لم تعد تقلبات أسعار الذهب في العراق مجرد حركة سعرية في سوق المعادن الثمينة، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية بنيوية تؤثر مباشرة في السيولة النقدية، وسلوك المواطن، ودورة المال، وحركة الأسواق، واستقرار النشاط التجاري، ووظيفة الاحتياطيات النقدية للدولة. فالذهب هنا لم يعد سلعة، بل أصبح أداة اقتصادية سلوكية تعكس مستوى الثقة بالاقتصاد والنقد والسياسات العامة.
لماذا ارتفع سعر الذهب؟ ارتفاع الذهب لم يكن ناتجاً عن عامل اقتصادي مباشر فقط، بل عن تراكب أربعة محركات بنيوية. العامل النفسي النقدي يظهر في بيئة اقتصادية تتسم بعدم الاستقرار، حيث يتحول الذهب من سلعة إلى مخزن قيمة وأداة أمان وبديل نفسي عن الثقة بالنقد، فيشتري المواطن الذهب لا بدافع الربح بل بدافع الخوف: خوف من التضخم، خوف من تآكل القيمة، خوف من القرارات المفاجئة، خوف من ضعف المستقبل الاقتصادي. وهذا يمثل سلوكاً اقتصادياً معروفاً باسم: الهروب إلى الأصول الآمنة (Flight to Safety). أما العامل النقدي المحلي فيتمثل في ضعف أدوات الاستثمار الآمن للمواطن وانكماش السيولة التشغيلية وغياب القنوات الادخارية المنتجة وضعف الثقة بالنظام النقدي، فتتحول الكتلة النقدية من التداول إلى اكتناز → ذهب → أصول جامدة. ويضاف إلى ذلك العامل الخارجي المتمثل في تقلب الأسواق العالمية وتحركات أسعار الفائدة وسياسات البنوك المركزية العالمية نحو الذهب واضطراب الدولار، ما يولّد ضغطاً عالمياً انعكس محلياً. كما يتداخل العامل السوقي الداخلي عبر المضاربة والتخزين والإشاعة الاقتصادية وسلوك القطيع، فيتحول الارتفاع من حركة سعرية إلى موجة اجتماعية اقتصادية. الخلاصة السببية للارتفاع: الذهب لم يرتفع لقوته الاقتصادية، بل لأن الثقة بالاقتصاد كانت أضعف من الثقة بالذهب.
لماذا انخفض سعر الذهب؟ الانخفاض لم يكن تعافياً اقتصادياً، بل نتج عن تشبع شرائي: توقف الطلب بعد موجة شراء واسعة، وتغير المزاج النفسي: انتقال الخوف من التضخم إلى الخوف من الخسارة، وعوامل خارجية: تحركات الفائدة والدولار وتصحيح الأسواق العالمية، إضافة إلى أزمة سيولة: جفاف النقد من السوق، فلم يعد هناك طلب فعلي جديد. الخلاصة السببية للانخفاض: الذهب لم ينخفض لأن الاقتصاد تعافى، بل لأن السيولة استُنزفت من السوق.
الأثر البنيوي على الاقتصاد الحقيقي يظهر أولاً في السيولة النقدية للمواطن. عند الارتفاع يتحول النقد إلى ذهب وتخرج السيولة من التداول ويتقلص الإنفاق وينخفض الطلب، وعند الانخفاض المواطن لا يبيع والسيولة لا تعود والمال يبقى مجمداً والتداول لا ينتعش، فتنشأ حالة: سيولة موجودة نظرياً، غائبة عملياً، مال موجود بلا وظيفة اقتصادية. أما القوة الشرائية فلا تتآكل فقط بسبب الأسعار، بل بسبب انكماش التداول النقدي، وهذا أخطر من التضخم لأنه لا يرفع الأسعار فقط بل يعطل القدرة على الشراء ويجمّد الطلب ويقتل الدورة الاقتصادية.
التاجر في هذه البيئة يواجه ضعف الطلب وركود المبيعات وبطء دوران رأس المال وشح السيولة وتكدس البضائع وصعوبة الالتزامات، فيتحول من توسع → انكماش، استثمار → تجميد، نشاط → بقاء، حركة → ركود. ومع امتداد الأثر إلى الحركة الاقتصادية العامة يتحول الاقتصاد من اقتصاد تداول → اقتصاد اكتناز، اقتصاد طلب → اقتصاد خوف، اقتصاد إنتاج → اقتصاد تحوّط، فتظهر مظاهر ركود الأسواق وانكماش الاستهلاك وضعف النمو وجمود الاستثمار وشلل السيولة.
في ذات الوقت يبقى احتياطيات البنك المركزي غير المستثمرة مفارقة قائمة: البنك المركزي يمتلك احتياطيات، الدولة تمتلك أموالاً، المواطن يكتنز ذهباً، التاجر يعاني سيولة، السوق راكد. فتنشأ مفارقة خطيرة: المال موجود… لكن الاقتصاد لا يراه، الاحتياطي موجود… لكن السوق لا يشعر به، السيولة موجودة… لكنها غير فاعلة. وهذا يعني فشل في ربط الاحتياطي النقدي بالاقتصاد الحقيقي.
الحلقة الاقتصادية المغلقة تتجسد في تسلسل: ارتفاع الذهب → سحب السيولة ↓ ركود الأسواق → ضعف الطلب ↓ خوف المواطن → اكتناز ↓ انخفاض الذهب → لا بيع ↓ جمود السيولة ↓ ركود أعمق ↓ مزيد من الاكتناز. حلقة انكماش نقدي بنيوي مغلقة. ما حدث ليس أزمة ذهب، بل أزمة سيولة، وليس مشكلة أسعار بل مشكلة ثقة، وليس خللاً في السوق فقط بل خللاً في البنية الاقتصادية. الذهب كان أداة… لا سبباً.
الأزمة الحقيقية هي ضعف الثقة بالسياسات الاقتصادية، انفصال الاحتياطيات عن الاقتصاد الحقيقي، غياب السياسات النقدية التحفيزية، تحول السلوك الاقتصادي إلى سلوك اكتنازي، انكماش التداول النقدي، شلل الدورة الاقتصادية. النتيجة النهائية: اقتصاد يمتلك المال لكنه لا يمتلك الحركة، ويمتلك الاحتياطيات لكنه لا يمتلك السيولة الفاعلة، ويمتلك السوق لكنه لا يمتلك الطلب. وهذا هو التعريف الدقيق لـ: الركود السيولي البنيوي في الاقتصاد العراقي.


