مقدمة:
حينما يتقاطع الأدب مع الوعي الإنساني العميق، تتشكل نصوص تتجاوز حدود الحكاية، لتغدو مرايا تعكس قلق الإنسان وصراعاته وآماله. في رواية (تحت شجرة التوت) للروائي راسم الحديثي، نجد أنفسنا أمام سردية تتنفس بالذاكرة والألم والأمل معًا، رحلة كثيفة في دهاليز الوعي الجمعي والفردي، تجسدت ببراعة عبر تيار التداعي والتأمل الذاتي. هذه الرواية ليست فقط نصًا للحكي، بل دعوة إلى التفكير وإعادة النظر في مسارات الوعي والتحولات الاجتماعية عبر الزمن.
التحليل:
يصنف “راسم الحديثي” ضمن كتاب تيار الوعي، حيث تنطلق السردية من الذاكرة لتلامس أعماق المشاعر والأفكار، وصولاً إلى العلاقة مع الآخر. يعتمد الكاتب آلية التداعي الحر وحديث النفس، كاشفًا للقارئ تفاصيل مبكرة عن مصائر الشخصيات وتكوينها العقلي والوجداني، كما يتضح من الإشارات الواضحة إلى مصير شخصية “لهيب” وغيره.
يتجسد الوعي هنا كصراع داخلي بين المعرفة والانتماء، بين الانفتاح على الأفكار التقدمية (الاشتراكية، القومية، الماركسية) وبين الانغلاق الديني الذي فرضه المجتمع القروي. شخصية لهيب، المتأثرة برواية “مئة عام من العزلة”، تختصر هذا الصراع، حيث تمتزج القراءة والخيال بالواقع المرير لمشهد مأساوي: ذبح الأم علوية على يد الأب عبد الله، نتيجة اتهام ظالم، ليصبح الحدث الجوهري الذي يبلور الوعي الجمعي الطفولي والمجتمعي معًا.
المجتمع القروي هنا ليس بريئًا؛ بل هو شريك في الجريمة، حيث تُخلق الأكاذيب وتنتشر كالنار في الهشيم، ويُكافأ المناضلون بالتشهير والخذلان. السردية تتنقل بين تفاصيل القرى البعيدة وسجون الصحراء (كنكرة السلمان)، لتقدم نماذج صلبة للثبات على المبادئ، مثل خنور عودة وهرمز يوحنا.
الزمان بطل آخر للرواية؛ إذ لا يقل حضوره أهمية عن الشخصيات والمكان. عبر إشارات دقيقة إلى الأحداث المفصلية (الحرب العالمية الأولى، اكتشاف النفط، انتفاضة 1948، ثورة 14 تموز 1958، الحرب العراقية الإيرانية، الاحتلال الأمريكي للعراق)، تتعقب الرواية التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، وكيف تتشابك مع مصائر الأفراد. ومع ذلك، يلاحظ القارئ تغافل الرواية عن مرحلة السبعينات وغزو الكويت والحصار، وهو ما كان يستحق فصلًا إضافيًا، خاصة أن حجم الرواية (132 صفحة) يسمح بذلك دون إخلال بالإيقاع.
على صعيد الشخصيات الروائية، تميز الحديثي في رسم ملامح شخصياته، مانحًا إياها بعدًا حيويًا رغم ارتباطها بالواقع. شخصية عمار تبرز كنموذج للارتقاء الفردي والانفتاح على العالم، قبل أن يصدم بخيانة حب سيلينا الجاسوسة، مما يجسد مأساة الاغتراب والخذلان. النهاية تكشف لنا مفاجآت مثل هوية شيخ الجامع الأرمني الهارب من مذابح العثمانيين، مما يضيف للرواية أبعادًا إضافية تتعلق بالهوية والخلاص الفردي والجمعي.
خاتمة:
إن رواية (تحت شجرة التوت) لا تقدم قصة تقليدية، بل تطرح أسئلة كبرى حول الوعي، والخيانة، والتحولات الاجتماعية. بأسلوب تيار الوعي، وتعدد الأصوات، واستحضار التاريخ، استطاع راسم الحديثي أن يخلق نصًا يوقظ الذاكرة الجماعية ويدعو القارئ إلى مراجعة مفاهيمه حول الهوية والانتماء.
هي رواية لكل من يؤمن أن الأدب ليس حكاية فحسب، بل هو أيضًا فعل مقاومة وفعل وعي.


