إن النبوة في القرآن الكريم ليست نهاية المطاف في مشروع الهداية الإلهية، بل تمهيد لمرحلة أعلى من التنظيم الرباني لحياة الإنسان، ألا وهي مرحلة الإمامة.
وقد بيّن الله عزّ وجلّ هذا الانتقال بوضوح في قوله تعالى:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين …البقرة: 124
في هذه الآية الكريمة، يُشير النص القرآني إلى أن الإمامة عهدٌ إلهي مستقل ومتميز عن النبوة، يُمنح بعد الابتلاء والتكميل في مقام الطاعة، كما حصل مع إبراهيم عليه السلام. فبعد أن اجتاز مراحل النبوة والرسالة والابتلاءات الكبرى بنجاح، رفعه الله إلى مقام الإمامة، وهو مقام القيادة الدينية والدنيوية الشاملة التي تهدي بأمر الله.
الإمامة ليست منزلة مكتسبة أو اختيارًا بشريًا، بل هي جعلٌ إلهيّ محض، بدليل استخدام صيغة إني جاعلك التي تدل على الحصر والاختيار الإلهي، فالإمام لا يُنتخب من الناس ولا يفرض نفسه، بل يُعينه الله تعالى كما يُعين النبي.
كما أن الله تعالى بيّن شرط العصمة في الإمام، من خلال قوله لا ينال عهدي الظالمين. فالعهد هنا لا يمكن أن يُنال ممن تلطخ بالظلم، ولو للحظة في حياته. وهذا يُخرج من دائرة الإمامة كل من ارتكب شركًا أو ظلما أو فسقًا. فالإمام، كالنبي، معصوم في فكره وسلوكه، ليكون هاديًا للناس بأمر الله، لا بأهوائه.
إن مفهوم الإمامة لا ينفصل عن خط النبوة، بل هو امتدادها. فبعد ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، تبدأ مرحلة الإمامة التي تسير بالأمة على هدى النبوة، وتحفظ الدين من التحريف والضياع. ولهذا كانت الإمامة من أصول الدين عند من أدركوا حقيقة هذا الامتداد، لا من فروعه.
لكن هذا العهد الرباني لم يكن موضع قبول من الجميع، بل وُوجه بالرفض كما رفض إبليس أمر الله في السجود، فجُعل من الغاوين. وقد اتبع إبليس طائفة من الناس، فجعلوا أهواءهم فوق النصوص، ورفضوا اتباع أمر الله ورسوله في ولاية من ولاه الله، فكانوا امتدادًا للشيطان في معارضته للحق. وهؤلاء مصيرهم بيّنه الله في قوله:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا … النساء: 41
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا …النساء: 42
إن في هذه الآية وعيدًا شديدًا لمن عصى الرسول، ومن عصى الرسول فقد عصى الله، ومن رفض عهد الإمامة الذي أمر به الله ورسوله، فإنه في مصير أولئك الذين كفروا وعصوا، وإن ادعوا الإيمان لفظًا.
أما أتباع الحق من المؤمنين، فإنهم يقرّون بعهد الإمامة، ويتمسكون بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي تتضمن اتباع أئمة الهدى الذين نصبهم الله للقيادة بعد نبيه، من ذرية إبراهيم ومحمد، الذين اصطفاهم وطهرهم وجعلهم ورثة العلم والكتاب.
وبهذا يظهر أن عهد الإمامة هو الخاتمة التنظيمية لمشروع النبوة، يُقر به من تبع النبي حقًا، ويعترض عليه من سار في طريق إبليس، وإن تسمى بغير ذلك. فالإمامة ميزان الولاء والبراءة، وعهدٌ رباني لا يناله الظالمون.


