رغم العقود الطويلة من الدعم العسكري اللامحدود، والإعلام المنحاز، والتحالفات الدولية التي تجندت لخدمة المشروع الأمريكي-الصهيوني، تقف أمريكا وإسرائيل اليوم في مأزقٍ حقيقي لم يستطيعوا تجاوزه: عجزهم عن كسر وهزيمة محور المقاومة المقدسة. هذا المحور، الممتد من فلسطين إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن، وبدعامة صلبة من إيران، يثبت يوماً بعد يوم أنه عصي على الإنكسار، حتى في أحلك الظروف وأكثرها دموية.
لقد اعتمدت واشنطن وتل أبيب على العنف والإرهاب المنظم، مستخدمين أحدث تقنيات الحرب، مستهدفين المدنيين والبنى التحتية، ظانين أن هذا سيكسر إرادة الشعوب ويُضعف إرادة المقاومة. لكن الواقع على الأرض، من غزة إلى جنوب لبنان، ومن بغداد إلى صنعاء، كان يقول شيئاً آخر تماماً: المقاومة تزداد صلابة، والتأييد الشعبي لها يتوسع، والعدو يترنح.
أدعياء الحق… شركاء الخبث
من المؤلم أن المعركة اليوم لا تُخاض فقط ضد أعداء ظاهرين، بل أيضاً ضد من يزعمون الوقوف إلى جانب الحق، بينما يضمرون نوايا خبيثة ويتمنون في قرارة أنفسهم هزيمة محور المقاومة. هؤلاء لا يريدون الانتصار للحق، بل يريدون أن ينهار هذا المحور كي يملأوا الفراغ بلومٍ كاذب، وتنظيرٍ خادع، وبدائل أكثر ميوعة وخضوعاً.
هم لا يقاتلون معنا، ولا يقدمون حتى الدعم الصادق، بل ينتظرون لحظة الوهن كي يطعنوا في الظهر. هؤلاء يشكلون خطراً موازياً للعدو، لأنهم يلبسون ثياب النصرة وهم في باطنهم يسعون لهزيمتنا.
مخطط إشعال الفتنة والحرب الأهلية
أمام هذا الفشل الذريع في المواجهة المباشرة، لم تجد أمريكا وإسرائيل سوى خيار واحد للخروج من هذا المأزق: إشعال الفتنة الداخلية. مشروعهم الجديد، والقديم في آنٍ معاً، هو دفع الأمور في كل جبهة من جبهات المقاومة إلى حرب أهلية.
في فلسطين، يسعون لتأجيج الانقسام بين الفصائل، بين غزة والضفة، بين المقاوم والمساوم. في لبنان، يُحرّكون الخلايا النائمة ويستثمرون في كل شرخ طائفي كي يتحول السلاح إلى الداخل بدل أن يظل موجهاً إلى العدو. في العراق، يُعيدون إنتاج سيناريوهات الطائفية المقيتة، مستغلين الوجع الشعبي والفساد لإشعال صراع دموي. في اليمن، وبعد أن فشلوا عسكرياً، بدأوا بلعب ورقة المناطقية والمذهبية. أما إيران، فكل مشروعهم ينصبّ على زعزعة الداخل عبر خلق صدامات داخلية، اجتماعية أو سياسية أو حتى قومية.
لكن هل ستنجح هذه الخطة؟
يعرف العدو أن المواجهة المباشرة مع محور المقاومة صارت خاسرة، وأن النصر العسكري بات بعيد المنال. لذلك يرون في الحرب الأهلية الحل الوحيد لتفكيك هذا المحور. هم لا يريدون الانتصار في المعركة، بل يريدون تفكيك الجبهات من الداخل، وتركنا نغرق في دمائنا.
لكنهم ينسون أن هذه الجبهات التي صمدت أمام طائراتهم ودباباتهم، قادرة أيضاً أن تتجاوز محاولاتهم الخبيثة لشق الصف. محور المقاومة ليس مجرد سلاح، بل هو مشروع وعي، وامتداد شعبي عقائدي، عابر للطوائف والحدود.
الخلاصة … أمريكا وإسرائيل في مأزقٍ تاريخي. لم تنفعهم القوة، ولا التكنولوجيا، ولا حتى التحالفات. واليوم، يراهنون على أخطر سلاح: الحرب الأهلية. لكن من يظن أن شعوبنا ستلدغ من جحر الطائفية مرة أخرى، لا يعرف أن هذه الأمة قد تغيرت. وأن محور المقاومة المقدسة، مهما واجه، سيبقى موحداً… صلباً… منتصراً.


