الفرادة في الثقافة الحسينية مقاربة انثروبولوجية

الفرادة في الثقافة الحسينية مقاربة انثروبولوجية
حبّ الحسين (ع) ليس نابعًا من رابطة النسب، بل من ارتباط وجداني وثقافي أعمق، حيث مثّلت عاشوراء لحظة ولادة لهوية إنسانية جديدة، تقوم على الكرامة والوعي، وتستمر كطاقة حضارية تتجاوز الزمان والمكان....

في الوقت الذي شهد فيه يوم العاشر من محرم عام 61 ه فاجعة مقتل الامام الحسين (ع) وآل بيته وأصحابه في واقعة الطف الأليمة، كان ذلك اليوم موعداً لولادة ثقافة جديدة، ثقافة ولدت في كربلاء وعاشت في أرض الرافدين ومن ثم انتشرت الى الأراضي المجاورة لها حتى وصل مدى أنتشار هذه الثقافة تخوم العالم. لقد تفردت هذه الثقافة بمجموعة بخصائص كان من أبرزها ذلك الحب الكبير والعواطف الجياشة التي تربط الجمهور المحب لآل بيت المصطفى (ص) وللحسين(ع) على وجه الخصوص لما لمقتله من حرارة في قلوب المؤمنين. وأن مما ينطوي عليه هذا الحب من الغرابة والعجب لما يحير العقول ويشغل الافهام. الوضع الطبيعي،  قد تتكون لدى الانسان مشاعر المحبة والمودة اتجاه الافراد الذين تفاعل معهم اجتماعيا أو ألتقى بهم في مكان ما وزمان ما وربما عاشرهم حين من الدهر على سبيل الرفقة أو الصداقة أو الجيرة أو من خلال القرابة.  بينما من غير الطبيعي انك تشعر انك تذوب حباً وعشقاً في قوم عاشوا وماتوا قبل ما يقارب الف واربع مائة عام من غير ان يتسنى لك لقائهم أو التحدث اليهم ومن دون ان تجاورهم أو تعاشرهم، فتحبهم حباً جما بحيث تنفجر عواطفك حين تسمع أسمائهم ويقودك الحنين الى زيارة قبورهم لقطع الآلاف الكيلومترات وانفاق ما تملك وما لا تملك من أجل التعلق في قضبان اضرحتهم وشم عبق تربتهم، أي حب هذا وأي ثقافة تلك؟ هل يعرف أحدنا أسم جده الخامس الذي وُالدَ هو من صلبه قبل حوالي مئتي عام؟ وهل يذكره بحب وتدمع عينيه على مصيبة فراقه؟ أكاد اجزم ان جواب الاعم الاغلب هو كلا والف كلا.

أنا لم أعرف يوماً جدي الخامس ولا أعرف شكله ولا أي شيء عن سيرته وصفاته ولا أحمل أية عواطف اتجاهه (رحمه الله) بالرغم من أنه من الناحية البايولوجية يعتبر السبب المباشر لوجودي في هذا العالم. هنا تجدر الإشارة الى ان دراسات الانثروبولوجيا الطبيعية ووفقا لمبدئ الايثارAltruism والتعاون Cooperation تشير الى ان الاب أو الجد البايلوجي أي الذي ينحدر منه نسبي مباشرتا هو صاحب الفضل في وجودي في الحياة حيث يعتبر هو السبب الطبيعي لخلق جدي الرابع ومن ثم الثالث وهكذا وصولاً الى أبي الذي خلقت أنا من صلبه، ولو أختار جدي (رحمه الله) عدم أنجاب جدي الرابع لما كنت انا موجوداً اليوم امسك بقلمي وأكتب عن حب رجل أخر عاش ومات قبل حوالي أربع عشر قرناً من الزمان ولا تربطني به أي قرابة بايولوجية بحيث أنه لم يكن السبب الطبيعي في وجودي الجسدي لكنه كان السبب في وجودي الثقافي والوجداني، فلولا تضحيته يوم عاشوراء لما كنت أنا، أنا ولا كان قومي، قومي. اذاً فتضحية الحسين (ع) في يوم عاشوراء كانت بداية خلق ثقافي ووجداني جديد صير عالمي، عالماً حسيناً بامتياز. ووفر لي منظومة قيم خاصة وفريدة من نوعها، جعلتني تلك المنظومة استرخص دمي وروحي من أجل العيش في كرامة واباء.

وهذا أحد أهم الفوارق بين الخلق الطبيعي والخلق الثقافي، فالخلق الطبيعي الذي يتطلب رابطة القرابة والدم يعتبر من قبل علماء الانثروبولوجياً رابطاً الزامياً وليس مختاراً، حيث لا يمكن للفرد أن يختار والديه وأقربائه وافراد عشيرته بينما يمكن للفرد ان يختار أصدقائه المقربين واحبائه والمثل الاعلى التي يتخذ منه قدوة له في حياته. وهنا يتمثل لون من ألوان الخلق الثقافي حيث يكتسب الانسان ثقافته من المحيط الثقافي الذي ينشأ فيه وعندما ينضج الفرد وتتكمل شخصيته يبدأ في تبني المواقف والاتجاهات النفسية والاجتماعية وفقاً للبناء القيمي والثقافي الذي يحمله في وجدانه ووفقا لمنظومة القيم التي نشأ في ضوئها. وأن ما يفسر أتصال مشاعر الحب والولاء بين أجيالنا المعاصرة وقضية الامام الحسين (ع) هو ذلك الاتصال الثقافي والوجداني الذي خلقه يوم عاشوراء بما أنطوى عليه من مواقف نبيلة أسست لثقافة الحياة من خلال التضحية بأغلى ما يملكه الانسان نفسه وماله وولده.

في الوقت الذي كان الامام حسين (ع) يستهدف من ثورته اصلاح واقع الامة الذي عاصره في زمن الدولة الاموية وعلى نحو الخصوص مستوى الانحراف الذي مثله وصول رجل مثل يزيد بن معاوية الى موقع خلافة المسلمين، كان الأثر لتلك الثورة ممتداً على مدى تلك القرون حتى صار ثقافة خاصة باتباع منهج الحسين في رفض الظلم والطغيان والانحراف في كل مكان وزمان.

وهذا ما يفسر كمية الطاقة التي يمتلكها الاحرار الذين اتخذوا من الامام الحسين نبراساً وقدوة واسوة حسنة في مواجهة التحديات المختلفة. وفي استمرارية الزخم الحسيني الذي من مظاهره المشاركة المتزايدة في إقامة الشعائر الحسينية في كل مكان من العالم ولا سيما في العراق حيث اختار الحسين (ع) هذه الأرض وهذه الامة لتكون الامينة على الثقافة الحسينية التي تأسست في يوم الطف والتي لن تمحى مهما جار الظلمة والطغاة ومهما طال الزمان وامتدت التضحيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *