العالم كلّه في حالة تربص حول سؤال.. ما قيمة الإنسان؟ وأمر يكا تفـ ـجر كلّ المواثيق الإنسانيّة بحقّه، واسر ائيل تحصد رؤوس الأطفال في فلسـ ـطين بالر صاص، وتهـ ـدم عليهم بيوتهم بالمتفـ ـجرات، وتستبق ذلك بخطابات السّلام، وتجد المشاهد العربيّ المسلم مجبرٌ على الإنصات لكذبهم وتأويلاتهم الشّيـ ـطا نيّة، والمصيبة أنّ البعض مقتنعٌ ومصدّق، وبعد كلّ حربٍ ترتفع الأعلام الأمر يكيّة في كلّ مكانٍ لتقول هذه الحضارة والحريّة!
ومفهوم هذه الحضارة الزائفة واضح، وهو فرض القوّة بالقوّة الظّالمة، ووضع الأيدي على مصادر الثّروات في العالم وخاصة البترول في البلاد العربيّة قبل الأجنبيّة، واحتكار السّلطة و التّحكم بالتّسـ ـلح في العالم كلّه، في وسائله وغاياته والسّيطرة بالرّ عب على العالم أجمع، وهذا ما تفعله الآن في غـ ـزّة لأنّها تختزن بباطنها أكبر احتياطي للغاز الطّبيعيّ المكتشف بحوالي 35 مليار متر مكعب وهو أكبر حقل للغاز الطّبيعيّ في المنطقة، اسرا ئيل حر قت غـ ـزّة بمساندة من أمر يكا لتقضي على حمـ ـاس وسلا حها الذي دفعها للصّمود لعامين أمام أكثر الدول المتقدمة عدّةً وعتادًا، أمر يكا تريد أن تخفي حمـ ـاس وغايتها في التّحرر، بل تريد أن تمحق غـ ـزّة محقًا حتّى لا يُرى منها أيّ أثر، لاعتقادهم الجازم بأنّ (كلّ أهل غـ ـزّة يعني حمـ ـاس، وكلّ حمـ ـاس يعني أهل غـ ـزّة) ولكي لا تهزم هذه الفئة الحقيقيّة القليلة الفئة البا طلة الكبيرة.. لأنّ تحرّر فلسـ ـطين سيشكّل عبئًا ثقيلًا على أمر يكا والدول العربيّة، وستظهر مشكلةٌ أخرى لديهم في توزيع اليهـ ـود حول العالم، أو إيجاد وطنٍ بديلٍ آخر لهم بعد كلّ هذا الوقت الطّويل وهي تحاول إقناع العالم أنّ فلسـ ـطين هي وطنهم! علاوة على إيجاد من يستقبلهم بعد ما فعلوه في فلسـ ـطين! فصفاتهم المذ مومة حديثُ العالم، وقد فُـ ـضح إجر امهم في كلّ أرضٍ وطؤها ولم يطؤها، إضافة لنظرتهم الفوقيّة تجاه شعوب الأرض ممّا جعلهم منبو ذين من الجميع!
هذه هي الحضارة الأمر يكيّة إذن، تريد أن تصبح هي “عاد الثّانية” التي لا يقدر عليها أحد، ونحن كمسلمين لا نحسد أمر يكا على هذا الطّموح، ولا نريد لأنفسنا تلك الزّعامة ولا نتطلع إليها أبدًا.
السّؤال الآن.. كيف يمكن إعادة الرّوح للشّعوب المنـ ـكوبة؟ كيف سيصدق النّاجي الوحيد في الحـ ـرب سيرة التّاريخ مرّةً أخرى؟ كيف سيشع قلبه من جديد؟ سنعاود السّبق بالكلمة “اقرأ” نقدّمها للجميع على أوسع نطاقٍ وبكلّ اللّغات، وبالنّيابة عن جميع الحضارات وبدون مقابل.
نعم إنّها الكلمة كلّ مرادنا، لا نريد أن نطلق صوا ريخنا على أحد، لا نريد أن نغـ ـزو أحدًا، بل نريد أن نغـ ـزو الأرواح ونخاطب القلوب، ونحيي النّفوس، ونشرح الصّدور، أن نصلح ونغيّر ونطوّر بالكلمة، هذا هو الطّريق الإلهي للحضارة، ولم تعرف الحضارات طريقا آخرًا غير الكلمة، هي الأولى والأخيرة، إنّها الكتاب والجريدة والمخطوطة والمقال والتّاريخ والصّوت الحميم بالمعرفة والمحبّة والهداية والنّور لكلّ القلوب (الحضارة كلمة، والدّين كلمة، والسّلام كلمة، والفتح كلمة، والنّور كلمة، والتّقدّم كلمة) للكلمة طريقٌ آخر للإصلاح غيّر طريق العنف بأنواعه..
فالكلمة تفـ ـجّر ينابيع القلوب بدون متفـ ـجرات
والكلمة تضيء ظـ ـلام النّفوس بدون كهرباء
والكلمة تعالج جروح الضّمائر بدون جراحة
الكلمة هي المعجزة الإلهية،
هي كن فيكون، وهي نور البصائر.
إنّ أسراب طائرات التي تطلقها أمر يكا واسرائيل على غـ ـزّة هي الجاهليّة بعينها، وأيّ حـ ـربٍ تقودها هي تخــلّف، ماذا لو كان الحوار بالكلمة (الحقّ) ليس بالقنـ ـابل والصّو اريخ، فالحضارة حوار، لكنّهم أجبرونا على مقا ومة القوّة بقوّةٍ مثلها حتّى لو كانت أقلّ منهم بكثير، لكنّها جاءت جرّاء الظّـ ـلم المتكرّر والمتعمّد على الأسـ ـرى داخل السّـ ـجن والأسـ ـرى خارجه “الشّعب بأكمله” في المقدّسات والمدن، كما أنّ إصرارنا على مواجهة القوّة رغم الخسائر الفادحة في البشر والحجر وكلّ شيء، يبعث على رعب النّهاية في نفوس العدو.
إنّ ما تقوم به اسرائيل في فلسـطين بإذن أمريكا عدوانٌ وتخلّفٌ وجاهليةٌ وعارٌ ووصمةٌ على كلّ تقدّمٍ زائف. إنّ السّـلاح وحده لا يحسم المعركة إلّا بين بلطـ ـجيّة، وهذا ما يرعبنا اليوم بتولّي تر امب زمام العالم، “أقصد دمـار العالم” وهو لا يطفئ نارًا بل يشعل جحيمًا مهرولة الاشتعال، لذلك لا بدّ من الحوار لنودّع هذا العصر الذّميم، لكن هناك سؤالٌ آخر.. كيف نحاور مجنونًا متهورًا؟
على الصّهاينة الجدد الاعتذار عمّا فعلوه في فلسـطين عنهم وعن الصّها ينة القدامى، والرّحيل بصمتٍ وتسليمٍ قبل امتداد الحـ ـرب لكلّ الدّول العربيّة واضطرار الجيوش خوض الحـرب الكبيرة المنتظرة ضدّ اسرائيل، لانعدام السّبل في حماية الشّعوب الجائعة والثّا ئرة في كلّ مكان، على الصّها ينة الجدد الاعتراف بالعرب والمسلـمين، والتّخلي عن النّظرة الفوقيّة تجاههم بصفتهم شعب الله المختار، وعليهم التّخلي عن فكرة الصّـ ـهيو نيّة التي أعمت أبصارهم. وترك الإسلام أن ينتشر كما الديانات الأخرى في المنطقة كحقٍّ صافٍ لكلّ المسلـمين، والابتعاد عن دس السّـم والرّعب في كلّ ما يميل للمبدأ الإسلامي، وإن لم تعتذر وتنسحب فمن المؤكد ستواجه نهايتها الحتميّة القادمة.
مع العلم أنّ الصّهاينة يعبّرون في بعض الأحيان عن يقينهم الثّابت في أنّ المسلمين لهم الصّدارة في العلم والأدب والحياة، لكنّ جهل المسلمين الجدد ورجعيّتهم وتخلّفهم، هو ما دفع الصّـها ينة للتّطاول عليهم، والمصيبة الكبرى أنّ بقيّة المسلمين يوافقونهم ذلك في حالهم الذّليل!
وإذا كان هذا هو ظاهر الحال فإنّه لا يمثّل كلّ الحقيقة، فعلوم الكيمياء والكهرباء والذرّة والالكترونيات التي سبقنا فيها العدو والغرب ليست كلّ العلم، وإنّما هي علوم الظّاهر من أمور الدّنيا، حيث قال الله تعالى: “يعلمون ظاهرًا من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون” فعلمهم الظّاهر لا يساوي شيئًا في العلم العظيم المكنون عند الله.
والمسلم الحقّ عنده علم الآخرة وعنده العلم بالله، لكنّ المسلمين قد جهلوا مقدارهم ونسوا شرف العلم الذي انفردوا به، فأقبل الذّل عليهم من كلّ جانب، لأنّهم غفلوا عن الدّرجة الرفيعة التي خصها الله بهم، بصفتهم الدّعاة إلى البصيرة، وبصفتهم الحاملون لأشرف العلوم على وجه الإطلاق (العلم بالله)، فهل سيعود المسلمون لرشدهم حتّى تستقيم موازين الكون؟


