في مطوية معرضه الشخصي (تسليات القانط) الذي اقامته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في البصرة كتب الفنان الرسام هاشم تايه: “بعيداً عن موضوعه، وقريباً منه لا يدع الرسم الفرصة تفوته في الاستجابة لإغراءات قواه الشكليّة بتحرير طاقاتها على مساحة السطح التصويري بفاعلية توازي فاعلية الرسام نفسه، خارج نطاق تحكمه بهذا السّطح وسيطرته عليه بضغوط موضوعه الذي يُعالجه. وعلى مدار عمليات تخليق صورة ما يعمل الرسم نداً للرسام ، فيُبادله فعلاً بفعل، وأثراً بأثر، وتصوّراً شكلياً بتصوّر. يقع هذا بتعاضد بين الاثنين حيناً، و بانشقاق، ومعارضة، وصراع أحياناً. وفي خلال ذلك يبدو الرّسّام جاداً، ويستقل الرّسم مسترخياً، لاهياً كما لو أنّه مهتم بخلق تسلياتٍ لحياته بقواها، واستهواءاتها الحرّة. تسليات لن يجد القانط مناصاً من طـبع إمضائه عليها كلما فرغ من رسم عالمه المحبط”.
تضمن المعرض 35 عملا قسمها هاشم تايه الى ليس فقط مجموعتين، بل الى (مكانين) شبه منفصلين، احدهما اعتبَره هاشم تايه (متنا)، والاخر اعتبَره (هامشا)، وكانت اعمال المتن قد انجزت بالوان الاكريليك على الكانفاس، او القماش، ووفق الطرق التقليدية في استخدام اللون، وفي الحضور الفاعل لـ(فعل الرسم)، بينما انجزت اعمال الهامش بمواد غير تقليدية، وهشة، ومهملة، استلها من الوسط المعيش، وتبدو ليس فقط بنيتها المادية خرقا لتقاليد الرسم المتداولة، واعمال الهامش، وهي بالحقيقة امتداد من صفحة سابقة في تجربة هاشم تايه حينما كان يشتغل على مواد تعد (نفايات) استخدام سابق، وعلى المرذول من المادة، وعلى المادة الاستثنائية، وهو الاستراتيج الاعظم طوال تجربته الفنية السابقة تقريبا، رغم ان هاشم تايه كان ينوع على هذه الاستراتيجية، من معرض الى اخر، ولكنها تبقى استراتيجا ثابتا، رغم التجدد الظاهر في كل معرض، وهو ما يسميه (اغراءات القوة الشكلية) للرسم، تلك الاغراءات التي يمتلئ بها العالم المحبط للرسام، وربما تكون قضية الهامش والمتن تبريرا لجمع التجربتين المختلفتين معا في معرض واحد.
ينغمس العالم خلال عبر اعمال هاشم تايه في فوضى حينما تنطوي اللوحة على (كل شيء)، بما في ذلك التنوعات: الفكرية، والمادية، والتقنية، حيث تتواطن فاعلية التخطيط الى جانب تقنية الالوان المائية؛ فكانت تخطيطاته المصغرة بالقلم المعدني (السلاية) ومادة الحبر الأسود، قد تحولت هنا الى تخطيطات بالفرشاة والاكريليك الأسود في اعمال ضخمة، كما كان يمارسها في مصغراته التخطيطية المائية، فهذا المعرض، في حقيقته، اعمال ضخمة بقياس المترين، والثلاثة امتار رغم انبثاقها من مصغرات تخطيطية صغيرة بالحبر الصيني والالوان المائية، فقضية (الهامش والمتن) التي اسس لها هاشم تايه معرضه انزلت هذا الاستراتيج الى المعرض الى اللوحة الضخمة في بنيتها الداخلية من: متن وهامش يتعايشان معا في اللوحة، فالتفاصيل التي تحيط بالشاخص الأسود، في اعمال (الهامش) التجريدية، تهدف ان تكون جوهرا، ومتنا ينافس المتن الذي داخل اللوحة، الذي هو القطعة الكولاجة السوداء، فيعطي احساسا بفوضى الحياة المعيشة التي يختلط فيها المتن بهوامشه.
تنطوي اعمال هاشم تايه في معرضه هذا على خطاب لغوي تدويني، لم يوجد لا للقراءة ولا للرؤية، فهو يفارق غالبية الرسامين الذين عادة ما يرسمون الحروف، اما للقراءة بهدف إيصال معنى لغوي، واما للرؤية، بينما لا يريده هاشم تايه منها الا لتوحي بـ(لا موضوع اللوحة).
يحتار المتلقي، في كل لوحة، اين يكمن المتن، واين يكمن الهامش، فالوجود كله يبدو نمطا من امال زائفة امام المأساة التي تعيشها شخوص تجربة هاشم تايه، حيث يبدو الوجود كله هامشا لا اهمية له، بل احيانا يبدو الهامش قد اشتغل بتفاصيله أكبر من المتن الذي لم يكن الا لطخة كولاجية سوداء.
ينقل هاشم تايه دواخله دون رتوش ولا (مكيجة) فهو يضع دواخله امام المتلقي دفعة واحدة وبوضعها الخام دون اي تأهيل.
وأخيرا قد تبدو لي بعض اعمال المعرض وكأنها تعبير عن عقدة اخصاء مستديمة للأبطال منذ بواكير حياتهم فهم ابطال مهزومون، في محنتهم الوجودية، يعانون ايضا من عقدة اخصاء مستديمة، بل هم “ابطال دونما بطولات”.. يكتبون “تاريخا بلا حوادث”.


