Search
Close this search box.

عقدة الجسد بين القمع والسّلعنة والانتقائيّة الجندريّة: مقارنة بين المجتمعات المتخلّفة والغرب الرأسمالي

عقدة الجسد بين القمع والسّلعنة والانتقائيّة الجندريّة: مقارنة بين المجتمعات المتخلّفة والغرب الرأسمالي
▪︎مقولة ختاميّة: "الحرّية الحقيقيّة لا تأتي من مجرّد كشف الجسد أو تغطيته، بل من امتلاك الإنسان السّيادة الكاملة على جسده" — إدوارد سعيد...

 

 

  1. الجسد: ساحة صراع اجتماعيّ وسياسيّ عالميّ .

 

الجسد ليس مجرّد كيان بيولوجي، بل هو ساحة معركة أيديولوجيّة بين القمع والتحرّر، بين السّيطرة الأبويّة والرّأسمالية وبين الفردانيّة الثّورية. في المجتمعات العربيّة والمتخلّفة، يخضع الجسد لرقابة صارمة تحكمها المؤسّسة الدّينية والسّلطة السّياسية والمجتمع الأبوي. لكن في المقابل، نجد أنّ الغرب الرّأسمالي لم “يحرّر” الجسد بشكل كامل، بل أعاد إنتاجه ضمن منطق السّوق، حيث تمّ تحويله إلى سلعة استهلاكيّة خاضعة لقوانين العرض والطلب.

إذا كان الجسد مقموعا في المجتمعات التقليديّة من خلال الدّين والتّقاليد، فإنّه في المجتمعات الرّأسمالية يُستَغلّ اقتصاديا، حيث يتمّ تحويله إلى أداة للإعلان، والتّرويج للمنتجات، وإنتاج المتعة الاستهلاكيّة. وهكذا، فإنّ التناقض الأساسي ليس بين الشّرق والغرب، بل بين قمع الجسد كوسيلة للسّيطرة السّياسية، وتسليع الجسد كوسيلة للهيمنة الاقتصاديّة.

 

▪︎مقولة داعمة للطّرح: “السّلطة لا تمارس فقط القمع، بل تنتج أيضا أنماطا معينة من الأجساد والخطابات والمعايير الجماليّة” — ميشيل فوكو.

 

  1. طمس جماليّة الجسد وإبرازها فقط في سياقات الإثارة والتّسليع .

 

المفارقة الكبرى أن المجتمعات القامعة للجسد لا تنكر أهميّته بالكامل، لكنّها تعيد تشكيله وفقا لمنطقين متناقضين:

من جهة، يطمس الجسد، ويعامل وكأنّه عيب أو عورة يجب إخفاؤها، ممّا يؤدّي إلى تشويه العلاقة الطّبيعية معه، خاصّة عند النّساء. من جهة أخرى، يُبرز الجسد ولكنّ فقط في سياقات الإثارة والتّسليع، حيث لا يُنظر إليه ككيان جمالي وإنساني، بل كأداة للإغراء والاستغلال.

وهذه الازدواجية نجدها واضحة في الإعلام العربي والغربي على حدّ سواء.

 

▪︎مقولة داعمة: “الرّأسمالية لا تحرّر الجسد، بل تعيد تشكيله ليخدم احتياجات السّوق” — هربرت ماركوز. ▪︎مقولة مضادة: “تحرير الجسد من القيود الدّينية والتّقليدية هو انتصار للحرّية الفردية، حتى لو تمّ استغلاله تجاريّا” — كاميل باغليا.

 

  1. زرع الخوف من الجسد، خاصة عند المرأة .

 

في المجتمعات الذّكورية، يتمّ زرع خوف المرأة من جسدها منذ الصّغر، حيث يتم تصويره كمصدر للخطيئة والعار. التّربية الدّينية والاجتماعية تغرس في ذهن الفتاة أنّ جسدها خطر عليها وعلى المجتمع، ممّا يخلق لديها شعورا دائما بالخوف والقلق تجاه ذاتها.

أما في الغرب، فرغم أنّ المرأة تمتلك حرّية أكبر في التّعبير عن جسدها، إلّا أنّ هذا التحرّر مشروط بمنطق السّوق: عليها أن تتوافق مع معايير جمالية محدّدة، وأن تعرض جسدها بطريقة تضمن جاذبيته الاستهلاكية.

 

▪︎مقولة داعمة: “كلّ ثقافة تخلق أدوات قمعيّة خاصّة بها، والمجتمعات الذّكورية تزرع الخوف في النّساء كجزء من آلية السّيطرة” — سيمون دي بوفوار. ▪︎مقولة مضادة: “ليست الأنظمة الذكورية وحدها من تفرض القوالب الجمالية، بل النّساء أنفسهنّ يشاركن في تكريسها” — ناعومي وولف.

 

  1. مقارنة بين الغرب الرأسمالي والمجتمعات المتخلّفة في التّعامل مع الجسد.

إذا كانت المجتمعات المتخلّفة تحكم على الجسد من خلال وصايا دينيّة وقيم تقليديّة، فإنّ المجتمعات الرّأسمالية تتعامل مع الجسد من منطق استهلاكي. في الأولى، الجسد يُعامل كعبء أخلاقي يجب كبحه وتقنينه، في حين في الثّانية، يُستغلّ الجسد كوسيلة لزيادة الرّبح من خلال الإعلان والموضة وبيع المنتجات.

الاختلاف يكمن في أنّ الغرب الرّأسمالي يحاول أن يزرع صورة “الحرّية” في التّعامل مع الجسد، ولكنّه في النّهاية يعيد تسليعه ويحصره ضمن معايير موحّدة، ما يجعله في النّهاية ساحة استغلال لا تختلف كثيرا عن القمع. في حين أن المجتمعات المتخلّفة لا تسعى لتحرير الجسد، بل إلى كبحه ضمن معايير أخلاقيّة ودينيّة صارمة، ممّا يعكس هيمنة السّلطة على الأفراد.

 

▪︎مقولة داعمة: “الرّأسمالية ليست في صالح الجسد الحرّ، بل هي في صالح تسليعه واستخدامه في التّرفيه والاستهلاك” — ناومي كلاين.

▪︎مقولة مضادة: “الجسد ليس مجرّد سلعة، بل هو تعبير عن حريّتنا الإنسانية” — جون ستيوارت ميل.

 

  1. المثقّف الثّوري والجسد: بين النّقد الغربي والواقع العربي .

 

المشكلة ليست فقط في القمع الدّيني أو السّياسي، بل أيضا في الاستغلال الرّأسمالي للجسد. في الغرب، نقد ميشيل فوكو كيف تحوّلت السّيطرة على الجسد من القمع الدّيني إلى الانضباط الاجتماعي الذي تمارسه الدّولة والاقتصاد الحديث. أمّا في العالم العربي، فلا تزال السّلطة الدّينية والأبويّة تتحكّم في الجسد بشكل مباشر، ممّا يجعل النّضال من أجل تحرّر الجسد أكثر تعقيدا.

 

▪︎مقولة داعمة: “تحرّر الجسد جزء لا يتجزّأ من تحرير الإنسان” — أنطونيو غرامشي.

▪︎مقولة مضادّة: “الحديث عن تحرير الجسد يجب ألّا يستخدم كذريعة لتفكيك القيم الاجتماعيّة والثقافيّة” — روجيه سكروتون.

 

  1. الجسد في الأدب والفنون بين الشّرق والغرب

 

إذا كان الجسد محورا للصّراع الاجتماعي والسّياسي، فمن الطّبيعي أن ينعكس ذلك في الأدب والفنون.

أ. الجسد في الأدب والفنون عند العرب والشّعوب المتخلفة :

في الأدب العربي، ظلّ الجسد محاصرا بين التّقديس والتّدنيس. ففي الشّعر الكلاسيكي، تجلّى الجسد الأنثوي في صورة مثالية أقرب إلى الخيال، لكنّه كان يخضع لنظرة ذكوريّة تحيله إلى كائن خاضع للرّغبة. أمّا في الرّواية، فقد ظلّ ظهور الجسد مقتصرا على سياقات رمزية حتى جاءت موجات الحداثة، فبدأ يُطرح كموضوع قائم بذاته، كما نجد في أعمال حيدر حيدر أو سهيل إدريس.

في الفنون البصريّة والمسرح، ظلّ الجسد مقيدا، بحيث يتم إخفاؤه بحجّة الأخلاق، لكنّه في الوقت ذاته يُستغل في الإعلانات والموسيقى التّجارية، ممّا يعكس الازدواجيّة السّائدة.

ب. الجسد في الأدب والفنون الغربيّة :

أمّا في الغرب، فقد عالج الأدب والفنّ الجسد من زوايا متعددّة. فالرّواية الأوروبيّة، منذ جويس وكافكا، تعمّقت في استكشاف الجسد كفضاء نفسي واجتماعي. أمّا في الفنون التشكيليّة، فقد تخلّص الفنّانون من القيود الأخلاقيّة منذ عصر النّهضة، حيث أصبح الجسد موضوعا يعكس الجمال، وليس مجرّد رمز أخلاقي.

وفي السّينما، منذ ثورة 1968 في فرنسا، تمّ التّعامل مع الجسد بوصفه جزء من حرّية التّعبير، لكن الرّأسمالية أعادت تشكيله ضمن صناعة التّرفيه، ممّا جعله خاضعا لمنطق الاستهلاك.

 

▪︎مقولة داعمة: “تحرير الجسد لا يعني استغلاله، بل استعادته ككيان إنساني مستقلّ” — جون بول سارتر.

▪︎مقولة مضادة: “الرّأسمالية لم تحرّر الجسد، بل جعلته أكثر قابلية للسّيطرة من خلال معايير الجمال والإعلانات” — ناعومي وولف.

 

  1. خاتمة: بين الثّورة الثّقافية والتحرّر الجسدي الحقيقي.

 

تحرير الجسد ليس قضيّة فرديّة، بل هو جزء من معركة أكبر ضدّ الأنظمة القمعيّة والرّأسمالية الاستهلاكيّة. وإذا كانت ثورة 68 في فرنسا قد فتحت النّقاش حول الجسد، فإنّ المطلوب اليوم هو تجاوز هذا النّقاش نحو مشروع تحرّري أوسع، يحرّر الجسد من كل أشكال الاستغلال ، سواء القمع الدّيني أو التّشييء الرّأسمالي.

في النّهاية، تحرّر الجسد لا يمكن أن يتحقّق إلّا بتحرر الإنسان والمجتمع من كلّ أشكال القهر، سواء كان قهرا دينيا، سياسيا، أو اقتصاديا.

 

▪︎مقولة ختاميّة: “الحرّية الحقيقيّة لا تأتي من مجرّد كشف الجسد أو تغطيته، بل من امتلاك الإنسان السّيادة الكاملة على جسده” — إدوارد سعيد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *