الدين والدولة وتغير المجتمع

الدين والدولة وتغير المجتمع
تحديث آلية تفكير كل من العقل الديني والعقل السياسي والعقل الثقافي . ومن مقومات تحديث آلية التفكير هذه ، اعتماد منهج انساني قادر على تعريف العدالة تعريفاً ضامناً للحقوق...

عملت الماكنة الإقتصادية  للنظام السياسي العالمي الجديد  على ( فرمتة) العقل السياسي العربي وإعادة تشغيله بنظام دبلوماسي استثماري لا يتعرف سوى على برامج إنتاج وإستهلاك السلعة والإنسان ، فجاءت الخدمات التي تقدمها الحكومات لمواطنيها من نتاج نظام التشغيل الجديد هذا . إنكشف ذلك من خلال مواقف إتخذها العقل العربي السياسي المتسلط حيال احداث وقضايا كبيرة وكثيرة منذ بداية القرن الواحد والعشرين حتى يومنا هذا ،  مثل القتل على الهوية والمقابر الجماعية والمجازر الطائفية والإستخفاف بحياة المواطن . وتغليب قوة القانون المسلح بيد الحكومة على كل الإعتبارات المتحضرة لأنسنة علاقة المجتمع بالدولة ، منها على سبيل المثال إستخدام الحكومة للجرافات المحمية ببنادق قواتها الأمنية لإزالة بيوت شيدها ساكنوها متجاوزين على أراض تعود ملكيتها للدولة لأسباب كثيرة لا تخرج  عن حدود التصرف المدني الإضطراري أو الخاطئ أو القاصر . منها مقابلة التظاهرات السلمية لمعلمين وموظفين يطالبون بزيادة رواتبهم  ، بالتجاوز والضرب والإعتقال ، وهو ما يمكن إعتباره مؤشراً واضحاً على تقزم ثقافة السلطة أمام حركة التغيير الإجتماعي والتطور المتسارع حول العالم . وغيرها من مشاكل المجتمعات العربية المتزايدة . أدى ذلك الى ظهور تضارب ملحوظ حول فهم تعريف الإنسانية والعدالة في علاقة المواطن بالحكومة الى الحد الذي لم تعد فيه هذه العلاقة منتجة في خط التطور المرجو في عصر التقنية الرقمية والذكاء الإصطناعي  .

استنتج العقل الديني من هذه النتائج انه من غير المجدي للمؤسسة الدينية مواجهة العقل السياسي الحكومي ، خصوصاً في الفضاء الكبير الواسع الذي هيأه التطور العلمي العالمي لسكان الأرض في الإتصال والتواصل ووفرة البيانات وكثرة المعلومات وإختصار المسافات بلغة رقمية عابرة للقوميات والحدود الجغرافية والإنتماءات الدينية والثقافية ، فلجأ الى مشاريع  إستثمار مشابهة لمشاريع العقل السياسي في السلطة ، لكن بغير لغة الأرقام المفضوحة التي يغلب فيها طابع الأنانية على الإنسانية في الإجراءات الإدارية والقانونية التي يعتمدها العقل السياسي الحاكم في جزء كبير من مساحات ادارته لشؤون البلاد . .

استخدم العقل الديني لغة أرقام مفتوحة على إنسنة حاجات المواطن ، فقد شرعت المؤسسة الدينية التي يديرها العقل الديني المستقل مالياً عن الدولة ، متمثلاً في هيآت متولي العتبات الدينية المقدسة ، المرتبطين مباشرة بمكاتب مراجع دين كبار ، لها نشاطات مختلفة عن نشاطات الوقف الديني المرتبط إدارياً بسلطة الحكومة كالوقف الشيعي والوقف السني  .

شرعت هذه المؤسسة الدينية في إنشاء مستشفيات حديثة مجهزة بمعدات  متطورة وكوادر طبية متفوقة ، وعرضت خدماتها المميزة على المواطن بمقابل مالي وليس بشكل مجاني ، فالخدمة التي تقدمت بها المؤسسة الدينية على المؤسسة الحكومية في هذا المجال ، هي توفير النفقات المالية الإضافية التي يضطر اليها المواطن في رحلة علاجه خارج البلاد . كما أقامت المؤسسة الدينية مشاريع صناعية ومشاريع خدمية تمتاز بطابعها المحلي وبأسعارها المنافسة للسوق الذي تهيمن عليه المؤسسة الحكومية ومن يعمل بغطائها ، حيث الإستيراد الذي جاء على حساب  الزراعة والصناعة المحلية ، الأمر الذي أضر كثيراً بإقتصاد البلاد ، ربما بسبب شروط الجهات الدولية المانحة التي تقترض منها المؤسسة الحكومية . وربما لرداءة المحتوى الإنساني للمسؤول الحكومي .

برغم الإنتقاد والسخرية والنقمة التي أبداها الناس لحكوماتهم على هذا التقصير الواضح والفاضح ، لم يتأثر العقل السياسي العربي كثيراً ، بل أعاد تعريف المفاهيم الكبيرة والمثل العليا بصياغات جديدة مطبوعة بعبارات من قبيل  (حرص الحكومة على المصلحة العامة ) و ( وسهرها على توفير الأمن للمواطنين ) و ( إضطرارها أحياناً الى مواقف قد ينزعج منها المواطن لكنها تقوم بها مراعاة لظروف المنطقة والعالم) ، يأتي ذلك من أجل تخدير الجو العام للبلاد لضمان عدم ظهور ردود أفعال غير محسوبة وغير متوقعة قد يقوم بها المجتمع

الذي اتهمه بعضهم  بالتقاعس والكسل وقبول الذل والإستسلام للقهر حتى تشكل في إعتقاد كثيرين أنهم لا يملكون إرادة تغيير واقعهم ، لأنهم لا يملكون قوة توزاي وتفوق قوة تسلط الحاكمين عليهم . يضاف الى ذلك ، المفاهيم المستوردة  للديمقراطية والحرية والسلام التي دخلت على خط تعريف إرادة التغيير على وفق مواصفات جديدة تجيز تغليف هذا التعريف بانطباعات التحضر والثقافة وحرية الإختيار وحرية التصويت ، لكي تغطي على وعي الواقع المزيف تزييفاً عميقاً يوهم أصحاب الوعي المحدود من أجل أن يمرر عليهم أشخاصاً فاشلين وفاسدين يمكنهم من صناعة القرار في مجتمع معاصر يستخدم الموبايل ويجيد الوصول الى مواقع التواصل أكثر من إجادته الوصول الى طبيعته وحقيقته وذاته .

وهنا يظهر تعقيد جديد في مسار الفهم المعاصر ، تواجهه الثقافة العربية  تبرز معالمه في الآلية التي أخذت تعتمدها المؤسسة الدينية بعد أن تمكنت المؤسسة الحكومية من إنتاج فكرة جميلة بمضمون قبيح ، فهي تنادي بالعدالة وتدعو وتحث على إنصاف المظلومين ، بينما تخلف سياستها كثيراً من المظالم وإنتهاك الحقوق والتجاوز على الكرامات . ولما تولت الأيام كشف ذلك للناس ، كانت المؤسسة الدينية قد أقامت بكوادرها التنفيذية مشاريعاً ضخمة ، أخفقت الحكومة الرسمية في إقامتها . مشاريع تلبي احتياجات الناس الى أنواع محددة من الخدمات الطبية والصناعية والإنتاجية من جهة ، وتلبي حاجة المؤسسة الدينية الى إستثمار مواردها المالية بما يعزز حضورها الإجتماعي في زمن يهددها بالتحجيم في ظل عصر الحرية الرقمية ومشاريع التغريب الثقافي ودعوات فصل الدين عن الدولة .

لا تزال رؤية المؤسسة الدينية غير ملمّة بكثير من القضايا والهموم التي تحتل مساحات كبيرة في حياة الناس ، خصوصاً محدودي الدخل والفقراء . فبرغم مدن الزائرين التي شيدتها المؤسسة الدينية بمبالغ مالية كبيرة ، في الأماكن المقدسة من أجل إستقطاب الزائرين مقابل أجور مالية منافسة لأجور الفنادق حيث طبيعة تصميم المدينة وخدماتها ، إكتفت بتوزيع (البطانيات) على الزائرين الذين يبيتون في المنطقة المكشوفة بين الحرمين في كربلاء المقدسة مثلاً ، وبعد مضي وقت ليس بالقليل على هذا الحال هيأت المؤسسة الدينية قاعاتٍ لمبيت الزائرين مجاناً . لا يزال أمام المؤسسة الدينية كثير من خطوات التطوير الثقافي التي عليها إعتمادها ، فبرغم عدد المستشفيات المتطورة التي انشأتها المؤسسة الدينية لا يزال كثير من الفقراء لا يجدون علاجاً ، ولا يزال كثير منهم يموتون مرضاً ، ولعل ذلك ما حمل المؤسسة الدينية على إقتراح مبادرة العلاج المجاني في مستشفيات العتبة في بعض المناسبات الدينية . قابله في المؤسسة الحكومية إنشاء مستشفى متطور بمعدات وأدوية خارج نطاق العجز والفشل والتقصير الموصوفة بها انشطة الحكومة الخدمية والإدارية .

ومما يؤخذ على الأنشطة الثقافية للمؤسسة الدينية في مدينة النجف الأشرف ، مدينة العلم والعلماء ، ان سوق الكتب المسمى ( سوق الحويش ) في شارع الرسول المؤدي الى ضريح الإمام علي عليه السلام وهو سوق يحتوي على عنوانات كتب متنوعة وكثيرة في مجالات المعرفة المتنوعة ، ومع ان هذا السوق لا يقتصر فقط على الكتب الدينية  بحكم وجوده في مدينة دينية ، إلا ان وجوده في الجانب الخلفي للمحلات التجارية يجعله مقصوراً على رواد محددين من طلبة علم وباحثين ومهتمين بالكتاب ، اكثر مما  يجعله موقع جذب لعموم الزائرين ، فلماذا لا يفكر العقل الثقافي للمؤسسة الدينية في توفير مكتبات في الشارع التجاري الى جانب محلات بيع الأطعمة والملابس والهدايا ؟. ان تخصيص مواقع ومعارض للكتاب كالتي نراها هنا وهناك في المدن الدينية قد يجعل الكتاب خاصاً بجمهور معين ، كما ان هذه العدد المحدد من معارض الكتاب الدائمية لا تبدو كافية فيما لو افترضنا وجود مشروع لتمكين المجتمع ثقافياً . من الضروري ان نهيأ للمواطن جواً مناسباً لولادة شعور حيوي عنده بوجود الكتاب قريباً منه .

ومما يسجل على النشاط الثقافي للعقل الديني ، إضفاء طابع كلاسيكي على مطبوعات المؤسسة الدينية المعنية بالبحوث الاسلامية ، من قبيل نوع الخط وإخراج الكتاب وتجليده بشكل يجعلك تشعر انك أمام كتاب رسمي أو تقليدي ، قد يجد الزائر صعوبة في قراءة عنوان الكتاب بسبب طريقة إخراج كلماته ، بينما تضفي طابعاً حديثاً على مطبوعاتها المعاصرة في مجالات المعرفة . في هذا التباين أو التنوع ما قد يترك في النفس إنطباعاً بوجود فاصل زمني بين القديم والجديد ، وهو إنطباعٌ من شأنه أن يعيق تفعيل الشعور بالكتاب ككائن حي .

هناك رأي في علم الإجتماع يقول ان الهدم في بعض الأحيان يكون مطلباً ضرورياً لإعادة البناء . يدعونا الأخذ بهذا الرأي الى تعيين ضوابط بناء المجتمع التي من اهمها ، تحديث آلية تفكير كل من العقل الديني والعقل السياسي والعقل الثقافي . ومن مقومات تحديث آلية التفكير هذه ، اعتماد منهج انساني قادر على تعريف العدالة تعريفاً ضامناً للحقوق ، يواكب ميكانيكية التغيير حول العالم بما لا يسمح لعجلة التغيير ان تدوس على الضعفاء والفقراء . وهو امر ليس بالسهل في عالم المال والاعمال الذي نعيشه اليوم . لكنه ليس امراً صعباً في الوقت نفسه . انه بحاجة الى إرادة جماهيرية ، وهي موجودة في الواقع ، لكنها بحاجة الى حث ثقافي كافي يحفزها على انتاج وعي الطاقة المطلوبة لحماية عملية التغيير الحاصلة في المجتمع من ان تكون ضارة  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *