كان الشاعر رحمه يقول
((جاب 96 بالسادس اعدادي، وكان حزيناً لأنه لم يحصل على درجة اعلى. كان مثل طير ذهب ومثل زهرة يانعة)) هذا ما وصف به موفق محمد ولده الشاب ذي الثمانية عشر عاماً طالب كلية الهندسة الذي اعتقل بعد انتفاضة 1991 ولم يعد.
يروي موفق محمد في لقاء متلفز:
((كانوا يجبرون المعتقلين على شُرب البانزين، ويضعون إطار سيارة في رقابهم ثم يطلقون عليهم اطلاقات نارية فتشتعل أجسادهم))
ويقول شعراً:
((حياً أراه كزهرة الرمان
يقطفها المسدس بالرصاص))
هذا ما رواه موفق محمد عن تعامل سلطة البعث مع الشباب الذين تم اعتقالهم بعد الانتفاضة.
لم يكتف الجلادون بالقتل والتعذيب، بل كانوا يوغلون بالتمثيل بجثث ضحاياهم والاستمتاع برؤيتها وهي تشتعل وتتفحم لتغدو كوم رماد، يا لها من فاجعة هائلة تفوق مستوى التحمل، كيف يمكن محو تلك الصورة من رأس الأب والام؟
لم يعثر موفق على جثة ولده، وكان في قصائده صورتان تتكرران عن ابنه الشاب لا يجرؤ على الإفصاح عنهما الا شعراً؛ الأولى: هي صورة رماد جثة الأبن المتفحمة وبقاياه التي يجمعها في كيس نايلون ويعود بها الى بيته.
((لا ﮔبر وأتهدّل إله
وألهم ترابه وأسأله
الـﮔلب صاير كربله
ولا خط يجي عن موتك))
فذلك الشاب الذي يشبه الحلم لم يعد الى اهله، و ربما أصبح جسده شعلة نار ورماد بعد ان أشعل زبانية السلطة النار في جسده الطري كما يتصور الشاعر، هذه الصورة التراجيدية ترفع من مستوى الحزن في قلوب الآباء والامهات لتجعل من تلك القلوب كربلاء معاصرة مليئة بالانكسار وضياع الامل من عودة الغائب، واليأس من ورود خبر او رسالة عنه.
((ما رد حلم عايف هله
وصدره تراب ومنقله
الـﮔلب صاير كربله
ولا خط يجي عن موتك))
والصورة الثانية هي صورة الجرافة (الشفل) وهي تهيل التراب على الشباب وهم احياء لتدفنهم في مقبرة جماعية، وهو يتخيل ان ابنه قد يكون معهم.
((وما تخلص إﮔبور البلد دفّان ينخه إبدفّان
ومشلّه اشليله الشفل ويطمها عَدله الشبّان))
انه شاعر يبدو بلا امل، وهو يبحث عن بقايا جسد لولد غاب في مقبرة قصية من مئات المقابر المجهولة الهوية.
((عميه وتدور رويحتي إبيابير أدوّر يمّه
وما ظِن بعد تطلع شمس وتزول هاي الغمّه))
ولا أدري كيف نستهين بوجع الآباء وجراحهم الغائرة العميقة فنقدم على وصف موفق محمد بأنه (شاعر ساخر!). قد يتوهم البعض ان جمعه في قصائده بين الجد والهزل وبين الشعر العامي والشعر الفصيح جامعاً بين ملامح المدرسة النوّابية (نسبة الى مظفر النواب) ومدرسة الفرات الأوسط في الشعر الشعبي، ومدارس الشعر الكلاسيكي، هو نوع من السخرية. ولا ادري كيف يختصر البعض النظر الى موفق محمد في انه شاعر غريب الأطوار مثير للجدل، هؤلاء لم يقرأوا بالطبع قول بريخت (أنتم يامن ستأتون بعد الطوفان، حينما تتحدثون عن ضعفنا، تذكروا الزمن الأسود الذي نجوتم منه)!
في رأيي ان موفق لم يكن شاعراً ساخراً ابداً، بل هو شاعر غاضب حزين منكسر مفتت الروح يحاول ان يكتم غضبه فلم يجد غير الشعر مُسكناً لوجعه، ويحاول ان ينسى صورة المقبرة التي تلاحقه ولا يجرؤ على الحديث عنها، انه رجل ميت تقريباً منذ تسعينيات القرن الماضي كما قال هو عن نفسه، وعدميته التي يظهر عليها هي انعكاس لوحشته الداخلية ورغبته المستمرة بالصراخ.
فهو يخاطب ولده:
(إن ﭽان متّ بلا ﮔبر
آني ﮔبر يتمشّه)
أي انك اذا كنت قد مِت بلا قبر، فإنني قبر يتمشى على قدمين، هل بعد هذا الموت موت؟
فقد ولده البكر، واضطر لبيع الشاي على الرصيف ليقيت عائلته في زمن الحصار المر، وعاشت كل لحظات الحرب والجوع والخوف وضياع الحلم.
انه شاعر محبط يشبهنا، فقد خسر الكثير في زمن الدكتاتورية المحمل بالدماء والدمع، ولم يجد ما يزيل عن عالمه مظاهر الموت التي خيّمت على الزمن التالي، ولم يجد من يفتح نوافذ البيوت لتدخل الشمس والهواء والمطر، ولم يجد لحظة فرح تمسح حزن الماضي، فقد استمرت صور الجثث والقتلة والذباحين واللصوص تملاً ارواحنا بالعويل والسخام، واستمرت اشباح الماضي تدور في غرفنا لتنشر الفزع والخوف من الغد، لذلك أطلق اسم (بين قتلين) على ديوانه الأخير
ومن مفارقات الأقدار ان ذكرى المقبرة الجماعية التي غيّبت جسد ولده الشاب ترفض ان تغادر عالم موفق محمد (رحمه الله)، فهو يترك عالمنا في نفس اليوم الذي يصادف (اليوم الوطني للمقابر الجماعية) تاركاً لنا، تلك الوصية التي أوصى بها ولده:
((سوده وحشتك يَولِدي
حرموك من تابوتك
مشچوله ذمته المرمرك
لا تبري ذمته مروتك))
سأعيد وصية موفق محمد، لأننا نحتاج اليها في كل وقت
مشچولة ذمته المرمرك
لا تبري ذمته مروتك


