العملية السياسية في العراق قبل وبعد 2003

العملية السياسية في العراق قبل وبعد 2003
انبثق اول مجلس نواب عراقي بعد 2003 وتشكلت اول حكومة عراقية ديمقراطية بإرادة عراقية وتأييد شعبي حقيقي واختيار النظام السياسي الجديد الذي يشترك فيه جميع مكونات الشعب العراقي...

تناولنا في الحلقة الاولى لهذه الدراسة الاحداث السياسية التي سبقت ورافقت سقوط النظام البعثي في عام 2003، وسوف نتناول في هذه الحلقة كيفية بناء النظام السياسي من 9/4/2003 الى اول انتخابات برلمانية عام 2005 وتشكيل اول مجلس نواب عراقي دائم في 2006.

بعد ان تم تحشيد قوات التحالف الدولي واكمال المتطلبات لإسقاط صدام لم يكن من الصعب المباشرة في العمليات العسكرية والدخول البري بعد اكمال القصف الجوي التمهيدي الذي استهدف اغلب البنى التحتية للنظام سواء كانت عسكرية او مدنية خاصة وان هذه العمليات العسكرية تحظى بدعم كبير من دول الخليج العربي.

بدء الهجوم البري من البصرة داخلا من الكويت والسعودية ثم الانزال الجوي لقوات التحالف والقادم من القواعد الامريكية الموجودة في المنطقة، حصل الانزال الاول في منطقة الشعيبة في البصرة وتقدمت القوات البريطانية باتجاه مركز المدينة ولكنها واجهت بعض المقاومة لذلك قامت بتخطي البصرة وتجنب الدخول اليها والبقاء في اطرافها والتوجه الى انزال جوي اخر على الخط السريع بين البصرة والناصرية والتحرك باتجاه الناصرية من جهة منطقة تل لحم ، ولكنهم واجهوا مقاومة واضطروا الى ترك الدخول الى المدينة والتوجه نحو محافظة المثنى والاستقرار في مدخلها الجنوبي ونصب حاجز عسكري هناك ، ثم قامت القوات الامريكية بإنزال في منطقة الجزيرة الواقعة بين كربلاء والنجف وتجنبت دخول المدينتين والتوجه لاحتلال مدينة الحلة عبر منطقة الكفل وتوقفت القوات بسبب المقاومة لمدة يومين، لذلك قامت القوات الامريكية بالتوجه للقيام بإنزال جوي في مطار المثنى ببغداد وذلك بعد قصفه بشكل عنيف جدا باستخدام قنابل حارقة قضت على جميع المتواجدين فيه من القوات العراقية.

حصل الانزال الامريكي في مطار المثنى ببغداد بالطائرات التي تحمل الدبابات نوع (برامز) والمدرعات والاليات العسكرية الاخرى والتي تجمعت بالمطار ثم تحركت بالخروج والسيطرة على بغداد دون اي مقاومة تذكر ، وقد اختفت جميع المظاهر العسكرية لحزب البعث واجهزته العسكرية والامنية التي كانت تنتشر في عموم العراق ولم يعد لهم اي وجود تاركين خلفهم مصير العراق للمجهول ؛ وبعد وصول الاليات الامريكية الى وسط بغداد تم الاعلان رسميا عن سقوط بغداد في 9/4/2003 ، ثم تحرك الجيش الامريكي باتجاه باقي المحافظات الشمالية والغربية لدخولها والسيطرة عليها بدون مقاومة، من الجدير بالذكر ان جميع القوات التي شاركت في اسقاط صدام قد انطلقت من القواعد الامريكية في الخليج والمنطقة وقد شاركت تلك الدول المستضيفة للقواعد بتقديم جميع الدعم اللوجستي والاستخباري لإسقاط بغداد ولم تشترك دولتان فقط في ذلك وهما ايران وسوريا .

من الضرورة ايضا الاشارة لعدم اشتراك اي قوى من المعارضة العراقية بالعمليات العسكرية ولكنها دخلت الى العراق بعد سقوط صدام وحرصت على المشاركة ببناء النظام السياسي الجديد، من المهم ان نشير الى ان بعض الافراد العراقيين المغتربين في امريكا واوروبا دخلوا مع الجيش الامريكي بعناوين مختلفة بعضهم مترجمين وبعضهم في مهام استخبارية وامنية.

وهناك حديث عن اشتراك بعض الكرد بهذه العمليات وايضا اشتراك بعض (الضباط الاحرار) المعارضين لصدام وبعض افراد من المؤتمر الوطني العراقي برئاسة الدكتور المرحوم احمد الجلبي .

كانت خطة الادارة الامريكية هي السيطرة والادارة المباشرة لجميع شؤون الحياة في العراق عبر الحاكم الامريكي المفوض ، وقد جلبوا معهم دستور امريكي مترجم للغة العربية جاهز وقرروا تشكيل حكومة مؤقته لمدة سنتين يديرها الحاكم الامريكي؛ ولكن تفاجئوا بتصدي المرجعية التي رفضت الخطة الامريكية رفضا قاطعا وطالبت بثلاث امور لابد من تحققها والا فإنها سوف تصدر فتوى بعدم شرعية اي حكومة تتشكل واي وجود اجنبي في العراق وبذلك تجعل الاحتلال في مواجهة الشعب العراقي والعشائر، وجاء تصدي المرجعية للشأن السياسي بعد جريمة اغتيال اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم في 29 اب 2003 الذي يعد من ابرز القيادات الشيعية في المعارضة العراقية والذي طرح مشروع النظام السياسي الجديد الذي يعتمد على اشراك جميع العراقيين في ادارة المرحلة الجديدة وعدم القبول باي وصاية دولية واخراج القوات الاجنبية من العراق.

اما الامور الثلاث التي طالبت بها المرجعية فهي:

اولا: يجب نقل السلطة للعراقيين.

ثانيا: يجب ان يكتب الدستور بأيدي عراقية تمثل كافة مكونات الشعب العراقي ويعرض على الشعب في استفتاء شعبي عام.

ثالثا: اجراء انتخابات شعبية حرة مباشرة لانتخاب ممثلي الشعب وتشكيل مجلس تشريعي وحكومة عراقية يشترك فيها جميع العراقيين.

رفع الحاكم الامريكي (برايمر) مطالب المرجعية للإدارة الامريكية في واشنطن وابلغهم ان هذه المطالب تحظى بتأييد غالبية الشعب العراقي وقواه السياسية. قررت الادارة الامريكية ارسال ممثل الامم المتحدة في حينها (الاخضر الابراهيمي) لأقناع المرجعية بصعوبة تنفيذ هذه المطالب بالوقت الحاضر وان الظروف غير مناسبة لإجراء الانتخابات.

وصل الاخضر الابراهيمي للقاء المرجعية (اية الله السيد السيستاني) واستمع بشكل مفصل لآرائها ومطالبها وعندما خرج من عندها عقد مؤتمر صحفي اعلن فيه تأييده لمطالب المرجعية وانها تمثل مطالب الشعب العراقي وقواه السياسية وانها تنسجم مع مبادئ الديمقراطية.

هنا اضطرت الادارة الامريكية الى التعاطي مع هذه المطالب بالرغم انها لم تكن وفق رغبتها وقد تشكل مجلس الحكم وتحققت مطالب المرجعية.

اكمل مجلس الحكم فترته لتتشكل بعده الجمعية الوطنية وانتقل الحكم من الحاكم الامريكي برايمر الى العراقيين في عام 2004 والذي تولى بموجبه الشيخ غازي الياور كأول رئيس للعراق بعد 2003 وتولى الدكتور اياد علاوي رئاسة الوزراء في الحكومة الانتقالية وتولى الدكتور فؤاد معصوم رئاسة الجمعية الوطنية (المجلس التشريعي المؤقت) والذي استمر حتى نهاية 2005. وقد شرع قانون الانتخابات الذي اجريت فيه ولأول مره في تاريخ العراق انتخابات عراقية شعبية حره مباشرة في 15 كانون الاول 2005 تحت ظل دستور عراقي دائم مستفتى عليه شعبيا.

وبذلك انبثق اول مجلس نواب عراقي بعد 2003 وتشكلت اول حكومة عراقية ديمقراطية بإرادة عراقية وتأييد شعبي حقيقي واختيار النظام السياسي الجديد الذي يشترك فيه جميع مكونات الشعب العراقي، ولكن بالرغم من تحقق هذا الانجاز التاريخي في عمر العراق الا ان كان هناك ما يعكر هذا الانجاز ويجعله ناقصا وهو وجود الاحتلال الامريكي والتدخل الدولي في الشأن العراقي ووجود العراق تحت البند السابع للأمم المتحدة مما يجعله تحت الوصاية الدولية ؛ لذلك كان امام القوى السياسية المتصدية مسار طويل وصعب ومعقد لإنجاز عدة امور اهمها (بناء النظام السياسي الجديد ، اخراج الاحتلال من العراق ، اخراج العراق من العقوبات والوصاية الدولية (البند السابع) ، اعادة العراق الى الساحة الدولية والاقليمية كبلد كامل السيادة ، المحافظة على مكتسبات النظام السياسي الديمقراطي الجديد واهمها منح الشعب العراقي الحرية الكاملة في اختيار حكومته كل 4 سنوات).

في النهابة نشير الى ان مرحلة 2003-2005 كانت من اصعب واعقد واخطر مراحل العراق السياسية وكانت تتطلب حنكة وذكاء وفطنة غير اعتيادية مع وحدة وطنية لتجاوز العقبات والتحديات والمخاطر وايصال العراق الى بر الامان.

سوف نتطرق في الحلقة القادمة الى مرحلة ما بعد 2005 الى 2025 والمخاضات التي تعرض لها العراق وكيف تجاوزها واثارها على المجتمع والدولة ثم نعطي تحليلا سياسيا لتلك الاحداث والرؤية للمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *