يُمثّل هذا القول الوارد في وصية أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام): “وجدتك بعضي بل وجدتك كلي…”
واحدًا من أكثر المواضع تعبيرًا عن رؤية وجودية وأخلاقية عميقة لعلاقة الأب بالابن، ويمكن تحليله فلسفيًا من خلال مستويات متعددة تتقاطع فيها مفاهيم الهوية، والذات، والتوالد المعنوي، والعلاقة بين الجزء والكل.
أولًا: البعد الأنطولوجي لعلاقة الأب بالابن
في المستوى الأنطولوجي، يبدأ الإمام علي (عليه السلام) خطابه لابنه الإمام الحسن (عليه السلام) بتأكيد يُعدّ بديهيًا من حيث المبدأ البيولوجي، حين يقول: “وجدتك بعضي”، وهو تصريح يُجسّد ما يمكن تسميته بـ”الوجود التكويني” أو الامتداد العضوي للذات في الآخر. هذا التصور يُجسّد بُنية الارتباط الجسدي والنَسَبي الطبيعي الذي يُوَحّد الأب بابنه ضمن حدود العلاقة الفيزيولوجية. فالابن هنا يُعدّ جزءًا من كينونة الأب، وكأنه استمرار له من حيث المادة والتكوين الحيوي.
غير أن الإمام لا يكتفي بهذا الإقرار الأولي، بل يستخدم فكرة دلالية وفلسفية عميقة حين يُضيف: “بل وجدتك كلي”. هذه العبارة لا تُمثّل مجرد بلاغة أدبية أو مبالغة أبوية، بل تُعلن عن انتقال نوعي من التصور التكويني إلى تصور وجودي-جوهراني، حيث تتحوّل العلاقة من كونها علاقة “جزء من كل”، إلى علاقة هوية تامة وتطابق أنطولوجي بين الأب والابن. فالحسن (ع) ليس مجرد امتداد جسدي لأبيه، بل هو كينونة الأب وقد تحققت في وجود آخر، يحمل جوهرها، ويُمثل اكتمالها.
وهذا التحول في الرؤية يعكس تصورًا فلسفيًا عميقًا يُحاكي مقولات أنطولوجية كبرى في الفكر الفلسفي، من أبرزها ما ورد في فلسفة أرسطو حول نظرية “العلّة الفاعلة”، حيث يُقرّ بأن العلة (الفاعل) تظل قائمة وموجودة في معلولها (المفعول به)، بل إن وجود المعلول هو صورة من حضور العلة فيه. فالحسن في هذا السياق ليس منفصلاً عن علي (ع) بصفته نتيجة فقط، بل هو حامٍ لجوهر الفاعلية الأولى وامتداد حيّ لها.
كذلك، يتقاطع هذا التصور مع جدلية الذات والآخر في فلسفة هيغل، حيث لا تُدرَك الذات إلا من خلال انعكاسها في الآخر الذي يُعيد تشكيلها. فالمعرفة الذاتية، عند هيغل، لا تتحقق في الانغلاق على الذات، بل في انكشافها من خلال الآخر الذي يُجسّدها ويُظهر صورتها. في ضوء ذلك، يصبح الحسن (ع) بمثابة “مرآة أنطولوجية” تعكس ذات الإمام علي (ع) وتُتمّمها، لا جسديًا فحسب، بل من حيث الماهية والقيمة والوعي.
وبهذا التداخل بين التصور الأبوي والموقف الفلسفي، تتجلّى العلاقة بين الإمام وابنه في صورة اتحاد كينوني وقيمي، حيث تتعدى الأبوة معناها البيولوجي لتُصبح تعبيرًا عن تماهٍ أنطولوجي، بل وربما أيضًا استنساخًا روحيًا أو “تجليًا ثانيًا للذات الأولى”. هذه الرؤية تفتح المجال لتأويلات صوفية ومعرفية، تُعيد النظر في مفهوم الوراثة الروحية و”النيابة الكونية” التي يحملها الأبناء عن الآباء في سلاسل النبوة والإمامة.
إن عبارة “بل وجدتك كلي” تُصبح بهذا المعنى كلمة مفتاحية تُمثّل انتقالًا من التصور الأفقي للعلاقة (الأبوة – البنوة) إلى تصور عمودي يُعبّر عن تداخل الذوات وتوحّدها ضمن سياق وجودي يستبطن معاني القداسة والنيابة والمعرفة، وليس فقط القرابة والوراثة.
ثانيًا: الامتداد الأخلاقي والروحي
يتجاوز الإمام علي (عليه السلام) في نظرته لابنه الحسن (عليه السلام) حدود الوجود البيولوجي أو الانتماء الجسدي، ليرتقي إلى مستوى أعلى من الفهم، وهو الامتداد القيمي والأخلاقي والروحي. فالإمام لا يرى في ابنه مجرد وريث لجسده أو اسمه، بل وريثًا لسيرته، وحكمته، ورسالته الأخلاقية، وبصيرته الكونية. بهذا التصور، يغدو الابن مرآةً حقيقية للأب، لا من حيث الملامح والشبه فقط، بل من حيث الجوهر والمضمون؛ أي مرآةً تعكس الأخلاق والفضائل، كما تعكس الرؤية التربوية والمعرفية التي بناها الأب عبر تجربة طويلة من الجهاد والفكر والتقوى.
إن هذا الامتداد يُعيد تعريف مفهوم “الوراثة” من كونه انتقالًا جينيًا أو اجتماعيًا، إلى كونه انتقالًا للهوية الأخلاقية والرسالية، وهو ما يجعل من الحسن (ع) بمثابة “الذات الثانية” أو “الأنا المجدّدة”، التي تُعيد إنتاج قيم الأب في سياق جديد، وزمان مختلف، وظروف متحوّلة. إنه ليس فقط استمرارًا زمنيًا، بل امتداد وجودي أخلاقي، يؤسس لحضور القيم في المستقبل من خلال الأبناء.
ويتجلى هذا المعنى في القول التربوي العميق الذي أورده الإمام علي (ع):
“وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته…”
وهو تصوير مجازي عميق للتربية كفعل زرع قيمي وروحي، حيث يُشبَّه قلب الطفل بالتربة الخام التي تُنتج ما يُلقى فيها، فيصبح واجب المربي ليس فقط أن “يرعى” بل أن يغرس القيم، ويروِّيها بالحكمة والسلوك، حتى تُزهر في هيئة “شخص آخر” هو الابن، ولكنه في الحقيقة نسخة روحية موسّعة من الأب. ويتكامل هذا الفهم مع قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رسالة الحقوق، حيث يقول: “وأنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه “.
وهذا التصور لا يجعل من الأبوة مجرّد علاقة قانونية أو بيولوجية، بل تكليفًا وجوديًا، يقوم على أساس التحوّل من الإنجاب إلى الإنماء، ومن التناسل إلى التنشئة، ومن الرعاية إلى الهداية.
ومن منظور فلسفي، يمكن الربط هنا مع تصور الفارابي في المدينة الفاضلة، حيث يرى أن مهمة القائد أو الفيلسوف ليست فقط قيادة المجتمع، بل تربية خلفاء يحملون نفس الفضائل والحكمة ليكملوا مشروع الإصلاح الأخلاقي والمعرفي. وبهذا يُمكن اعتبار الإمام الحسن (ع) “الخليفة الأخلاقي” للإمام علي (ع)، لا فقط على مستوى الحكم، بل على مستوى التمثيل الوجودي للفضائل والعدل والحكمة.
ثالثًا: جدلية الجزء والكل
تُعد العلاقة بين الجزء والكل من المسائل المحورية في الفلسفة القديمة والحديثة، فهي تمسّ جوهر مفاهيم مثل الهوية، والكينونة، والتعدد، والوحدة. وقد تناولها فلاسفة كأفلاطون، وأرسطو، والرواقيون، ثم في مرحلة لاحقة أفلوطين في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، وصولًا إلى الفلاسفة الوجوديين والظاهراتيين. والسؤال الأساسي في هذه الجدلية هو: هل الكل هو مجرد مجموع أجزائه؟ أم أن له وجودًا خاصًا، سابقًا أو مستقلًا عن الأجزاء؟ وهل الجزء يمكن أن يمثل الكل تمثيلًا كاملاً؟
في ضوء هذه الإشكالية الفلسفية، يقدّم الإمام علي (عليه السلام) في خطابه لابنه الحسن (عليه السلام) رؤية فلسفية دقيقة ومغايرة؛ فهو يبدأ من تصور تقليدي حين يقول: “وجدتك بعضي”، مما يُوحي بانتماء الابن إلى الأب بصفته “جزءًا” منه، أي أن الأب هو الأصل والكل، والابن مجرد فرع أو تجلٍّ محدود منه. لكن الإمام لا يلبث أن يُعيد تشكيل هذه العلاقة جذريًا حين يُصرّح: “بل وجدتك كلي”، وهي عبارة تنقض التصور السابق، وتُعيد بناءه على أساس توحيدي واندماجي، حيث الجزء لا يعكس الكل فحسب، بل يصبح الكل في ذاته.
هذا التصور يتقاطع مع رؤية أفلاطون في مسألة تمثل الماهية في الجزئيات، إذ يرى أن الجوهر أو “المثال” يمكن أن يتجلى في جزء معين أو في كائن واحد بشكل تام، لا باعتباره نسخة مشوّهة أو ناقصة، بل كصورة حقيقية وفاعلة للمثال الأعلى. وهذا ما يُشار إليه أحيانًا بمفهوم “الكل في الجزء” (the whole in the part). فعندما يقول الإمام علي إن الحسن هو “كلي”، فهو لا يُعبّر عن عاطفة أبوية فقط، بل يُعلن عن موقف فلسفي معرفي يرى أن جوهر الكينونة يمكن أن يُستعاد، بل يُكتمل، في شخص واحد.
وينسجم هذا كذلك مع ما ذهب إليه أفلوطين في التاسوعات، حيث يقول إن النفس الكلية (أو النفس الأولى) يمكن أن تتجلى في نفس فردية بالكامل، دون أن تنقص أو تتوزع. أي أن الواحد لا يُقاس بالكم، بل بالكمال، وأن الهوية لا تتجزأ عند انتقالها، بل تتكامل في كل تمثلٍ جديد. وهذا ما يُمكن استثماره لفهم تعبير الإمام علي (ع): “بل وجدتك كلي”، أي أن الهوية الكاملة للأب – لا كجسد فقط، بل كقيمة، كرسالة، كمعرفة – مركّزة ومتحققة في الحسن (ع) على نحو يجعل منه تجسيدًا للكل، لا جزءًا منه فقط. وفي هذا السياق، ينتفي التمييز التقليدي بين الأصل والفرع، أو المصدر والامتداد، ويُعاد تعريف العلاقة ضمن إطار التكافؤ الأنطولوجي بين الطرفين. فالابن لا يُنظر إليه كـ “جزء محدود من كل أعلى”، بل كـ كيان يحمل في ذاته اكتمال الأصل، ويعيد إنتاجه بصورة مختلفة ولكن غير منقوصة. وهذا ما يُمكن قراءته أيضًا ضمن ما يُعرف في الفلسفة الظاهراتية بـ التمظهر الكلي للمعنى في التجربة الجزئية.
كما أن في هذا التصور دعوة ضمنية لإعادة التفكير في معنى الوراثة الروحية والمعرفية، بحيث لا تُوزع الهوية الكبرى للأب (المُعلّم، الإمام، الحكيم) على أبنائه أو أتباعه بالتساوي أو بالتجزئة، بل يمكن أن تتجلى بكليتها في فرد معين باعتباره الحامل الأوحد لها، وهو ما يفتح المجال لفهم عميق لفكرة الاصطفاء أو النيابة الكاملة التي ترد في الفكر الإسلامي ضمن مفهوم الإمامة، حيث الإمام التالي لا يشارك سلفه في الوظيفة فقط، بل يتقمّص جوهره ويُجسد رسالته بالكامل. وهكذا، فإن تعبير الإمام علي (ع): “وجدتك كلي” ليس مجرد مجاز لغوي، بل بيان فلسفي ومعرفي يعكس رؤية متقدمة لمفهوم الكل والجزء، وللعلاقة بين الهوية والأثر، وبين الأصل والتجلّي.
رابعًا: الحب بوصفه فعل اكتمال
لا يمكن فصل هذا القول عن بُعده العاطفي، فالإمام يعبر عن حالة محبة مطلقة لا ترى في الابن جزءًا من الذات، بل ترى فيه الذات كلها. وهذا يتناغم مع ما عبّر عنه جلال الدين الرومي حين قال: أنت لست جزءًا من قلبي، أنت قلبي كله. وفي الفلسفة المعاصرة، يرى إيمانويل ليفيناس أن اللقاء بالآخر يُعيد تشكيل ذاتي ويمنحها معنى: الآخر لا يُكملني فقط، بل هو الذي يمنحني وجهي.
ومن هذا المنظور، يصبح الحب الكامل مرادفًا للتماهي الكامل، حيث يذوب “الأنا” في “الآخر”، وتصبح العلاقة علاقة انصهار، لا انفصال.


