العراق والاقتصاد الريعي المزمن، هل ينجح التفكير خارج صندوق النفط؟!

العراق والاقتصاد الريعي المزمن، هل ينجح التفكير خارج صندوق النفط؟!
إن تجاوز “عُقدة” الاقتصاد الريعي المزمن في العراق يتطلب إرادة سياسية حقيقية ، وخططاً أستراتيجية واضحة ، وتفعيل دور القطاع الخاص ، والاستثمار في الكفاءات البشرية...

لقد شهد العراق منذ عام 2003 تدهوراً ملحوظاً في قطاعاته الاقتصادية المتنوعة التي كانت دعامة أساسية قبل الغزو الأمريكي ، كالصناعة والزراعة والتجارة والسياحة ، وبدلاً من معالجة هذا التدهور ، ترسخ الاعتماد شُبه الكلي على الإيرادات النفطية ،

لتتحول البلاد إلى أقتصاد ريعي بأمتياز ، وعلى الرغم من المحاولات غير الجدية للحكومات المتعاقبة ، بقيت جهود الإصلاح قاصرة أمام حجم الدمار الذي لحق بتلك القطاعات ، وتفاقم الأمر بسبب ضعف خطط التنمية والإصلاح الاقتصادي الجاد ، مما رسخ هيمنة النموذج الريعي للنفط .؟

أولاً / لنبحث أولاُ عن أُس المشكلة .؟

لقد واجه الاقتصاد العراقي معضلة مُركبة ذات أبعاد أقتصادية وسياسية وأجتماعية تجلت هذه المعضلة في الانقسام المجتمعي وتذبذب الولاءات ، والتغاضي عن العديد من الممارسات التي أدت إلى تفشي الفساد المالي والإداري وتعاظمه ، وهو ما نتج عن تعدد الأحزاب الحاكمة وغياب الاستقرار السياسي وتدهور الوضع الأمني ،

وبالتالي زعزعة الاستقرار الاقتصادي برمته ونتيجة لذلك ، تعثرت خطوات الإصلاح الاقتصادي ، وبقي الوضع على ما هو عليه من هيمنة القطاع النفطي على الناتج المحلي الإجمالي ، مع غياب شبه تام لدور القطاعات الإنتاجية الأخرى .

لذلك أصبح من الضروري تسليط الضوء على الخطوات الصحيحة نحو التحول الاقتصادي المنشود ، وأهمها تعزيز دور القطاع الخاص وتمكينه ليقود النشاط الاقتصادي في ظل (نظام أقتصادي) جديد ومتنوع ، إذ يجب أن تتضح فعالية هذا الدور في تصحيح الهيكل الاقتصادي المختل والتخلص من الصفة الريعية التي لازمت العراق وأرهقت أقتصاده وقدرته على مواجهة الصدمات ،

في الوقت الذي يمتلك العراق ثروات وموارد طبيعية وبشرية هائلة تؤهله لبناء أقتصاد قوي ومتنوع ، فإنه لا يزال يعاني من سرعة الاستجابة لأي أزمة داخلية أو خارجية ، وهذا يعود بالأساس إلى هشاشته الاقتصادية المزمنة ، بمعنى آخر ، إن ضعف البنية الاقتصادية العراقية هو الذي يستقبل الأزمات ويساهم في تفاقمها .؟

ثانياً / هشاشة الاقتصاد العراقي عُقدة مُستمرة .؟

إن هشاشة الاقتصاد العراقي أصبحت عُقدة مُنذ عام 2003 ، وهي التي تستقبل الأزمات وتساعد على أستفحالها ، وليست الأزمات هي من تتسبب في هذه الهشاشة ، وهذا يمثل الأولوية الحقيقية في عملية التشخيص لهذا الواقع المرير ،

ما يدفعنا إلى البحث المعمق عن المشاكل المتأصلة التي تجعل الاقتصاد العراقي هشاً ، وغير قادر على الصمود أمام الأزمات الداخلية أو الخارجية على حد سواء ، بل وسريع التأثر بها .

ثالثاً / الحقائق المستمدة من ماضي الشعوب ، والتجارب التي شكلت الدول عبر الزمن ، تُقدم حِكماً تُنير الحاضر وتبني المستقبل .؟

إن التفكير خارج صندوق النفط ليس ضرباً من الخيال ، بل هو ضرورة حتمية أكدتها تجارب العديد من الدول التي واجهت تحديات مماثلة ونجحت في تجاوزها :

1- إدارة النبي يوسف (عليه السلام) لأزمة مصر الاقتصادية :

تُعتبر قصة النبي يوسف (عليه السلام) في إدارة أزمة السنوات السبع العجاف في مصر مثالًا بارزاً على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى وحسن إدارة الموارد في مواجهة التحديات الاقتصادية ، لم يرتكن النبي يوسف (ع) إلى وفرة الحاضر ، بل أستشرف المستقبل ووضع خططاً محكمة لتخزين الفائض من الإنتاج الزراعي في سنوات الرخاء ، ليتم أستخدامه في سنوات القحط ، هذه الرؤية الاستباقية والعقلية الإدارية الرشيدة أنقذت مصر من كارثة محققة .

يمكن للعراق أن يستلهم من هذه القصة ضرورة التخطيط للمستقبل وتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد الكلي على مورد واحد مُعرّض للتقلبات .

2- حكمة الإمام علي (عليه السلام) في إدارة بيت المال :
تُعد إدارة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لبيت المال نموذجاً للعدل والشفافية والكفاءة في إدارة الموارد العامة ، كان الإمام (ع) يولي أهمية قصوى لتوزيع الثروة بشكل عادل بين جميع أفراد المجتمع ، مع التركيز على تلبية أحتياجات الفقراء والمحتاجين ،

فلم يكن بيت المال مصدراً للثراء الشخصي أو النفوذ السياسي ، بل كان أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية ، إن تطبيق مبادئ الإمام علي ( ع ) في إدارة المال العام من حيث الشفافية والمساءلة والعدالة في التوزيع ، يمكن أن يمثل نقطة أنطلاق حقيقية لإصلاح الاقتصاد العراقي ومكافحة الفساد المستشري والمحاصصة .

3- النهضة من تحت الركام (ألمانيا و اليابان) بعد الحرب العالمية الثانية :
شكلت الحرب العالمية الثانية دماراً هائلاً لألمانيا واليابان ، حيث تدمرت البنى التحتية والاقتصاد بشكل شبه كامل ومع ذلك ، أستطاعت هاتان الدولتان ، من خلال الإرادة الصلبة والتخطيط الاستراتيجي والاستثمار في التعليم والصناعة والتكنولوجيا ،

أن تنهضا من تحت الركام ليصبحا من أكبر الاقتصادات في العالم ، لقد ركزتا على بناء قاعدة صناعية متنوعة وتطوير القدرات البشرية وتشجيع الابتكار ، ولم تعتمدا على الموارد الطبيعية بشكل أساسي .

4- التحول الاقتصادي الناجح
ماليزيا وسنغافورة ودول الخليج  :
حققت دول مثل ماليزيا وسنغافورة تحولات أقتصادية من خلال تبني رؤى أستراتيجية واضحة وتنويع أقتصاداتها بعيداً عن الاعتماد المفرط على مورد واحد ، وقد أستثمرت هذه الدول في قطاعات مثل الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات ، وجذبت الاستثمارات الأجنبية ووفرت بيئة أعمال جاذبة

5- دول الخليج ، فقد بدأت هي الأخرى تدرك أهمية تنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على النفط ، من خلال إطلاق مبادرات طموحة لتطوير قطاعات جديدة مثل السياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة

إن هذه الأمثلة تؤكد أن التغيير ممكن ، وأن التفكير خارج صندوق النفط ليس مجرد شعار ، بل هو خيار أستراتيجي يمكن أن يقود العراق نحو مستقبل أقتصادي أكثر أستقراراً وأزدهاراً .

إن تجاوز “عُقدة” الاقتصاد الريعي المزمن في العراق يتطلب إرادة سياسية حقيقية ، وخططاً أستراتيجية واضحة ، وتفعيل دور القطاع الخاص ، والاستثمار في الكفاءات البشرية ، ومكافحة الفساد بكل أشكاله ، وألغاء المحاصصة المُدمره ، عندها فقط ، يمكن للعراق أن يستثمر ثرواته وموارده المتنوعة بشكل أمثل ويبني مُستقبلًا مُستداماً لأجياله القادمة …!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *