سياسة “قبلة جيمثاق” أو ما يُعرَف بـ “Reverse Kissinger”

سياسة “قبلة جيمثاق” أو ما يُعرَف بـ “Reverse Kissinger”
تستوحي ( قبلة جيمثاق) فكرتها من تجربة هنري كيسنجر في السبعينيات، حين انخرطت إدارة نيكسون في اقترابٍ دبلوماسي من الصين بهدف عزل الاتحاد...

تستوحي ( قبلة جيمثاق) فكرتها من تجربة هنري كيسنجر في السبعينيات، حين انخرطت إدارة نيكسون في اقترابٍ دبلوماسي من الصين بهدف عزل الاتحاد السوفييتي وتقويض تحالفه مع بكين. بعبارة أخرى، كيسنجر استخدم “التثليث الدبلوماسي” (triangular diplomacy) لجذب الصين بعيدًا عن الاتحاد السوفييتي، مما أعاد تشكيل موازين القوى خلال الحرب الباردة.

ما المقصود بـ “عكس كيسنجر” (Reverse Kissinger)؟

في هذا الإطار، تسعى فكرة “قبلة جيمثاق” الحالية إلى قلب المنهجية السابقة: بدل أن يجذب الأمريكيون الصين لابتعادها عن روسيا، يريدون الآن جَذبَ روسيا إلى حِلْفٍ أكثر انفصالًا عن الصين حتى تتمكّن واشنطن من وضع نفسها كوسيطٍ رئيسي بين موسكو وبكين. بكلمات أخرى، الهدف هو سحب روسيا من شراكتها “غير المحدودة” مع الصين، أو على الأقل خلق توتّرٍ بينهما، ما يتيح للولايات المتحدة النفوذ الأكبر في آسيا وأوروبا معًا.

كيف يترجَم ذلك عمليًا في سياسات ترامب؟

1- تليين موقف واشنطن من موسكو: منذ بداية ولايته الثانية، دعا ترامب إلى إعادة العلاقات مع روسيا إلى سابق عهدها، وقلّص أو علّق الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا، بل ودعا إلى مفاوضات سلام تتضمن تضحيات لصالح موسكو. الفكرة هنا هي أن يقدم عرضًا لفلاديمير بوتين يجذب روسيا إلى معسكرٍ “معتدل” رغبةً في كسبها ضد الصين.

2- فرض رسوم جديدة على الصين: في الوقت نفسه، شَنّ ترامب جولةً جديدةً من التعريفات الجمركية تحت مسمى “Liberation Day Tariffs” (رسوم يوم التحرير)، بهدف إضعاف النفوذ الاقتصادي الصيني، مع الحفاظ على قنوات تفاوض مفتوحة مع شي جين بينغ. بهذه الخطوة يسعى لتقديم “حجّة” لبكين بضرورة إعادة النظر في تحالفها مع روسيا كخطوة استباقية لإنقاذ مصالحها الاقتصادية.

3- محاولة خلق توازن ثلاثي: يصف مستشارو ترامب علاقته مع شي جين بينغ بأنهما “أصدقاء”، وفي الوقت نفسه يُبدِي ميلاً لحل قضية أوكرانيا بما يخدم بوتين، على أمل أن تُشعِر روسيا بالامتنان أو القلق من هيمنة الصين لتنظر في شراكتها الطويلة مع بكين. بهذا الشكل، يأمل ترامب في أن تصبح أمريكا مركز الثقل الذي يقيم توازنًا بين موسكو وبكين بدلًا من كونها طرفًا من طرفي التحالف.

الانتقادات والمخاطر المحتملة

 1- قوة العلاقة الروسية-الصينية:

أن العلاقة بين بوتين وشي جين بينغ مبنية على ثقة استراتيجية متنامية منذ سنوات، تشمل التعاون في المجال العسكري والاقتصادي والطاقة. حتى لو قدّم ترامب تنازلات للكرملين، فإن موسكو تدرك أن الصين هي سوق ضخم وموثوق به لشراكات طويلة الأمد. لذلك، احتمال أن تنفصم العلاقة أبعد من كونها ورقة ضغط غايةً في الصعوبة.

2- تآكل ثقة الحلفاء التقليديين: تتخوف دول أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية من أن يتم إهمالها لصالح محاولة “عزل الصين” عبر روسيا. فقد بدأت هذه الدول تلمس تغيرًا في مواقف واشنطن تجاه التزاماتها الأمنية، خاصة في قضايا مثل الردع النووي. هذا قد يدفع الحلفاء إلى البحث عن توازنات جديدة بعيدًا عن الولايات المتحدة، أو حتى تعزيز قدراتهم الذاتية.

3- غياب رؤية واضحة واستمرارية سياسية: لا توجد حتى الآن وثيقة رسمية أو تصريح مفصّل من البيت الأبيض يشرح كيف سيُموِّل ترامب تضحيات كهذه أو ما هي الضمانات التي سيتلقّاها لقاء ذلك. فقد يواجه صعوبة في الحفاظ على سياسة داخلية واقتصادية مستقرة إذا استمرت التوترات مع الصين دون نتائج ملموسة في التقارب مع روسيا.

باختصار، تعني “قبلة جيمثاق” أو “Reverse Kissinger” محاولةً من إدارة ترامب لإعادة تشكيل التحالفات العالمية عبر سحب روسيا من جوانبها مع الصين، وخلق نوعٍ من “توازن ثلاثي” جديد تكون فيه الولايات المتحدة الوسيط الأكبر. غير أن معظم الخبراء يشككون في جدوى هذا النهج، معتبرين أن الشراكة بين موسكو وبكين عميقة وتنافسية مع واشنطن ستؤدّي على الأرجح إلى تعزيز تلك العلاقة بدلًا من تقسيمها، مع تكلفة سياسية واقتصادية على حلفاء أمريكا التقليديين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *