عملية “التأثير الاستراتيجي” للولايات المتحدة الأمريکية ضد العراق قبل حرب الخليج الثانية

عملية "التأثير الاستراتيجي" للولايات المتحدة الأمريکية ضد العراق قبل حرب الخليج الثانية
في الواقع، بدلاً من أن تهيئ التدخل العسكري الأمريكي الأرضية للتنمية والتقدم المستدام للعراق، أصبح العراق ساحةً للصراعات الداخلية والخارجية...

المقدمة

حرب الخليج في عام 1991 لم تكن فقط ساحة معركة للصراعات العسكرية، بل كانت أيضًا ساحة واسعة للعمليات النفسية والتأثير الإعلامي. في هذا السياق، بذلت الولايات المتحدة الأمريكية جهودًا كبيرة من خلال الاستفادة من قوة الإعلام واستراتيجيات الاتصال الحديثة للتأثير على آراء الجمهور سواء داخليًا أو دوليًا. كانت المقاصد من وراء هذه الجهود هي أ. شرعنة الإجراءات العسكرية الأمريكية، و ب. جذب الدعم الدولي، و ج. عزل العراق عن الساحة العالمية.

تحققت عمليات التأثير الأمريكية في هذه الفترة من خلال الإدارة الذكية لوسائل الإعلام، ونشر الروايات المحددة عن الأحداث على نطاق واسع، واستخدام تقنيات نفسية للتحكم في المشاعر العامة. تُعتبر الاستعانة بالوسائط المرئية والأخبار لتقديم صورة إيجابية عن قوات التحالف، مقابل تصوُّر سلبي عن نظام العراق تحت قيادة صدام حسين، من الأمثلة البارزة على هذا النهج.

في المصطلحات الكلاسيكية، تُعتبر الأنشطة الخاصة بالتأثير الاستراتيجي عمومًا مكافئة للدبلوماسية العامة أو الدعاية (البروباغندا). ومع ذلك، فإن مصطلح “الدعاية” في الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الغربية قد أصبح يحمل سمعة سيئة، حيث يُفترض في الاستخدام العام أنه يتضمن الكذب والمعلومات الخاطئة؛ لذلك، نادرًا ما يستخدم المسؤولون الحكوميون في الولايات المتحدة هذا المصطلح لوصف أنشطتهم.

التمهيدات الأولی

في 28 ديسمبر 2001، زار الجنرال تومي فرانكس مزرعة الرئيس بوش الشخصية في كروفورد، تكساس. خلال هذا الاجتماع، قدّم الجنرال فرانكس خطة حربية للهجوم على العراق وإسقاط نظام صدام حسين (وودوارد، 2004، ص. 53). بعد فترة وجيزة، في 29 يناير 2002، ألقى الرئيس بوش أول خطاب له حول حالة بلده بعد هجمات 11 سبتمبر. في هذا الخطاب، وصف بوش العراق بأنه جزء من “محور الشر”، وهو مجموعة من البلدان التي ادعى أنها تسعى للحصول على أسلحة دمار شامل “المزيفة” وقد تكون قادرة على توفير هذه الأسلحة للإرهابيين (وودوارد، 2004، ص. 87).

يمثل هذا الخطاب فصلًا آخر في تاريخ العلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة ونظام صدام. على مدار فترة زمنية تمتد لاثني عشر عامًا (من نهاية حرب الخليج الفارسي الأولى حتى بداية حرب الخليج الفارسي الثانية)، انتهجت الولايات المتحدة سياسة مزدوجة تجاه العراق: من جهة، كانت تسعى إلى احتواء هذا البلد، ومن جهة أخرى، كانت تسعى إلى إسقاطه. وقد تبنت هذه السياسة المزدوجة ثلاث حكومات أمريكية متعاقبة، حتى أدت صدمة هجمات 11 سبتمبر إلى دفع إدارة بوش نحو اعتماد نهج أكثر حزمًا من خلال الهجوم الاستباقي على العراق.

كما كان خطاب “محور الشر” بداية لحملة استمرت 15 شهرًا من أجل التأثير الاستراتيجي، والتي كانت تهدف إلى إقناع الرأي العام الإقليمي/العربي والمجتمع الدولي بأن نظام صدام يشكل تهديدًا عالميًا لا يمكن احتواؤه أو السيطرة عليه. كانت هذه الحملة جزءًا فقط من مجموعة واسعة من جهود الولايات المتحدة للتأثير، التي شملت جماهير متعددة: الرأي العام المحلي، الحكومات الأجنبية، الشعب العراقي، والجماهير الإقليمية والأوروبية. تركزت هذه الدراسة على الجزء الخاص بالدبلوماسية العامة، الذي كان جمهوره الرأي العام الإقليمي والدولي. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن هناك تداخلًا كبيرًا بين الحملات الاستراتيجية المخطط لها لهذه الجماهير المختلفة، سواء كان ذلك عن طريق الصدفة أو عمدًا. كانت التغطية الإخبارية على مدار 24 ساعة من قبل وسائل الإعلام العالمية تضمن أن الرسائل التي ربما تم تصميمها خصيصًا لمجموعة معينة، كانت تتردد تقريبًا فوريًا في جميع أنحاء العالم.

الغايات و النوايا

إحدى المشاكل الأساسية التي واجهت حملة التأثير الاستراتيجي كانت عدم الإجماع بين المسؤولين الرئيسيين في الحكومة بشأن غايات الحملة. في أواخر أغسطس 2002، بدا أن هناك انقسامًا داخل الحكومة حول استراتيجيتها تجاه العراق. كان من جهة نائب الرئيس ديك تشيني، الذي ألقى خطابًا في 26 أغسطس 2002، تحدث فيه عن ضرورة الحرب لإسقاط نظام صدام، حيث اعتبر أن “عودة المفتشين [من الأمم المتحدة] لن تؤدي إلى أي ضمانات لالتزام صدام بقرارات الأمم المتحدة” (تشيني، 2002). في نفس الفترة، أعرب وزير الخارجية كولن باول في مقابلة عن اعتقاده بأن الرئيس يؤمن بأن المفتشين يجب أن يعودوا إلى العراق. إذا كانت التقارير الإعلامية صحيحة، فقد كانت لدى باول مخاوف جدية بشأن الحرب. فقد عبر عن هذه المخاوف خلال اجتماع 5 أغسطس 2002 مع الرئيس بوش. وبحسب بعض الروايات، أوصى باول باتخاذ إجراءات عبر الأمم المتحدة، وألا يتسرعوا نحو الحرب، على الرغم من أن يبدو أنه لم يقل صراحة للرئيس: “لا تفعل ذلك” (وودوارد، 2004، صص. 148-151).

هذا الفارق العميق والواضح في الحكومة اضطر المسؤولين عن حملة التأثير الاستراتيجي إلى متابعة أهداف ورسائل متعددة، وفي بعض الحالات متناقضة، في الوقت نفسه. كان الغاية الأولی هو تأطير الموضوع وتعريف التهديد الناتج عن العراق. كان المقصود من هذه الرسالة هو تقديم نظام صدام كتهديد عالمي لا يمكن احتواؤه أو السيطرة عليه، مما أكد على ضرورة الحرب، نظرًا لفشل جهود المجتمع الدولي طوال التسعينيات في مواجهة تهديد نظام صدام. بعد ذلك، ظهر الهدف الثاني لحملة التأثير الاستراتيجي: نقل الرسالة بأن الولايات المتحدة لا تنوي غزو العراق، إنما تسعى لتحرير الشعب العراقي.

ومع ذلك، كان هذا المقصود الثالث، إلى حد ما، في تناقض مع المقصودين السابقين. كان هذا الهدف هو: تشكيل تحالف دولي لمواجهة تهديد العراق. كان من المقصود من هذا النهج، جذب الدعم لسياسات الولايات المتحدة من خلال إظهار التشاور مع الشركاء الدوليين بشأن كيفية التعامل مع استمرار العراق في انتهاك قرارات نزع السلاح من الأمم المتحدة. لكن المشكلة كانت هي أن العديد من أعضاء المجتمع الدولي لم يكونوا مقتنعين بأن الحرب ضد العراق صارت ضرورية، وبدلاً من ذلك، كانوا يؤكدون على ضرورة إعادة المفتشين الدوليين إلى العراق لضمان التدمير الكامل لأسلحة الدمار الشامل، مما تسبب في وقوع حملة التأثير الاستراتيجي في مفترق طرق صعب. من جهة، كان يجب أن تسعى إلى إنشاء دعم للحرب ضد العراق، ومن جهة أخرى، كان يتعين عليها إظهار أن الولايات المتحدة تتعاون مع دول عديدة، كثير منها كان معارضًا لأي عمل عسكري، من أجل صياغة حل دولي لمشكلة العراق.

تسببت هذه الأهداف المتعارضة في ظهور مشاكل جدية في التنسيق الاستراتيجي، حيث ركزت وكالات الحكومة الأمريكية المختلفة على أهداف أكثر توافقًا مع وجهات نظرها. كان من المرجح أن تؤكد وزارة الخارجية على أهمية بناء تحالف دولي ورفضت، حتى اللحظة الأخيرة، الحاجة الملحة للحرب. في المقابل، كانت وزارة الدفاع تركز حملتها التأثيرية الاستراتيجية على الاستعداد للهجوم على العراق، وغالبًا ما كانت تُعلن عن خطوات علنية تعزز تصور أن الولايات المتحدة قد اتخذت بالفعل قرارًا مسبقًا بشأن ضرورة الحرب. وقد أضعف هذا الأمر جهود إقامة تحالف دولي.

الاستراتيجية و المعاني المتعلقة

كانت الولايات المتحدة قد تبنت استراتيجيات مختلفة نسبيًا في جهودها للدبلوماسية العامة في الشرق الأوسط وأوروبا. في الشرق الأوسط، كان هناك إدراك منذ البداية أن شعوب المنطقة لن تدعم الهجوم على العراق. لذا، تمحورت الاستراتيجية الأمريكية حول ثلاثة محاور:

الوصول إلى القواعد العسكرية الرئيسية في المنطقة لدعم العمليات العسكرية.

ضمان عدم دعم الدول الإقليمية لنظام صدام حسين خلال الحرب، لتقليل المخاطر العسكرية والسياسية.

جذب الدعم العام لبناء عراق ديمقراطي ومتحرر بعد انتهاء النزاع.

كانت الرسالة المحورية للعالم العربي هي أن الهجوم الأمريكي لإسقاط صدام حسين أمرٌ لا مفر منه، ويجب أن يتحد العالم حول الهدف المتمثل في تحسين حياة الشعب العراقي بعد الحرب. في محاولة لجذب الدعم العربي للسياسات الأمريكية، سعت حملة التأثير الاستراتيجي إلى رسم صورة إيجابية لمستقبل العراق بدون صدام.

في أوروبا، كانت حملة التأثير الاستراتيجي للولايات المتحدة تعتمد استراتيجية مختلفة إلى حد ما. أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مجموعة الأبحاث في وزارة الخارجية أن الرأي العام الأوروبي يدعم حملة دولية ضد العراق، ولكن ليس المراد منها حملة يقودها الولايات المتحدة فقط. بناءً على ذلك، كان مقصود الحملة في أوروبا هو إظهار أن الولايات المتحدة تتولى قيادة جهد دولي لتنفيذ اثني عشر قرارًا على الأقل من قرارات الأمم المتحدة التي أكدت على ضرورة نزع سلاح العراق.

كان يُعتبر أن الجمهور الأوروبي يرغب في رؤية الولايات المتحدة تحترم القوانين الدولية وأن تصريحاتها حول برامج الأسلحة العراقية ودعم هذا البلد للمجموعات الإرهابية صحيحة وموثقة. عمومًا، كان الرأي العام الأوروبي يبحث عن أدلة تشير إلى أن نظام العراق يمثل تهديدًا للسلام العالمي وأن الولايات المتحدة تتبع عملية قانونية دولية مناسبة في استخدامها للقوة العسكرية. كانت الحكومة الأمريكية تعتقد أن الرأي العام الأوروبي يمكن إقناعه أكثر من خلال إبراز سجل انتهاكات حقوق الإنسان الفظيع من قبل صدام والتشابهات بين نظام العراق والأنظمة الشمولية السابقة في أوروبا.

الأدوات و الآليات

التوفر علی القائمة الكاملة بالأدوات المستخدمة في حملة التأثير الاستراتيجي للولايات المتحدة ضئيل، ما لم يتمكن المؤرخون من الوصول إلى الوثائق الحكومية المصنّفة. ومع ذلك، يمكن الحصول على صورة عامة عن هذه الجهود من خلال بعض الوثائق التي تم إتاحة نشرها. في أكتوبر 2002، نشر مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تقريرًا غير سري حول برامج أسلحة الدمار الشامل في العراق، وكانت خلاصة التقرير كالتالي:

“استمر العراق في برامجه المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل (WMD) في انتهاك للقرارات والقيود التي وضعتها الأمم المتحدة. تمتلك بغداد أسلحة كيميائية وبيولوجية، بالإضافة إلى صواريخ بمدى يتجاوز القيود المحددة من قبل الأمم المتحدة، وإذا لم يتم احتواء هذا الوضع، فمن المحتمل أن تصل العراق إلى أسلحة نووية خلال هذا العقد” (وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، 2002).

تم تأسيس مكتب الاتصالات العالمية في البيت الأبيض (OGC) في يناير 2003، وكانت مهمته تنسيق رسائل الحكومة الأمريكية لإبلاغ الجماهير الخارجية حول سياسات وأولويات البلاد. في يناير 2003، أصدر هذا المكتب كتيبًا بعنوان “آلة الأكاذيب” الذي تناول “حملات المعلومات المضللة والدعاية” المتعلقة بالعراق. كما أعد مكتب OGC مستندات حول استخدام صدام للتعذيب والإعدامات الجماعية، والتي تم توزيعها على نطاق واسع.

كانت إحدى الطرق الأخرى التي استخدمتها الحكومة الأمريكية لنقل رسائلها هي العروض العامة التي قدمها كبار المسؤولين. من أبرز هذه العروض كان خطاب وزير الخارجية كولن باول، الذي استمر 76 دقيقة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في فبراير 2003، حيث شرح فيه الأدلة الأمريكية حول برامج أسلحة الدمار الشامل في العراق وجهود هذا البلد لإعاقة مفتشي الأسلحة الدوليين. كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية حينها، جورج تينت، جالسًا مباشرة خلف باول، مما أضفى على العرض معنى ورمزية خاصة.

في الشرق الأوسط، شارك السفير كريستوفر راس، مستشار وزارة الخارجية في مجال الدبلوماسية العامة، في العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية. حاول أن يشرح ويدافع عن سياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط باللغة العربية.

في النهاية، نشر مجلس الاستخبارات الوطني أيضًا ملخصًا غير سري لأحدث “تقييم استخباراتي وطني” (NIE) حول برامج أسلحة الدمار الشامل في العراق. شكلت وزارة الخارجية الأمريكية فريق عمل خاص للعراق للتحضير للإجراءات الدبلوماسية العامة قبل الغزو. قدم هذا الفريق إرشادات للفرق الميدانية في مناطق رئيسية. ومع ذلك، أظهرت الوثائق اللاحقة أن متابعة وتنفيذ هذه الإرشادات كان محدودًا، حيث غالبًا ما تجاهلت الفرق الميدانية في دول مختلفة هذه الإرشادات.

هناك أيضًا أدلة تشير إلى أن وزارة الدفاع كانت غير قادرة على تنسيق جهود العلاقات العامة والدبلوماسية العامة مع وزارة الخارجية. في أكتوبر 2002، أرسلت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) فريق علاقات عامة إلى الشرق الأوسط لإعداد العمليات الإعلامية خلال الحرب، ولكن لم يُدع أي من موظفي وزارة الخارجية للمشاركة في هذه العملية.

تقييم تأثير حملة التأثير الاستراتيجي

في الأشهر التي سبقت الحرب و بعد حدوثها، تم إجراء العديد من استطلاعات الرأي لقياس آراء الجمهور العالمي حول الحرب في العراق. قدمت هذه الاستطلاعات أيضًا دلائل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققت الأهداف التي وضعتها قبل بدء الحرب أم لا (مركز بيو للأبحاث، 2004). كانت الولايات المتحدة قد حددت أهدافًا لحملاتها التأثيرية الاستراتيجية في الشرق الأوسط تختلف جزئيًا عن تلك التي كانت تهدف إليها في أوروبا.

باختصار، في الشرق الأوسط، كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق الأهداف التالية:

الوصول إلى القواعد العسكرية الرئيسية في المنطقة.

ضمان عدم دعم الدول المحيطة لنظام صدام حسين خلال الحرب.

جذب الدعم العام لبناء عراق ديمقراطي ومتحرر بعد انتهاء النزاع.

أما في أوروبا، فقد كانت الولايات المتحدة تعمل على إقناع الرأي العام الأوروبي بأن إجراءاتها في العراق هي جزء من جهد دولي للضغط على نظام صدام للامتثال لقرارات الأمم المتحدة.

على الرغم من محاولات الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف المعينة، فإن النتائج كانت مختلطة تماماً، حيث واجهت الولايات المتحدة تحديات كبيرة في كسب دعم الشعوب في كل من الشرق الأوسط وأوروبا، مما أثر على فعالية حملتها التأثيرية بشكل عام.

تمكنت الولايات المتحدة إلى حد ما من تحقيق الهدفين الأولين في الشرق الأوسط. على الرغم من أن استطلاعات الرأي التي أجراها “مشروع وجهات النظر العالمية لبرو” في الفترة ما بين أبريل ومايو 2003 أظهرت أن الناس في الكويت اعتبروا قرار بلادهم بمنح الوصول إلى القواعد للقوات الأمريكية وحلفائها قرارًا صحيحًا، إلا أن 63% من الرأي العام في تركيا اعتبروا هذا القرار غير صحيح.

ومع ذلك، تمكنت الولايات المتحدة خلال النزاع من الوصول إلى القواعد العسكرية الرئيسية في المنطقة، ولم يؤيد أي من الحكومات في المنطقة بشكل علني نظام العراق خلال الحرب.[1] كما أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها “بيو” أن غالبية العرب والمسلمين اعتقدوا أن استخدام القوة العسكرية ضد البلدان التي لم تكن هي البادئة في الهجوم يكون نادرًا أو غير مبرر أبدًا، واعتبرت القرارات التي اتخذتها الدول العربية والإسلامية بعدم استخدام القوة ضد العراق قرارات صحيحة.[2]

هذا يعكس الفجوة بين “الغايات الاستراتيجية الأمريكية” و”الواقع”، حيث في حين كانت الولايات المتحدة تبحث عن دعم عسكري وسياسي، كانت العديد من الدول والشعوب في المنطقة تعارض التدخل العسكري وتعتبره غير مبرر.

واجهت الولايات المتحدة صعوبة أكبر في إقناع الرأي العام العربي بدعم أهدافها بعد الحرب، أو في تأكيدها على أن وضع العراقيين قد تحسن بعد الغزو. أظهرت استطلاعات ربيع 2003 التي أجراها مركز بيو أن غالبية الناس في نيجيريا ولبنان والكويت كانوا يعتقدون أن وضع العراقيين سيتحسن، لكن غالبية المستجيبين في إندونيسيا وباكستان والأردن والمغرب والسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى نسبة نسبية في تركيا، لم يشاركوا هذا الاعتقاد.[3]

تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أنه منذ نهاية العمليات العسكرية وتبين عدم وجود أي أسلحة دمار شامل في العراق، فضلاً عن ظهور حالة من الصراع الطائفي المستمر في البلاد، قد انخفضت مستويات التفاؤل بشأن وضع العراقيين بشكل كبير بين الرأي العام العربي والإسلامي.

هذا يعكس تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة في جهودها للدبلوماسية العامة وبناء الدعم الإقليمي، حيث أن الحقائق على الأرض والواقع المعقد في العراق أثرت سلبًا على التصورات العامة حول النتائج الإيجابية المحتملة بعد التدخل.

في أوروبا، واجهت الولايات المتحدة نتائج متناقضة إلى حد ما. في نهاية المطاف، قلّ عدد الحكومات الأوروبية التي دعمت الغزو بشكل علني، حيث أظهرت استطلاعات الرأي في ربيع 2003 أن هذه الحكومات كانت تتمتع بدعم قوي من شعوبها: إذ اعتقد 80% أو أكثر من الناس في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا أن بلادهم اتخذت القرار الصحيح بعدم استخدام القوة العسكرية ضد العراق.[4]

على نحو مماثل، اعتقد 62% من الإسبان أن قرار حكومتهم باستخدام القوة في العراق كان غير صحيح. ومع ذلك، على الرغم من أن أقل من 30% من الروس اعتقدوا بذلك، أفاد أكثر من 70% من المستجيبين في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا أنهم يعتقدون أن وضع الشعب العراقي سيتحسن نتيجة لهذه الأحداث.[5]

هذا يظهر التناقض في الآراء بين دعم الغزو والاعتقاد بأن الظروف ستتحسن، مما يعكس موقفًا معقدًا لدى الجمهور الأوروبي تجاه السياسة الأمريكية في العراق. بينما كانت هناك مخاوف من قبل الأغلبية بشأن استخدام القوة، كان هناك أيضًا تفاؤل حول النتائج المحتملة، مما يعكس التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة في تشكيل الرأي العام الأوروبي لصالح استراتيجياتها.

يمكن أن يُعزى انخفاض الرؤية الإيجابية تجاه الولايات المتحدة إلى بعض حد ما إلى الانطباع العام في أوروبا بشأن دقة وصدق claims التي قدمتها الولايات المتحدة قبل الحرب، حيث أن عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق قد شكك بشكل كبير في أحد المبررات الرئيسية للحرب. أظهرت استطلاعات مركز “بيو” أنه بحلول مارس 2004، كان أقل من 25% من الناس في فرنسا وألمانيا وروسيا وتركيا وباكستان والأردن والمغرب يعتقدون أن قادة الولايات المتحدة وبريطانيا كانوا في خطأ معلوماتي بشأن وجود أسلحة دمار شامل، بينما اعتقد أكثر من 60% من المستجيبين في هذه الدول (باستثناء المغرب) أن قادة الولايات المتحدة وبريطانيا كذبوا.[6]

كما تطورت قناعة متزايدة عبر أوروبا بأن الولايات المتحدة لا تأخذ مصالح الدول الأخرى في الاعتبار في سياستها الخارجية؛ حيث عبّر أغلب الناس في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وروسيا وتركيا عن هذا الرأي.

كانت هناك أيضًا نتائج مماثلة في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول ردود الفعل الإعلامية الأجنبية على انتهاء البحث عن أسلحة الدمار الشامل، كانت إحدى النتائج الرئيسية لهذه التقارير حول تغطية وسائل الإعلام الأجنبية كالتالي: «على الرغم من أن الرئيس بوش لم يتعرض لأذى سياسي داخل البلاد… إلا أن سمعته في الخارج تضررت» (وزارة الخارجية الأمريكية، 2005).

نتائج دراستنا حول تمهيدات عملية “احتلال العراق” تشير إلى تناقضات ملحوظة:

النجاح في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية: نجحت الولايات المتحدة إلى حد ما في كسب دعم الرأي العام في بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية. وهذا يعني أن بعض الدول قد تعاونت ودعمت العمليات العسكرية في العراق.

المعارضة في دول أخرى: ومع ذلك، بشكل عام، لم تتمكن الولايات المتحدة من التغلب على معارضة الرأي العام القوية والثابتة في دول مهمة مثل فرنسا وألمانيا وروسيا. هذه المعارضة تعكس انعدام الثقة وعدم الرضا عن السياسات الأمريكية.

نجاحات عسكرية مقابل خسائر سياسية: رغم أن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف كانوا ناجحين في تأمين القواعد العسكرية ومنع دعم الأنظمة العربية لصدام حسين، إلا أنهم فشلوا إلى حد كبير في جذب الدعم من “الشارع العربي” (الرأي العام العربي).

هذا التناقض بين النجاح العسكري والفشل في كسب التأييد العام يعكس التحديات المتعددة التي واجهتها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية في المنطقة.

النفوذ في الدبلوماسية العامة: ملخّص ختامي

النتائج الرئيسية التي يمكن استخلاصها من هذه الدراسة الموضوعية هي كما يلي:

التحديات التاريخية للولايات المتحدة: واجهت الولايات المتحدة صعوبات عديدة في تنفيذ عمليات التأثير الاستراتيجي بشكل فعال خلال فترات السلم. عادةً ما تواجه هذه العمليات في داخل البلد تردداً وسخطاً من الجمهور، بينما تظهر النتائج على الصعيد الخارجي تباينات وتناقضات.

أهداف الحملات الإستراتيجية: تؤثر المقاصد المحددة لحملات التأثير الاستراتيجي والقيود المختلفة التي تواجهها بشكل كبير على اختيار الاستراتيجية المثلى والنتائج النهائية.

فهم الجمهور المستهدف: من أجل نجاح عمليات التأثير الاستراتيجي، يجب أن يكون هناك فهم عميق لمواقف الجمهور المستهدف والبيئة المعلوماتية المحيطة به. بالإضافة إلى ذلك، في بعض الحالات، قد يكون الجمهور المستهدف غير قابل للإقناع بغضّ النظر عن شدة وامتداد الجهود المبذولة، خاصة عندما تتعارض الرسالة مع قيمهم أو معتقداتهم العميقة الجذور.

هذا الملخص يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة وأهمية الفهم العميق للجمهور المستهدف في عمليات الدبلوماسية العامة.

التأثير الاستراتيجي: التحديات والنتائج

الوحدة والتكرار في الرسائل: تحتاج الجهود الناجحة في التأثير الاستراتيجي عادةً إلى وحدة وتكرار رسائل أساسية مشتركة تكون مقبولة إلى حد ما للجمهور المستهدف. عندما تتناقض سياسات صانعي القرار أو تصريحاتهم مع بعضها البعض، فمن المرجح أن تسبب هذه التناقضات ارتباكًا لدى الجمهور المستهدف، مما يقلل من فعالية الحملة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الرسائل التي تُعتبر غير موثوقة من منظور الجمهور من المحتمل أن تُرفض بالكامل.

نتائج غزو العراق عام 2003:  في نهاية المطاف، هجوم الولايات المتحدة على العراق في عام 2003، الذي تم تبريره بادعاءات وجود أسلحة دمار شامل وبشعار جلب الديمقراطية والحرية والتنمية إلى البلاد، لم يحقق أهدافه المعلنة. اليوم، حوالي 23 عامًا بعد ذلك التدخل العسكري، لا توجد أدلة على الأسلحة المزعومة، ولا يزال العراق يعاني من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متواصلة، بالإضافة إلى العديد من النواقص.

وعدت الولايات المتحدة بإنشاء نموذج ناجح للديمقراطية والتقدم في العراق، لكن هذه الوعود لم تتحقق. بدلاً من ذلك، شهدنا زيادة في عدم الاستقرار، وارتفاع حدة التوترات الطائفية، وفسادًا واسع النطاق، وفشلًا في الحكومات، وحرمان جزء كبير من الشعب العراقي من الحقوق الأساسية.

في الواقع، بدلاً من أن تهيئ التدخل العسكري الأمريكي الأرضية للتنمية والتقدم المستدام للعراق، أصبح العراق ساحةً للصراعات الداخلية والخارجية، وما زالت عواقب ذلك تلقي بظلالها على حياة الملايين من العراقيين.

هذا السياق يبرز أهمية التوافق والجدارة في الرسائل المستخدمة في الدبلوماسية العامة، بالإضافة إلى الفهم العميق للتوقعات والواقع الإنساني للجمهور المستهدف.

المصادر و الوثائق

  • Woodward, Bob, Plan of Attack, New York: Simon and Schuster,
  • Central Intelligence Agency, Iraq’s Weapons of Mass Destruction Programs, Washington, D.C.: Central Intelligence Agency, October 2002. As of December 2007:https://www.cia.gov/library/reports/general-reports-1/iraq_wmd/Iraq_Oct_2002.htm
  • Cheney, Richard, speech at the Veterans of Foreign Wars 103rd National Convention, Nashville, Tenn., August 26 , 2002. As of December 2007: http://www.whitehouse.gov/news/releases/2002/08/20020826.html
  • Pew Research Center, Views of a Changing World, Washington, D.C.: Pew Global Attitudes Project, Pew Research Center for People and the Press, June 2003. As of September 2007: http://pewglobal.org/reports/display.php?ReportID=185

[1] السؤال في الكويت وتركيا كان: «في موضوع العراق، هل (البلد المعني) اتخذ قرارًا صحيحًا أم قرارًا خاطئًا بالسماح للولايات المتحدة وحلفائها باستخدام القواعد العسكرية للقيام بعمليات عسكرية في العراق؟» (مركز بيو للأبحاث، 2003).

[2] السؤال كان: «هل تعتقد أن استخدام القوة العسكرية ضد الدول التي تهدد بلادنا تهديدًا جديًا، لكن لم تهاجمنا، يمكن أن يكون مبررًا، أو أحيانًا مبررًا، أو لا يمكن أن يكون مبررًا أبدًا؟» (مركز بيو للأبحاث، 2003). قال 65٪ من الأردنيين و57٪ من الفلسطينيين إن استخدام القوة العسكرية في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون مبررًا أبدًا. كما اعتبر معظم الناس في إندونيسيا، لبنان، الكويت، والمغرب أنها نادرة أو لا يمكن أن تكون مبررة أبدًا. في الإجابة على سؤال ما إذا كانت بلدهم قد اتخذت قرارًا صحيحًا بعدم استخدام القوة العسكرية ضد العراق، أبدى أكثر من 70٪ من المشاركين في إندونيسيا، نيجيريا، باكستان، لبنان، الأردن، والمغرب تأييدًا إيجابيًا.

[3] بطريقة مشابهة، عندما سُئل المشاركون إذا كانوا يعتقدون أن منطقة الشرق الأوسط ستصبح أكثر ديمقراطية نتيجة لإزاحة صدام حسين، كانت الغالبية في نيجيريا والكويت هي الوحيدة التي عبرت عن اعتقادها بأن الشرق الأوسط سيكون «إلى حد ما» أو «بشكل ملحوظ» أكثر ديمقراطية؛ بينما أعربت الغالبية العظمى من المشاركين في إندونيسيا، لبنان، الأردن، والسلطة الوطنية الفلسطينية عن عدم توقعهم لأي تغييرات في المنطقة. كان السؤال المطروح هو: «الآن بعد أن تمت الإطاحة بصدام حسين من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، هل تعتقد أن منطقة الشرق الأوسط ستصبح أكثر ديمقراطية بشكل ملحوظ، أو إلى حد ما، أم ستبقى بدون تغيير؟» (مركز بيو للأبحاث، 2003، سؤال 26).

[4] كان السؤال: «فيما يتعلق بالعراق، هل اتخذ (البلد المعني) قرارًا صحيحًا أم قرارًا خاطئًا بعدم استخدام القوة العسكرية ضد العراق؟» (مركز بيو للأبحاث، 2003، سؤال 22c.

[5] كان السؤال: «فيما يتعلق بالعراق، هل اتخذ (البلد المعني) قرارًا صحيحًا أم قرارًا خاطئًا باستخدام القوة العسكرية ضد العراق؟» (مركز بيو للأبحاث، 2003، سؤال 22a.

[6] في المغرب، اعتقد 48٪ من المشاركين أن زعماء الولايات المتحدة وبريطانيا قد كذبوا. كان السؤال: «قبل الحرب، زعمت الولايات المتحدة وبريطانيا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. ولم يتم العثور على هذه الأسلحة بعد. برأيك، لماذا طرحوا هذا الزعم؟ هل كان ذلك بشكل رئيسي لأن زعماء أمريكا وبريطانيا قد ضللهم معلومات غير صحيحة، أم كان ذلك بشكل رئيسي لأنهم كذبوا لتبرير الهجوم على العراق؟» (مركز بيو للأبحاث، 2003، سؤال 27)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *