منذ بداية القرن الواحد والعشرين وحتى يومنا هذا ، ظهرت أحداث كثيرة ومثيرة وخطيرة على الصعيد العالمي والاقليمي والمحلي ، كان اكثرها إثارة ما تتعرض له النفس البشرية من أذى تحت وابل النزاعات السياسية والصراعات العسكرية واختلاف المصالح . تشير تلك الاحداث الى ان ثقافتنا العربية اليوم ، تبدو كطائر امتلك جناحين ، لكنه لم يتمكن من الطيران في فضاء رقمي افتراضي تتحرك فيه إرادة النظام العالمي بقوة التقنية الرقمية والسلاح المتطور والنفوذ الإقتصادي ومشاريع العولمة وامركة العالم ثقافياً وغياب الضمير الإنساني في مواقع القرار السياسي ، وأتمتة المواقف والعواطف.
من بين تلك الأحداث ، كان طوفان الأقصى في فلسطين المحتلة يحكي قصة في كل أحداثها ألم وموت ودموع وصراخ وأمل ومقاومة ، كان أوجعها إغتيال سيد المقاومة اللبنانية السيد حسن نصر الله الذي حوّل موته حالة المجتمع العربي من مرحلة حضور القدوة الى مرحلة إستنساخ حضور القدوة ، وهي مرحلة من شأنها ان تعرض الثقافة المعاصرة الى الإصابة بالعسر الثقافي الذي سيحول دون تمكين المجتمع من تشكيل رؤية واضحة لماورائيات أحداث الحاضر ، تسهم عوامل كثيرة في عدم التمكين هذا ، ابرزها العقل السياسي العربي الذي فقد حضوره الذاتي في وجدان العمل المسؤول وسط حضور مخيف لجيوش الكترونية وقوات افتراضية واتمتة عسكرية لاجندات عابرة للإنسانية ، تمثلت في قبول قوى كبرى للمجازر التي ترتكب بحق الطفولة والإنسانية والسلام في فلسطين ولبنان واليمن حين تجاوزت قوى كبرى مثل امريكا قرار المحكمة الاتحادية الدولية بإعتقال رئيس الكيان الصهيوني على إثر الجرائم التي ارتكبها جيشه في فلسطين . هكذا تواجه الثقافة العربية المعاصرة محنة هي الأصعب في كل تاريخها ، فقد ضاقت بفم الثقافة الكلمات بعد ان صار مفهوم الفضيلة والنزاهة لعقاً على السنة الفاشلين والتافهين والفاسدين من السياسيين والقادة ممن يعطون من وقتهم ومن استعدادهم النفسي ما يظهرون به الى الناس ليحدثوهم بأحاديث صادقة يراد منها تكذيب ما هو واضح من انحراف في مناهجهم التفكيرية في خط انسنة علاقة السلطة بالمجتمع . وبعد التشوه الحاصل في جسم السلطة في بعض البلدان حد تمكين المجرمين من حماية القانون في بلد مثل سوريا . ترى ماذا كان سيكتب عبد الرحمن الكواكبي في كتابه ” طبائع الإستبداد” لو علم ان دواعش سوريا تمكنوا من السلطة فيها ؟!!!
انها معركة حامية من أجل الحقيقة التي باتت اليوم خاضعة للتزييف في ظل التطور التقني والتكنلوجي المتسارع خصوصاً وان ماكنة الإعلام المضلل تواصل ملاحقة تاريخ الأمة وتدفع بالعالم العربي الى الابتعاد الطوعي عن مسار الأجداد بحكم قوة التكنلوجيا الجاذبة وتمكن النظام العالمي من اسلحة القتال الحديثة التي تلقي بقنابلها على المباني والمستشفيات بدواعي ملاحقة المسلحين .
على الرغم من التفاهة التي يراد لها ان تنتشر بين الناس من خلال الاستخدام المتواصل لمواقع التواصل الذي بات ضرورة لابد منها ، فإن الوعي الفردي للمواطن العربي لا يزال حياً بما يكفي لتأهيل المواطن الى ان يكون موجوداً على قيد تغيير الواقع ، لكن ما يقلق حقاً هو كثرة المحاولات التي يتم تمريرها الى المستخدمين والتي تسهم تقنيات الذكاء الإصطناعي في تفعيلها من اجل تعطيل ظهور وعي جمعي عربي عالمي مشترك ، بعد ان بدا واضحاً ان الإنسانية لغة مشتركة يتقنها العربي مثلما يتقنها الغربي ، والعاطفة الإنسانية إيقاع يهز اعماق المسيحي مثلما يهز اعماق المسلم ، فقد كانت تظاهرات طلبة الجامعات الامريكية المناهضة للغزو الصهيوني مثال حي على ذلك .
ان مشكلة الرأي الجماهيري العربي العام انه لا يزال ضعيفاً ، لأنه لا يزال يعتمد على السلطة كونها ممثلة عن إرادة الجماهير ، لكن هذا المفهوم لم يعد كذلك بعد تمكن النظام العالمي الجديد من إعادة فهرسة المفاهيم القديمة والصلاحيات الطبيعية للأدوار المسؤولة ، فالأمة العربية برغم امتلاكها لمصادر الطاقة الطبيعية والنفط لا تملك قوة القرار لأنها انشغلت بحكم ارتباطها بالسوق العالمية بقضية تمكنها إقتصادياً دون ان تنتبه الى انها تعرض الأمة الى نقص في التمكين الثقافي .
كان لتطور دول العالم الصناعي والتقني دور مهم في تراجع نهضة الثقافة العربية المعاصرة خصوصاً وان مصادر الطاقة الثقافية اليوم هي بيد شركات اجنبية عالمية للإنتاج الالكتروني الرقمي الأمر الذي تسبب في توليد عزم دوران قوي مضاد لعزم النهضة العربية الثقافية وهو عزم يفرض قوته بحجم التمويل المالي الضخم الذي يديره النظام السياسي الاقتصادي العالمي والذي تسهم فيه رؤوس اموال عربية طائلة .
ان المشروع العالمي الذي تحدثت عنه دراسات مستقبلية هنا وهناك يفيد بأن النظام العالمي يخطط لتحويل عالمنا العربي الى منطقة خاضعة لإدارة تقنية متطورة أخذت علائمها تظهر في الكيان الصهيوني الغاصب من خلال استخدامه لتقنية متطورة في حربه مع الفلسطينيين وهجماته على اللبنانيين واستهدافه لشخصيات جهادية في حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين وحماس ، يرافق ذلك جهداً حثيثاً تبذله أمريكا لإستهداف إيران من أجل تحجيم دورها وحصرها في المنطقة ما بين العقوبات الاقتصادية والضغوط على انظمة سياسية عربية تتعامل معها وتسخير جيوشها الالكترونية لإثارة فتنة العرب والعجم . إزاء كل ذلك لا تزال الثقافة العربية تملك الكثير لتقدمه في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة جداً في تاريخ المنطقة ، فمن خلال العالم الإفتراضي وشبكة الانترنت يمكن توظيف التدفق الهائل للمعلومات في توليد عزم دوران يمكنه ان ينقل المنطقة الى الجهة الأمنة من المعركة السياسية العالمية وهذه هي مسؤولية المثقف اليوم في ان يجعل من إيقونات التاريخ العربي الإسلامي ايقونة ثقافية واحدة تصنع قراراً واقعياً يلزم الوجود البشري بإلإعتراف الكامل بكونية الإنسانية . فالكلمة سلاح قوي لا تقف امامه اسلحة الدمار ، والإعلام سلاح اثبت فاعليته في الأزمات والحروب . لقد اثبت طوفان الأقصى ان تغيير الواقع السيء امر ممكن الحصول .