التجديد الفلسفي عند السيد محمد باقر الصدر

التجديد الفلسفي عند السيد محمد باقر الصدر
تميّز السيد الصدر بتجديده الفلسفي وربطه بالفكر الحديث، إذ دمج المنطق الاستقرائي بالنقد الغربي، وجعل الفلسفة أداة لبناء النظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي، مقدماً رؤية إنسانية وعالمية تتجاوز حدود الفقه التقليدي....

يُعد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) علامة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، ليس فقط لغزارة إنتاجه، بل لنوعية “الهمّ الفلسفي” الذي حمله. فقد أخرج الفلسفة الإسلامية من دوائر الحوزة المغلقة والنقاشات الميتافيزيقية التجريدية، ووضعها في مواجهة مباشرة مع التيارات الفلسفية الحديثة (الماركسية والوضعية المنطقية). يُضاف إلى ذلك، أنه لم يتعامل مع الفلسفة كترفٍ فكري أو كشرحٍ للمتون القديمة (كما كان سائداً لدى مدرسة الملا صدرا أو المشائين في الحوزات)، بل تعامل معها كـ”سلاح ضروري” لبناء نظام اجتماعي وسياسي إسلامي. ويكمن الاختلاف الجوهري للسيد الصدر عن باقي علماء المسلمين في أنه نقل الدرس الحوزوي في بعض متبنياته من الفقه والأصول إلى “نظرية المعرفة” Epistemology مؤسساً بذلك مدرسة فكرية جديدة تختلف في المنهج والهدف. إذ كان يرى أن الرفض الفقهي لا يكفي لمواجهة “فلسفة” كاملة (كالشيوعية والرأسمالية) من منطلق ديني فقهي (حلال وحرام).

في كتابه “فلسفتنا”، لم يتحدث بلغة دينية بحتة، بل قام بتفكيك “المادية الديالكتيكية” (الأساس الفلسفي للشيوعية) باستخدام أدوات المنطق والفلسفة الغربية نفسها. وعَمِلَ على نقد الأسس من خلال عدم مهاجمته للنتائج السياسية للشيوعية فحسب، بل هدم الأساس المعرفي الذي قامت عليه، مبيناً تهافت المنطق الديالكتيكي مقارنة بالمنطق الصوري والواقعية الإسلامية.

أما في التجديد في “نظرية المعرفة” (الأسس المنطقية للاستقراء)، لعل أعظم إنجاز فلسفي ميز السيد الصدر عن علماء المسلمين (وحتى فلاسفة الغرب) هو كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء”. إذ تناول المشكلة التاريخية على خلاف الآخرين. فقد كان علماء المسلمين والفلاسفة التقليديون (الأرسطيون) يعتمدون على القياس Deduction كطريق وحيد لليقين، وينظرون إلى الاستقراء Induction الذي يعتمد عليه العلم الحديث على أنه يفيد الظن لا اليقين (لأنه ناقص دائماً). هذه كانت ثغرة استغلها ديفيد هيوم والفلاسفة التجريبيون للتشكك في الميتافيزيقا والدين. لذلك لجأ السيد الصدر إلى المذهب الذاتي للمعرفة. وجاء ليقدم حلاً رياضياً ومنطقياً يثبت أن الاستقراء يمكن أن يؤدي إلى اليقين الموضوعي. ومن خلال توالد اليقين، شرح كيف تتراكم الاحتمالات (حساب الاحتمال) لتنتقل من مرحلة الظن إلى مرحلة اليقين النفسي ثم الموضوعي. ومن خلال إثبات الصانع، استخدم هذه النظرية لإثبات وجود الله علمياً بنفس الطريقة التي يثبت بها العلماء القوانين الفيزيائية، مما جعل خطابه الفلسفي مقبولاً للعقلية العلمية الحديثة، وهو ما لم يفعله الفلاسفة التقليديون.

بعد ذلك، انتقل من التجريد إلى “النظام” (الواقعية الميدانية). وقد اختلف الصدر عن الفلاسفة المسلمين السابقين (مثل الفارابي أو ابن سينا) في “وظيفة الفلسفة”. فكانت الفلسفة عند السابقين هي مجرد بحث في الوجود، الجوهر، والعرض (بحث نظري بحت)، بينما عند السيد الصدر، فكانت الفلسفة هي الأرضية التي يُبنى عليها “المذهب الاقتصادي” و”النظام الاجتماعي”. وخير دليل على ذلك، أنه في كتابه “اقتصادنا”، أوضح أنك لا تستطيع بناء اقتصاد إسلامي دون أن يكون لديك “مذهب اقتصادي”، وهذا المذهب يجب أن ينبع من “رؤية كونية” (فلسفة). لذا، رَبَطَ الفلسفة بحياة الناس وأرزاقهم، محولاً إياها من كتب صفراء إلى دستور حياة.

 وعندما نجري مقارنة بين فلسفة السيد الصدر والفلسفة الإسلامية التقليدية نجد:

  1. في المنهج: أعتمد على دمج المنطق الأرسطي مع حسابات الاحتمالات (الاستقراء)، بينما في الفلسفة التقليدية نجد ان المنهج أعتمد كلياً على المنطق الأرسطي (القياس).
  2. في الهدف: كان هدفه بناء نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي متكامل، بينما كانت الفلسفة التقليدية تهدف إلى فهم الوجود وإثبات العقائد نظرياً.
  3. في المصادر: كانت مصادره النصوص الإسلامية والفلسفة الأوربية الحديثة (تجريبية وعقلية)، بينما كانت مصادر الفلسفة التقليدية تعتمد على النصوص الإسلامية والفلسفة اليونانية القديمة.
  4. في الموقف من الغرب: كان يعتمد على التفكيك العلمي والنقد الفلسفي من الداخل، بينما الفلسفة التقليدية فكانت تعتمد على التجاهل أو الرفض الديني (التكفير).

من جانب آخر، نرى أن النزعة الإنسانية والعالمية حاضرة في نتاجه الفكري. إذ لم يخاطب السيد الصدر “الشيعة” أو “المسلمين” فقط في طرحه الفلسفي، بل خاطب “الإنسان”، معتبراً إن المشكلة الإنسانية هي مشكلة واحدة في كل مكان وزمان. وهنا يُقدّم الإسلام كحل لمأساة الإنسان المعاصر (الاغتراب، المادية، الصراع الطبقي)، مما جعل هذا البعد الفلسفس العالمي منه فيلسوفاً إنسانياً يختلف عن علماء المسلمين الآخرين.

خلاصة الكلام: إن البعد الفلسفي للسيد محمد باقر الصدر يختلف عن علماء المسلمين في كونه فلسفته هي “فلسفة حية ومسؤولة”. لم يَكتُب الفلسفة ليعيش في بروج عاجية، بل كتبها ليصنع منها درعاً يحمي الهوية الإسلامية من الذوبان في المادية الغربية والشرقية، وليثبت أن الإسلام يمتلك “منطقاً” قادراً على استيعاب العلم الحديث وتجاوز إشكالياته. لقد كان الصدر فيلسوفاً بحجم مشروع حضاري متكامل.

One Response

  1. تمثل فلسفة السيد الشهيد فلسفة حية ومسؤولة؛ صاغها للدفاع عن الهوية الاسلامية، ولاثبات قدرة الاسلام على مواكبة العلم الحديث وتقديم مشروع حضاري متكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *