المقدمة:
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مقامرة خطيرة، حيث يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياسة “الاستسلام أو الدمار” إلى أقصى حدودها. إنها سياسة تستعيد مشاهد الدكتاتوريات العسكرية القديمة، حيث تُفرض الإرادة بالقوة المطلقة، ويُطلب من الخصوم التخلي عن سيادتهم مقابل النجاة من العقاب الجماعي. في قلب هذه الأزمة يتبلور الملف الإيراني كأخطر ساحة مواجهة، مع أكبر حشد بحري أمريكي في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، في مشهد استعراض قوة يهدف إلى الإخضاع الكامل.
العرض: التفاوض بالقوة: استسلام أو دمار
منذ انسحابه من الاتفاق النووي، فرض ترامب عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على إيران، متبوعاً بتصعيد عسكري، ثم دعوة إلى مفاوضات من موقع المنتصر. المطلوب ليس تفاوضاً، بل استسلاماً كاملاً، وتنازلاً عن البرامج الدفاعية والنووية والصاروخية والنفوذ الإقليمي، في لغة لا تعترف بالسيادة ولا بالكرامة الوطنية. هذه المنهجية تحوّل التفاوض إلى أداة إذلال، وتضع إيران أمام خيارين أحلاهما مر: الانصياع أو المواجهة.
الخليج بين خطاب السلم وواقع الحرب
رسمياً، تؤكد دول الخليج رفضها الانخراط في حرب مفتوحة مع إيران، وتعلن أنها لن تسمح باستخدام أراضيها كمنطلق لعمليات عسكرية. لكن في المقابل، تتناقل وسائل الإعلام تصريحات لمسؤولين سياسيين وعسكريين تدعو إلى “موقف حازم” و”رد قوي” على طهران. هذا التباين بين الخطاب المعلن والمواقف غير الرسمية يكشف مأزقاً وجودياً: خوف عميق من تصاعد نفوذ إيران، يقابله رعب أكبر من أن تتحول أراضي الخليج إلى ساحة مواجهة مباشرة لرد إيراني لا يمكن السيطرة عليه.
وما يزيد من خطورة هذا التناقض أن الطيران الأمريكي قد يجد في قواعد خليجية أو أردنية أو قواعد بدول محيطة بإيران منصات انطلاق سرية لشن ضربات، في وقت تعلن فيه هذه الدول رفضها العلني للحرب. هذا الوجه المزدوج يضعها في موقع المتواطئ، ويجعلها عرضة لرد إيراني مباشر، رغم محاولتها الظهور بمظهر الحياد أو الساعي للسلم.
الانفجار الإقليمي وردع غير متماثل
الحرب المحتملة لن تكون محدودة، بل ستفتح أبواب الفوضى على مصراعيها. مضيق هرمز قد يشهد أول معركة بحرية كبرى في القرن الحادي والعشرين، مع احتمالات ضرب سفن أمريكية كبيرة. في الوقت نفسه، ستلجأ إيران إلى استراتيجية الردع غير المتماثل:
– حرب عصابات بحرية باستخدام زوارق سريعة وألغام وصواريخ مضادة للسفن.
– فتح جبهات متعددة عبر حلفائها في المنطقة، مع استهداف المصالح الأمريكية والخليجية.
– هجمات إلكترونية ودعائية تستهدف البنى التحتية الحيوية وتحرّض الشارع العربي ضد الحكومات المتعاونة مع واشنطن.
– تصعيد شامل قد يصل إلى إغلاق مضيق هرمز وضرب العواصم الخليجية.
هذه السيناريوهات تجعل أي مواجهة شاملة أشبه بزلزال إقليمي، يهدد إسرائيل بضربات صاروخية متزامنة، ويضع اقتصادات الخليج والعالم أمام انهيار غير مسبوق مع توقف شحنات النفط. كما أن امتداد الحرب إلى ساحات أخرى، سيحوّلها إلى شبكة معقدة من الجبهات يصعب على أي قوة السيطرة عليها.
البعد الدولي
لا يمكن إغفال دور القوى الكبرى الأخرى. فروسيا والصين تراقبان الموقف عن كثب، وقد تستغلان أي مواجهة لإضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة وتعزيز موقعهما الاستراتيجي. أوروبا، من جانبها، تبدو عاجزة عن فرض موقف موحد، بين من يسعى للحفاظ على الاتفاق النووي ومن يخشى الاصطدام بواشنطن. هذا التشتت الدولي يزيد من خطورة الموقف، ويجعل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة أكثر واقعية.
الخاتمة: مقامرة تهدد الجميع
يبدو أن ترامب يراهن على أن الخوف سيدفع طهران إلى الركوع، وأن التهديد بالقوة يكفي لتحقيق النصر دون حرب. لكن التاريخ يثبت أن سياسة “الاستسلام أو الدمار” تنهار أمام خصم يملك إرادة قوية وأدوات ردع غير تقليدية. إيران ليست دولة هامشية؛ إنها قوة إقليمية راسخة، تملك شبكة نفوذ وعقيدة عسكرية تركز على الصمود والرد المميت.
المطلوب اليوم أن يمارس المجتمع الدولي ودول المنطقة ضغطاً حقيقياً على واشنطن كي تجنح إلى السلم، وتترك شروطها المستحيلة التي لا يمكن لإيران قبولها. غير أن الواقع يشير إلى أن دول الخليج والمجتمع الدولي يفتقران إلى القدرة على ثني ترامب عن مقامرته، ما يجعل الجميع مهددين بالسقوط في هاوية حرب شاملة.
الشرق الأوسط يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما سلام هش يقوم على الحوار، أو جحيم شامل يعيد رسم خرائط المنطقة على أنقاض الملايين.


