مقاطعة الانتخابات: قراءة معمقة في الرؤية الاستراتيجية..!

مقاطعة الانتخابات: قراءة معمقة في الرؤية الاستراتيجية..!
لا يمكن إنكار أن قرار السيد مقتدى الصدر يحمل في طياته دلالات أستراتيجية عميقة تتجاوز مجرد مقاطعة أنتخابات ، إنه تعبير عن يأس من جدوى العملية السياسية بصورتها...

لا يُخفى على أحد من أن آل الصدر الكرام هُم سادة النهضة والإصلاح ، الذين حملوا على عاتقهم همّ العراق وشعبه ، وضحوا بالغالي والنفيس والنفس في سبيل عزة العراق وكرامته ، إذ تأتي رؤية سماحة السيد مقتدى الصدر في مقاطعة الانتخابات المقبلة لتجسد فصلاً جديداً في مسيرة هذا البيت العريق ، إنها ليست مجرد خطوة سياسية عابرة ، بل هي صرخة مدوية في وجه نظام سياسي عجز عن تلبية طموحات العراقيين وتحول إلى ساحة لتكريس المحاصصة والفساد .؟

يمثل قرار سماحة السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الوطني الشيعي ، بعدم المشاركة في الانتخابات المقبلة ، محطة مفصلية في مسار العملية السياسية العراقية ، فهذا القرار لم يأتِ من فراغ بل هو تتويج لرؤية أستراتيجية طويلة الأمد تستشرف عمق الأزمات التي يعاني منها النظام السياسي العراقي ، وتستهدف إحداث تغيير جوهري يتجاوز مجرد التداول السلمي للسلطة بين النخب التقليدية.

أولاً / تشخيص الأزمة : الانتخابات كأداة لإدامة النظام القائم .؟

يرى السيد الصدر أن العملية الانتخابية في سياقها الحالي قد تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج النظام السياسي القائم بكل ما يحمله من علل وأمراض مزمنة ، فبدلاً من أن تكون الانتخابات وسيلة للتعبير الحقيقي عن إرادة الشعب وتطلعاته نحو الإصلاح والتغيير ، أصبحت آلية لتكريس المحاصصة الطائفية والعرقية ، وتدوير النخب السياسية ذاتها التي فشلت في إدارة الدولة وتلبية احتياجات المواطنين.

إن وصف السيد الصدر للانتخابات بأنها أداة لتدوير السلطة يعكس إدراكاً عميقاً لواقع النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 ، فقد شهدت الدورات الانتخابية المتعاقبة صعود قوى سياسية تقليدية تستند في بقائها ونفوذها إلى الولاءات الطائفية والحزبية الضيقة ، بدلاً من الكفاءة والبرامج الوطنية الجامعة ، وقد أدى هذا إلى ترسيخ ثقافة المحاصصة ، حيث يتم توزيع المناصب والموارد على أساس الانتماءات الضيقة ، مما يعيق بناء دولة مؤسسات قوية وعادلة.

ثانياً / المسؤولية الوطنية ورفض الشرعية الزائفة .؟

يؤكد السيد الصدر أن قراره نابع من إحساسه العميق بالمسؤولية الوطنية أتجاه الشعب العراقي ، فهو يرى أن المشاركة في الانتخابات في ظل الظروف الراهنة تعني منح شرعية لنظام سياسي يعاني من خلل بنيوي عميق ، ويتسم بالفساد المستشري وعدم القدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

إن هذا الموقف يترجم حالة الإحباط المتزايدة لدى قطاعات واسعة من الشعب العراقي ، التي ترى أن العملية السياسية الحالية لم تعد قادرة على تمثيل مصالحها وتطلعاتها ، فمع كُل دورة انتخابية ، تتجدد الوعود بالإصلاح ومكافحة الفساد ، ولكن سرعان ما تتبخر هذه الوعود على أرض الواقع ، ليحل محلها المزيد من التدهور في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

ثالثاً / تحدي القوى التقليدية وأزمة الشرعية المحتملة .؟

يمثل قرار المقاطعة تحدياً مباشراً للقوى السياسية التقليدية التي أعتادت على أحتكار المشهد السياسي وتوزيع الغنائم فيما بينها ، فغياب التيار الصدري ، الذي يمتلك قاعدة شعبية واسعة وقادرة على حشد ملايين الأصوات ، سيؤدي حتماً إلى أنخفاض كبير في نسبة المشاركة الانتخابية ، وهذا الانخفاض قد يقوض من شرعية الانتخابات ونتائجها في نظر الرأي العام العراقي والدولي.

إن أزمة الشرعية المحتملة قد تفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة ، فمن جهة قد تدفع القوى السياسية التقليدية إلى مراجعة حساباتها والسعي إلى تقديم تنازلات أو إصلاحات جزئية لأستعادة ثقة الجمهور.

ومن جهة أخرى ، قد يؤدي ضعف الشرعية إلى مزيد من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي ، وإلى بروز قوى سياسية جديدة تسعى إلى ملء الفراغ الذي سيتركه التيار الصدري.

رابعاً / فرصة لإعادة التقييم وإيجاد حلول جديدة .؟

يرى السيد الصدر في قراره فرصة لإعادة تقييم شاملة للنظام السياسي العراقي وأسسه التي قام عليها ، فغياب قوة سياسية فاعلة ومؤثره بحجم التيار الصدري عن المشهد الانتخابي قد يخلق مساحة للتفكير النقدي في البدائل الممكنة للخروج من حالة الانسداد السياسي المزمن ، وقد يدفع هذا الغياب القوى السياسية الأخرى إلى التفكير بجدية في إجراء إصلاحات هيكلية للنظام ، مثل تعديل الدستور ، وتغيير قانون الانتخابات ، ومكافحة الفساد بشكل فعال ، وتبني سياسات أقتصادية وأجتماعية أكثر عدالة ، كما قد يشجع هذا الوضع على ظهور قوى سياسية جديدة تتمتع برؤية وطنية شاملة وتستطيع أن تحظى بثقة الشعب.

السؤال المعلق والمستقبل المجهول :

يبقى السؤال الأهم قائماً : هل ستؤدي هذه الخطوة الجريئة إلى تحقيق الإصلاح المنشود في النظام السياسي العراقي أم أنها ستزيد من تعقيد المشهد السياسي الهش أصلاً .؟

إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة ، وتعتمد على عوامل متعددة ، في مقدمتها مدى أستجابة القوى السياسية والمجتمع العراقي لهذا التحدي.

إن قدرة الشعب العراقي على أستثمار هذه اللحظة التاريخية وتحويلها إلى فرصة حقيقية للتغيير هي العامل الحاسم في تحديد مسار المستقبل ، فإذا ما أستطاع العراقيون تجاوز الانقسامات والخلافات والاتفاق على رؤية وطنية مشتركة للإصلاح ، فإن قرار السيد الصدر قد يكون الشرارة التي تشعل فتيل التغيير الإيجابي أما إذا أستمرت القوى السياسية في التشبث بمصالحها الضيقة وتجاهل مطالب الشعب ، فإن هذا الانسحاب قد يزيد من حالة عدم اليقين ويفتح الباب أمام مزيد من التحديات والصعوبات.

وأخيراً وليس آخراً ، لا يمكن إنكار أن قرار السيد مقتدى الصدر يحمل في طياته دلالات أستراتيجية عميقة تتجاوز مجرد مقاطعة أنتخابات ، إنه تعبير عن يأس من جدوى العملية السياسية بصورتها الحالية ، ودعوة صريحة إلى إعادة بناء النظام السياسي العراقي على أسس جديدة من العدالة والمساواة والوطنية الخالصة ، وتأكدوا الأيام القادمة ستكشف عن حجم التأثير الذي سيحدثه هذا القرار في مسار العراق السياسي…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *