يُقرأ تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة “لن تساعد العراق” إذا تولّى المالكي رئاسة الوزراء كرسالة ضغط سياسي، لكنه اقتصادياً واستراتيجياً أكثر تعقيداً من الخطاب المباشر. القضية لا تتعلق بشخص بقدر ما ترتبط ببنية مصالح متشابكة داخل قطاع الطاقة العراقي، تجعل أي عقوبات واسعة تصطدم بالمصالح الغربية ذاتها قبل أن تصيب العراق وحده.
تمتلك واشنطن أدوات ضغط مؤثرة دون اللجوء للحرب: كالعقوبات المالية عبر النظام المصرفي والدولار، وتقييد التحويلات، وتعطيل إعفاءات الطاقة، والضغط عبر المؤسسات المالية الدولية، والتأثير الأمني غير المباشر، والضغط على الشركات العاملة. نظرياً هذه القدرة للعقوبات قائمة، ولكن الاستخدام العملي يُرجَّح أن يبقى ضمن نطاق الضغط السياسي والإعلامي، رسائل الردع، وتضييق مالي محدود كورقة تفاوض، لأن الوصول إلى خنق شامل يصطدم بكلفة استراتيجية مرتفعة.
العراق لم يعد دولة هامشية قابلة للعزل كما في التسعينيات، بل “عنصر مؤثر في منظومة الطاقة العالمية بفضل احتياطياته وكلفة إنتاجه واستخراجه المنخفضة، وارتفاع الجدوى الاقتصادية لحقوله. والجزء الأكبر من إنتاجه يتم عبر شركات طاقة دولية بعقود طويلة الأمد تمثل، امتداداً إستراتيجياً لاقتصادات دولها” هذا ما قاله الخبير النفطي د. عماد العلاق. وأي فوضى واسعة ستلحق خسائر كبيرة بهذه الشركات وتدفع حكوماتها لمقاومة سياسات تهدد استقرار بيئة الاستثمار، ما يجعل الضغط الأقصى ذا ارتدادات تتجاوز بغداد.
*العراق اليوم: مركز طاقة لا يمكن عزله*
رغم حدّة الخطاب السياسي، يبقى قطاع النفط محكوماً بمنطق البراغماتية والاستقرار طويل الأمد. الشركات النفطية الأميركية الكبرى، بحكم استثماراتها الضخمة ودورات مشاريعها الممتدة لعقود في العراق، تميل إلى بيئات تشغيل مستقرة وتضغط لتفادي أي اضطراب يهدد الإنتاج والتدفقات النقدية. وعندما تتقاطع السياسة مع خسائر محتملة قد تتجاوز 25 مليار دولار سنوياً، تنشط داخل تلك الدول قنوات ضغط مضاد عبر لوبيات الطاقة والمؤسسات المالية لحماية المصالح الاقتصادية.
العراق يمتلك احتياطيات نفطية هائلة وكلفة استخراج منخفضة، ما يمنحه وزناً جيوسياسياً يتجاوز البعد الاقتصادي. وقد كشف وزير النفط العراقي حيان عبد الغني أن 28 شركة نفطية أمريكية تعمل داخل العراق، من بينها: Halliburton , Schlumberger, Baker Hughes, Weatherford, Honeywell, KBR. هذه ليست شركات ثانوية، إنها جزء من العمود الفقري لصناعة الطاقة الأمريكية نفسها، إلى جانب شراكات كبرى مع شركات غربية في مشاريع طويلة الأمد. كما يسعى العراق لرفع طاقته الإنتاجية إلى 6.5 مليون برميل يومياً بحلول 2028، ما يعزز موقعه في معادلة أمن الطاقة العالمي.
بالتالي، أي تضييق اقتصادي أميركي على العراق لن يكون أحادي الأثر، بل سيُطلق ارتدادات معقدة تطال استثمارات غربية وأسواق الطاقة نفسها.
- التعرض الاقتصادي المزدوج: أي إجراء أميركي يضرب السوق العراقية سيضرب أيضاً محفظة شركات أميركية وغربية، وبالتالي يفتح قنوات ضغط على صانعي القرار الأميركيين من داخل القطاع الخاص واللوبيات الصناعية.
- اتساع التأثير على الأسواق: العراق لاعب أساسي في توازن الإمدادات داخل منظومة أوبك+. أي خلل أو خفض مفاجئ أو اضطراب في صادراته، ينعكس فوراً في أسواق الخام العالمية، وهو ما لا تريده إدارة ترامب التي لا تزال توازن بين المصالح الداخلية والخارجية.
- البدائل والتنوع: كلما زادت بدائل السوق للنفط العراقي من (تجار ومشترون شرقيون وغربيون)، كلما تضاءلت قدرة واشنطن على التحكم الأحادي بطلبات بغداد.
- التكلفة السياسية الداخلية: الضغط الذي يحمل خسائر لشركات وطنية يؤدي إلى رسائل قوية من تلك الشركات إلى الكونغرس والحكومة الأميركية، ما يجعل خيار العقاب السياسي مكلفاً سياسياً واقتصادياً.
*الاستثمارات الأميركية كأداة نفوذ عراقي*
الضغوطات السياسية والاقتصادية المشروعة يمكن توظيفها ضمن الأطر القانونية والمؤسسية المتاحة للدولة العراقية، دون انطواء على عنف أو ممارسات غير قانونية. وهي تستند إلى توظيف منظم لوسائل النفوذ القانونية والتجارية والسياسية المعترف بها دولياً، بهدف إدارة المصالح الوطنية وتعزيز القدرة التفاوضية للدولة، وذلك من خلال الأدوات التالية:
- تعويم تكلفة الانسحاب إعلامياً واستراتيجياً: إصدار تقارير مدعومة بالبيانات عن قيمة العقود والاستثمارات وموارد التوظيف التي ترتبط بالشركات، وتوجيهها إلى برلمانات الدول المعنية ووسائط الإعلام الاقتصادية العالمية لرفع الوعي بتبعات أي قرار. وإشراك غرف التجارة ومرجعيات الأعمال في الدول المضيفة لتفعيل ضغط قطاعي على صنّاع القرار.
- استخدام العقود والالتزامات القانونية كأداة تفاوض: إظهار أن أي تعطيل سياسي سيضع الشركات أمام خطر خسارة أصول وتعويضات وانتهاك عقود، ما سيدفع هذه الشركات للضغط داخلياً لمنع سياسات عدائية. وتحضير بدائل تعاقدية مع شروط مرنة تشجّع الشركات على البقاء من دون الحاجة لتدخل سياسي مباشر.
- تنويع الشركاء والأسواق لخفض أحادية الضغط: يستطيع العراق فتح أبواب استثمارية وتنافسية مع شركات من مناطق أخرى في (آسيا، أوروبا، وروسيا-إن أمكن) لتكوين شبكة شراكات تجعل من مغادرة طرف واحد أمراً أقل تأثيراً، أي زيادة خفض هشاشة الاعتماد الأحادي. وتعزيز خطوط التصدير البديلة (مثل كركوك – جيهان) وإظهار قدرة التسويق المتعدد الوجهات.
- لعب ورقة السوق والربح أمام صانعي القرار الأميركيين: إطلاع الكونغرس واللوبيات الصناعية بالآثار المباشرة على الوظائف والإيرادات في شركاتهم، ما يخلق توازن ضغط انتخابي وسياسي داخلي ضد سياسات قد تضر بمصادر دخل وموظفي تلك الشركات.
- سياسات مالية ونقدية متوازنة: تسريع التنويع في آليات التسعير أو التسليم في البيع والشراء تكون (حزم عقود بعملات بديلة أو عقود تحوط) كإشارة بأن بغداد قادرة على المناورة، مما يقلل من فاعلية ضغوط الاستبعاد على أساس سحب الميزات من الدولار.


