ورد في الجزء العشرون من كتاب نهج البلاغة شرح ابن ابي الحديد العبارة الخالدة للامام أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب ع ( الناس اعداء ما جهلوا) وقد اكد ابن ابي الحديد في شرحه “ان العبارة من الفاظ الامام الشريفة التي لا نظير لها.” ان تعبير ابن ابي الحديد بان “التي لا نظير لها” يشير الى حقيقة ان الامام علي ع أول من أشار الى أهمية دفع العداوة بين الناس بالعلم حيث ان الجهل بالأخر اجتماعيا وثقافيا وعقائديا كثيراً ما يدفع نحو نشوب الصراع وبناء المواقف العدائية. يبدو جلياً من كلام الامام أمير المؤمنين ع انه كان يدعوا الناس الى إيجاد السبل لتحصيل المعرفة عن ما يجهلوا من الاقوام الغريبة عن ثقافتهم.
لربما يفهم البعض من استخدام الامام للاسم الموصل (ما) انه عليه السلام يقصد أشياء أخرى ليست من جنس البشر فقد يكون المعنى المراد بعبارة “ما جهلوا” عن أشياء ليست بشرية ولكن المقطع الأول من العبارة ( الناس اعداء) يشير بوضوح الى ان المقصود ب (ما) هنا البشر، اذ من غير المعقول ان يعادي الناس النبات أو الحيوانات أو الجمادات وانما تقع العداوة بين الاقوام من نفس الجنس البشري.
هنا لابد من الوقوف على احد أهم مصادق هذه الحكمة الشريفة اذ ينصرف الذهن عند سماعها الى الدافع الأساس الذي دفع العلماء والباحثين الى تأسيس علم الانسان أو ما يعرف بالأنثروبولوجيا Anthropology ، ذلك ان الانثروبولوجيا تهدف الى دراسة المجتمعات البعيدة ومن خلال الملاحظة الميدانية والوصف التفصيلي لكافة جزئيات ثقافة الاخر.
قبل بداية الدراسات الانثروبولوجية كانت العلاقة بين الشعوب المتجاورة والمتباعدة علاقة عدائية دائما وكان من أهم أسباب ذلك العداء هو الجهل بماهية الاخر. فكثيراً ما نشبت الحروب بين الشعوب بدعوى الدفاع عن الدين ضد الأعداء دون التحقق من حقيقة موقف الاخرين من ثقافتنا أو معتقداتنا. لقد أسهمت القصص والاساطير التي كان ينسجها الناس عن المجتمعات الغريبة الى اثارة مشاعر الخوف والقلق والغضب والعداء اتجاه تلك المجتمعات الغريبة. ان عدم وجود دراسات علمية ذات منهجية دقيقة في جمع المعلومات الموضوعية عن الشعوب، ترك فراغا معرفيا كثيراً ما كان يملأ بالكذب والتضليل. بدايةً اثار الجهل بالأخر وثقافته فضول الكثير من الرحالة والمؤرخين أمثال ابن خلدون وابن بطوطه وغيرهم الى العمل على ملاحظة سلوكيات الناس في البلاد التي وصلوا اليها وكانوا يكتبون بأسلوب وصفي مع بعض التحليل عن أساليب حياة تلك الشعوب عن اخلاقهم ومعتقداتهم وابرز مثال على ذلك مقدمة ابن خلدون التاريخية التي حاول من خلال وصف أسلوب حياة الناس في البدو والحضر وعمل على تقديم تحليل العلاقات القرابية مثل العصبية القبلية بالإضافة الى نظريته في نشوء الدولة وافولها. خلال القرن التاسع، تصاعدت التفسيرات التطورية الاجتماعية لا سباب الاختلاف بين الشعوب وقد ذهب انصار التطورية الاجتماعيةSocial evolutionists أمثال لويس هنري مورغان Lewis Henry Morgan والسير وجيمس فريزر Sir James Frazer ادورد تايلر Edward Tylor الى تصنيف الشعوب الى مراحل من التطور تحاكي مراحل التطور البايلوجي الذي جاء بها دارون في نظريته النشوء والارتقاء. لقد مثلت فرضيات التطورين الاجتماعيين محاولات لتفسير الاختلاف والتمايز بين الشعوب وهي محاولات لفهم الاخر اماطة لثام الجهل عن خصائصه الثقافية والجسدية وهذا تواقف بين ما دعا اليهم الامام قبل قرون من بداية البحث الانثروبولوجي الذي قادت اليه الحاجة للتعامل مع الاخر عن علم ودراية لأن التعامل مع الاخر مع الجهل بخصائصه كثيراً ما قاد الى الصراع والتنازع.
ليست العبارة أعلاه الإشارة الوحيدة من الامام ع للمعرفة الانثروبولوجية بل ان ما أشار به الامام ع في عبارته الشهيرة والتي وردت في رسالته الى مالك الاشتر (الناس صنفان اما اخ لك في الدين أو نضير لك في الخلق) تنطوي على أحد أهم مضامين البحث والتنظير الانثروبولوجي، اذ كثيراً ما بحث علماء الانثروبولوجيا عن أسس ومعايير لتصنيف الشعوب المتمايزة والتي تحمل خصائص ثقافية ولغوية وجسدية مختلفة عن بعضها البعض. أن وصية الامام ع (الناس صنفان اما اخ لك في الدين أو نضير لك في الخلق) تمثل درساً بليغا في احترام التنوع الاثني والثقافي بين الشعوب والاقوام بعيداً عن التمييز العنصري الذي سقط به دعاة التطورية الاجتماعية الذين ورد ذكر بعضهم أعلاه، اذ قادتهم الفرضيات التطورية الى تبني ما عُرف لاحقا بالمركزية الاوربية Eurocentrismأو المركزية الغربية. لاحقا كان لفرانز بواز Franz Boas رائد الانثروبولوجيا الثقافية موقفا مجابها للتطوريين الاجتماعيين وقد فند بدراساته وبحوثه الأفكار التي أسست للتميز العنصري ولكل ما يشير الى تفوق العنصر الأوربي الأبيض على غيره من شعوب الأرض. قبل بواز كان مفهوم الثقافة Culture مقترن بثقافة النخبة في أوروبا وكانت المجتمعات غير الأوروبية تُقيَّم وتُصنَّف على أساس مدى قربها من الثقافة الاوربية فيقال عنها شعوب مثقفة ام غير مثقفة او ربما نصف مثقفة. كان فرانز بواز اول من استخدم كلمة (ثقافات) Cultures بصيغة الجمع بعد عقود من الاستخدام المفرد لكلمة الثقافة. لقد اثمرت جهود بواز وتلامذته الذين استخدموا الإثنوغرافيا Ethnographyفي إثبات أن كل مجتمع من المجتمعات له ثقافته الفريدة وذلك ما جسده بواز في نظريته النسبية الثقافية أو الخصوصية الثقافية والتي عرفت لاحقا بين علماء الأنثروبولوجيا الثقافية المعاصرين بالنسبية الأخلاقية وهي نقيض المركزية الاوربية التي كانت تخرج كل الشعوب غير الاوربية من دائرة الثقافة وتضعها في تصنيفات ما دون الثقافية. النسبية الأخلاقية فندت ما عرف بالأخلاق العالمية أو القيم الكونية التي كان تستخدم كمعايير للحكم على الشعوب الغير اوربية من منظار الثقافية الاوربية وهي ربما تكون الأساس الذي قامت عليه بعد ذلك العولمة ببعدها الثقافي. وقد قادت جهود تلامذة بواز في هذا المجال الى بروز ما عرف لاحقا بدراسات الثقافة والشخصية والتي تمثلت بدراسات بول ريدن Paul Radin لقبيلة وينيباج Winnebago والتي اشتهرت بأنها من أكثر الدراسات تفصيلاً في مجال البحوث الإثنوغرافية التي تم تجميعها على الإطلاق وقد وثقها في كتابه الاشهر “الإنسان البدائي كفيلسوف” Primitive Man as Philosopher والذي استند إلى دراساته عن دين قبيلة وينيباجو وأساطيرها ونظرتها للعالم.
بعد عقود من تطور الدراسات الانثروبولوجية وتعددها وتشعبها حتى صارت اليوم تشمل المجتمعات الحضرية والصناعية وصرت تهتم بدراسة كل ما يعتني بالإنسان وما يدور حوله من تحولات مناخية وايدلوجية بما في ذلك دراسات بناء السلام ودراسات الصراع التي تعمل على تفكيك أسباب الصراع بين الشعوب والعمل على ترسيخ ثقافة السلام والحوار بين الثقافات المختلفة لشعوب العالم بعيداً عن المركزية الاوربية والتصنيف الهرمي للشعوب البشرية. أعتقد وبدون ادنى شك ان وصايا الامام علي وحكمته المستنيرة بنور القرأن والسنة سبقت بقرون عديدة الكثير من المعارف الانثروبولوجية.
وفي الختام، من الجدير بالذكر ان ما أشار اليه الامام ع في وصاياه مستند الى تعاليم القرأن الكريم اذ نجد مصداقه في قوله جل وعلا في الآية الثالثة عشر من سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
واخر دعونا ان الحمد لله رب العالمين.

2 Responses
شكرا دكتور احمد …
نهجكم متميز في ربط المفاهيم الاكاديمية بالعلوم والنهج الثقافي الإسلامي
شكراً جزيلاً لمروركم وارجو ان اكون عند حسن ظنكم