الشناشيل
الشناشيل، أحد رموز العمارة العراقية التقليدية، تتجلى في البيوت القديمة في البصرة وبغداد. هذا الطراز، الذي يضم شرفات ونوافذ خشبية مزخرفة، لا يساعد فقط على تهوية الهواء وتوفير الظل، بل يحافظ أيضًا على الخصوصية. هذه العمارة، بتصاميمها الهندسية والنقوش الجميلة، تجسد ثقافة غنية.
في إيران أيضًا، وخاصة في المناطق الجنوبية مثل خوزستان، تظهر عناصر مشابهة للشناشيل. السراديب والنوافذ الشبكية (الأورسي) في مدن مثل شوشتر و آبادان، لها وظيفة مماثلة للشناشيل. هذه الهياكل، باستخدام الخشب والزخارف الهندسية، تلعب دورًا مهمًا في تكييف العمارة مع المناخ الحار للمنطقة.
تشترك العمارة الإيرانية والعراقية في جذور تاريخية طويلة من التبادل الثقافي والمناخي. هذه التفاعلات تدل على وحدة ثقافية وتطابق معماري مع الظروف المناخية للمنطقة، وهو تراث لا يزال مصدر إلهام حتى اليوم.
المدارس النظامية والصلة العلمية بين إيران والعراق
تعتبر المدارس النظامية من المراكز التعليمية الهامة في العصر السلجوقي، والتي تأسست في القرن الخامس الهجري بأمر من الوزير نظام الملك. لعبت هذه المدارس دورًا مهمًا في تطوير العلوم الإسلامية وأُنشئت في مدن مثل بغداد ونيسابور وأصفهان ومرو وبلخ وهراة.
تأسست المدرسة النظامية في بغداد عام 1065 م وكانت أول مدرسة إسلامية كبيرة في الشرق. درّس في هذه المدرسة شخصيات بارزة مثل الإمام محمد الغزالي وفخر الدين الرازي والشيخ سعد الدين الحموي. وكانت المدرسة النظامية في نيسابور أيضًا من المراكز العلمية الهامة في إيران ولعبت دورًا رئيسيًا في تعليم المفكرين.
من خلال دعم السلاجقة، أنشأت هذه المدارس شبكة واسعة من المراكز العلمية التي شكلت رابطًا عميقًا بين إيران والعراق. لم تقتصر النظاميات على إنشاء نظام تعليمي مشترك فحسب، بل وفرت أيضًا أرضية للتبادل العلمي والثقافي. عمل في هذه المدارس أكثر من 200 أستاذ وآلاف الطلاب.
تُظهر اليوم الوثائق التاريخية الموجودة في المتحف المصري، مثل مرسوم التدريس في المدرسة النظامية في نيسابور، أهمية هذه المدارس. بالإضافة إلى دورها العلمي، أصبحت النظاميات إحدى الدعائم الأساسية للهوية الثقافية المشتركة بين إيران والعراق، وذلك من خلال تأثيرها على العمارة والبنية الاجتماعية للمنطقة.
الصلات المعمارية بين بابل وتخت جمشيد: تجسيد لحضارة مشتركة بين إيران والعراق
تعتبر بابل، مركز حضارة بلاد ما بين النهرين، وتخت جمشيد، رمز عظمة الإمبراطورية الأخمينية، مثالين بارزين على العمارة القديمة التي تربطها صلات عميقة. بوابة عشتار، التي يبلغ طولها أكثر من 50 مترًا والمزينة بالطوب المزجج الأزرق، هي تحفة فنية بابلية أثرت في العمارة في تخت جمشيد. في هذا الموقع، تم استخدام أكثر من 15 ألف قطعة من الطوب المزجج بتصاميم أسطورية مستوحاة من التكنولوجيا البابلية.
تتشابه النقوش البارزة في تخت جمشيد أيضًا مع أسلوب النحت البابلي. العديد من المنحوتات الحجرية، مثل تماثيل الجنود ومشاهد التكريم، تشبه إلى حد كبير الأعمال الفنية من بلاد ما بين النهرين. من ناحية أخرى، تظهر اللغة الأكدية، التي كانت اللغة الرسمية لبابل، في نقوش تخت جمشيد، مما يدل على التأثير الثقافي العميق لهذه الحضارة على إيران الأخمينية.
توضح هذه الروابط أن إيران والعراق لم يكونا مجرد جارتين، بل شكلا جزءًا من حضارة واسعة ومشتركة. إن انتقال المعرفة المعمارية والفن واللغة بين هاتين الحضارتين هو دليل على تفاعلهما الثقافي والتاريخي، والذي لا يزال واضحًا حتى اليوم في المواقع الأثرية في كلا البلدين.