قبل أيام، احتضنت بغداد قمة عربية طارئة بدعوة عراقية خالصة، في محاولة لإعادة بث الروح في جسد التضامن العربي المتعب. وعلى الرغم من الزخم الإعلامي الذي رافق الاستعدادات، فإن القمة كشفت هشاشة التوافق العربي، أكثر مما عبّرت عن قوته. فهل كانت هذه القمة انتصارًا للعراق، أم مجرّد حدث بروتوكولي آخر في سجلات السياسة العربية؟
أولًا: خلفية القمة – توقيت مثقل بالتحوّلات
* انعقدت القمة في ظرف إقليمي غاية في الحساسية:
* العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة والضفة.
* الفوضى في السودان وانفلات الأوضاع في ليبيا واليمن.
* وتزايد نفوذ اللاعبين غير العرب في القرار العربي (تركيا، إيران، إسرائيل).
في هذا المشهد المضطرب، بدا العراق وكأنه يحاول الإمساك بخيوط الزعامة الناعمة… زعامة تبدأ من فتح أبوابه للقادة العرب، وتنتهي بمحاولة جمع كلمتهم في بغداد، العاصمة التي عرفها الجميع يومًا بصوت المدافع، لا بنبرة الدبلوماسية.
ثانيًا: أهمية القمة للعراق – استرداد الهيبة المفقودة
لا يمكن فهم القمة دون النظر إلى حاجة العراق الماسّة لـ:
- تثبيت شرعيته الإقليمية: بعد سنوات من الانكفاء، يريد العراق أن يُنظر إليه كمركز قرار لا كدولة هامشية.
- كسر طوق العزلة: إذ أن الغياب العربي الطويل عن بغداد أعاق مشاريع التعاون الاقتصادي والسياسي.
- الاستفادة من ورقة الوساطة: العراق اليوم يملك علاقات ممتازة مع كل من إيران، وسوريا، والسعودية، وتركيا، مما يجعله مرشحًا طبيعيًا للعب دور الجسر لا الجدار.
وقد حاولت الحكومة العراقية توظيف القمة لتقديم صورة مغايرة عن الواقع العراقي: أمن مستتب (على الأقل ظاهريًا)، ومطار يستقبل وفودًا بسلام، ومؤتمر يُعقد دون انفجارات.
ثالثًا: رسائل القمة – العناوين العريضة
رغم أن البيان الختامي حمل نبرة موحّدة حول القضايا الكبرى، خصوصًا فلسطين، إلا أنه افتقر إلى خطوات عملية، مما جعل البعض يصفه بـ”البيان الأخلاقي” لا السياسي.
ومع ذلك، حملت القمة رسائل ضمنية مهمة:
١. رسالة إلى الداخل العراقي: مفادها أن العراق قادر على إدارة ملفات دبلوماسية معقدة، ما يعزز من ثقة الشارع المحلي بالحكومة.
٢. رسالة إلى الجوار الإقليمي: بأن العراق لم يعد ملعبًا مفتوحًا لقوى الخارج، بل يسعى ليكون لاعبًا بحد ذاته.
٣. رسالة إلى الغرب: بأن بغداد قادرة على التوازن بين تحالفاتها المتنوعة، وأنها لا تزال طرفًا يمكن التعويل عليه.
رابعًا: غياب القادة – الغياب الصامت المدوّي
لوحة الحضور كانت ناقصة… بشكل واضح.
من غاب؟
السعودية: اكتفت بإيفاد وزير الخارجية.
الإمارات: غابت القيادة العليا.
المغرب، البحرين، لبنان ، الكويت، قطر… غابت أو قلّصت تمثيلها.
لماذا؟
١. عدم الثقة بالمناخ الأمني: رغم التحسن، ما زال هاجس الأمن يلقي بظلاله.
٢. التحفظ على العلاقة مع إيران: بعض الدول العربية ترى أن حضور قمة في بغداد هو إضفاء شرعية غير مباشرة لنفوذ طهران.
٣. حسابات المنافسة على القيادة: هناك دول تعتبر بغداد “غير مؤهلة” لقيادة الموقف العربي.
٤. خلافات داخلية وصراعات ثنائية: بعض الزعماء لا يريدون الظهور في قمة واحدة مع خصومهم السياسيين.
خامسًا: الفائدة السياسية والاقتصادية للعراق
رغم الغياب، فإن القمة لم تكن بلا مكاسب:
١. إعادة فتح ملفات التعاون الاقتصادي العربي – العراقي: خاصة في مجالات الطاقة، والمياه، والاستثمار.
٢. طرح مبادرات دبلوماسية مثل وساطة عراقية في الملف اليمني.
٣. تثبيت حضور العراق في الحراك العربي المستقبلي، ما قد يُترجم لاحقًا في قمم الجامعة العربية أو مشاريع التكامل الإقليمي.
* قمة لم تنتهِ بانتهاء البيان
القمة التي انعقدت في بغداد قد لا تكون غيّرت المواقف، لكنها بالتأكيد حركت المياه الراكدة في العلاقة بين العراق وباقي العالم العربي.
هي ليست انتصارًا نهائيًا، لكنها خطوة على طريق عودة بغداد إلى “الخيمة العربية”، لا كضيفٍ مضطربوطمو كمضيف له كلمته، وتاريخه، وطموحه.
ويبقى السؤال الكبير:
هل ستعرف بغداد كيف توظّف هذه القمة لصناعة دورٍ إقليمي جديد… أم ستذوب في أرشيف الأحداث الرمادية؟


