يكن مُسلحًا بسوى قلمه وصوته، لكنهم عرفوا أن كلماته أبلغ من مدافعهم، فقرروا أن يُسكتوه إلى الأبد. غير أنهم نسوا أن الأفكار لا تُعدم، وأن الدم الطاهر يولد ثورة، ويُنبت أجيالًا لا تخاف ولا تساوم.
جريمة اغتيال السيد الصدر ليست مجرد انتهاك سياسي أو ديني، بل سقوط أخلاقي مدوٍّ لنظامٍ قتل مرجعًا دينيًا لأنه قال كلمة حق، ووقف إلى جانب المظلومين، ورفض أن يكون شاهد زورٍ على استبدادٍ متغطرس. لقد فقد العراق برحيله عقلًا نادرًا، ومصلحًا اجتماعيًا، ومفكرًا سبق زمانه بعقود، لا سيما في كتاباته عن الاقتصاد الإسلامي، وفلسفة المعرفة، والمجتمع الإيماني.
أما الأثر الاجتماعي، فكان عميقًا وموجعًا؛ إذ خلّف اغتياله جرحًا في وجدان الأمة، ورسّخ قناعة أن الدكتاتور لا يتحمل وجود العقلاء، وأن الحق قد يُغتال جسديًا، لكنه يبقى أقوى من الطغيان. وبقي اسم “الشهيد الصدر” يُردَّد في البيوت والمساجد والحوزات، رمزًا للشجاعة الفكرية، والموقف الرسالي، والتضحية من أجل الإنسان.
واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على تلك الجريمة السوداء، ما زال سؤال الشهيد حاضرًا:
“هل من المعقول أن يعيش الإنسان في هذا البلد بلا كرامة؟”
سؤال لم يُغلق، ولن يُغلق، ما لم نُحيِ فكر الصدر، ونجعل من شهادته وقودًا لحياة حرة، ومرآة نرى فيها عيوبنا، وطريقًا نحو إصلاح الذات والمجتمع.
رحم الله السيد الصدر، النابغة الشهيد، والعالم الرباني، الذي لم تمت كلماته بمقتله، بل ابتدأت ثورتها من لحظة استشهاده.


