الإسلام الحركي بين العراق وايران

الإسلام الحركي بين العراق وايران
ظهرت مقاربات فكرية متشابهه في مفهوم الإسلام الحركي بين رجال الدين في قم والنجف من خلال ولادة هذا المفهوم والظروف التاريخية في نشأته...

يعد مفهوم الإسلام الحركي من المصطلحات السياسية التي لم تأخذ النصيب الكافي من الدراسات والأبحاث العلمية؛ لأنه مصطلح مُختلف عليه ، فضلا عن أن ظهوره كمصطلح سياسي والاهتمام به قد تبلور بعد احتلال العراق عام 2003 ، أما من الناحية التاريخية فكان هذا المصطلح هو بمثابة القاعدة الفكرية التي حركت القوى الإسلامية في إيران والعراق ،وعلى الرغم من ذلك لم يلق هذا المصطلح القبول في أفكار بعض الباحثين ؛ بسبب الأوهام الموجودة في عقولهم التي تحولت إلى أصنام جامدة غير مستعدة لتقبل ما لا ينسجم مع أفكارهم،وهناك سبب أخر يدعوا للكتابة بهذا الموضوع  يتمثل في دور مدرستي قم والنجف الفكرية في ترصين الإسلام الحركي العالمي في نشاط سياسي ، هذا الترصين كان له الفضل في المتغيرات التاريخية الجديدة سواء كان في إيران أو العراق.

حصر رجال الدين الحركيين في مدينة قم   نشاط الإسلام الحركي بالمعمَمين دون فئات المجتمع الأخرى وتعليلهم بأن رجل الدين متفهم بشرائع الدين الإسلامي في مسائله ،وقادر على حراسة الدين وحمايته ،إما نظرائهم من النجف  فلم يمانعوا  إن يكون الإسلامي الحركي من رجال الدين ومن النخب العلمية والمثقفة الواعية بالدين الإسلامي وتعليلهم  إن رجل الدين والمثقف المؤمن قادرين على حمل الدين الإسلامي وهمومه بأطروحة إسلامية  سياسية واعية واحدة  ومن هؤلاء النخبة الإسلامية المثقفة هم  (عبد الصاحب دخيل و حسن شبر وصادق القاموسي ومحمد مهدي الحكيم)   .الإسلام الحركي في العراق كان موحد باتجاه مقاومة المد الشيوعي والعلماني بشكل عام بعد عام 1958 ،إما في إيران فالأمر مختلف فالسياسة الباحثة عن التغيير دخلت في عقلية رجل الدين منذ إحداث تأميم النفط 1952 والتي أخذت بالنضج كلما ازدادت قسوة الشاه وتغلغل المؤثرات الغربية وتنامي العلاقات الأمريكية الإيرانية واتساع الفوارق الطبقية في المجتمع  .والإسلام الحركي في العراق لم يوظف التراث الشيعي الثوري فكان حراكهم نخبوي ،بينما نظرائهم الإيرانيون  وظفوا التراث الشيعي وتغلغلوا به الى المجتمع الإيراني ووظفوا العاطفة الانفعالية الثورية من ذلك التراث فاتخذوا من (الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ) رمز في حراكهم والذي دار في فلكها معظم الشعب الإيراني .

تبلور مفهوم الإسلام الحركي عند الإسلاميين الحركيين الإيرانيين منذ عام 1963 بسبب التطورات السياسية التي وقعت في إيران حتى النضج والإثمار عام 1979بوقوع ثورة اسلامية بقيادة الحركيين.ولم تخرج حركتيهم من يد رجال الدين المجتهدون القادرون على استنباط الإحكام الشرعية المتمتعون بالمعرفة السياسية بل افرز ذلك التبلور والتفاعل اشتراط في إكمال اجتهاد رجل الدين بضرورة معرفة السياسة وشؤونها وملماً بالثقافات الوضعية المهيمنة على العالم وان يكون ذو بصيرة وفراسة وعارفاً بالنظم الاقتصادية العالمية ،وهذا الأمر منسحب على المرجع في اكتمال مرجعيته.

كان المفهوم الحركي عند رجال الدين في ايران غير إقصائي ،فيسمح للجميع التعبير عن أرائه الوطنية وعلى اختلاف المشارب السياسية وهذا ذكاء سياسي اذ تم جذب النخب المثقفة  والشعب الإيراني ،فلم يضرب الإسلاميون الحركيون في ايران أصحاب محبي القومية الفارسية والشيوعيين بسبب امتلاكها قواعد عريضة في المجتمع الإيراني ،فاستطاع من إخراج أصواتهم تحت مظلة لواء الإسلام الحركي دون شعورهم ،فعند مخاطبة الشاه محمد رضا بهلوي  ويتهمه بالتبعية للولايات المتحدة الأمريكية وتحالفه مع إسرائيل ومهاجمة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في إيران وانتقداها، فبذلك ربط هذا المفهوم بين الإسلام والدفاع عنه وبين الوطنيين الايرانيين من الاحزاب السياسية العلمانية الساعون الى التحرر من الهيمنة الغربية ، وبذلك استطاع الإسلاميون الحركيون من جذب عقول اليساريين والقوميين اللاشعورية إلى حراكهم .

وفي إحدى الخطب الدينية بتشبيه الشاه بيزيد بن معاوية – قاتل الإمام الحسين (عليه السلام) – وتحشيد الجهود الحركية لعلماء الدين وطلبة العلوم الحوزوية  للمعارضة ، بل ظهر تنظير سياسي في عام 1965 وهو العقد السياسي بين الحاكم والرعية على غرار ما طرحه احد  مفكري الثورة الفرنسية 1789وهو(جان جاك روسو) ونظريته (العقد الاجتماعي) وهو عقد بين الشعب والشاه مكون من ثمانية بنود ،كلها مطالب شعبية، فالبند الخامس هو عن حصص الأرباح وكيف توزع ومعيار التساوي .  ظهر في عام  1970 مفهوم ((ولاية الفقيه )) مفادها إن الدين الإسلامي دين ودولة وان الشريعة الإسلامية يجب ان تكون متحركة غير معطلة وان لا يعيش المسلمون في فوضى تحت سلطة حكومية غربية ملحدة، بل وضُع رأي سياسي وهو بإمكان الفقيه السعي الى قيام وظائف مماثلة لوظائف (الإمام المهدي (عليه السلام) ) عبر إلمامه بالقانون الإسلامي وعدله وقدرته على سبر أغوار القرآن الكريم وسنن نبيه محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) وميراث أهل بيته الأطهار،وهو بذلك تجاوز مرحلة الإصلاحية،والنحو باتجاه الانقلابية .فالانقلابية من سمات الإسلام الحركي.

وبذلك استطاع الإسلام الحركي في ايران من جمع اتباعه وحتى خصومه المتقاطعين معه فكريا كالعلمانيين وانضج نظريته فكون قاعده استطاع ان ينفذ مرحلة الانقلابية وكان ذلك منذ كانون الثاني 1978 خرجت عشرات الجماهير الغاضبة تندد وترفض سلطة الشاه،وكان التأثير المباشر قادم من طبقة البازار- التجار- في إضرابهم وغلق متاجرهم وبالتالي وقع اضطراب في العرش الإيراني  وسقط عام 1979.كان الإسلام الحركي في العراق موجه ضد الفكر العلماني المنتشر بين صفوف المجتمع وتبنى ثلاث محاور هي البناء الفكري ثم الحركي ثم المرجعي.

ابتدأ رجال الدين في النجف ببعث الفكر الفقهي الشيعي السياسي وترسيخه وترصينه ،ملهماً من فكر (الشيخ محمد الحسين النائيني ) في الإسلام السياسي وشكل الحكومة الإسلامية واخذ بالتنظير الفقهي في مؤلفات أبرزها (فلسفتنا )والأخر(اقتصادنا) بل كان يريد حكومة إسلامية جامعة تحكم بما انزل الله عز وجل وتعكس كل جوانب الإسلام المشرقة،وتبرهن على قدرة الإسلام على بناء الحياة الإنسانية النموذجية،وتثبت إن الإسلام هو النظام القادر على ذلك واقترب العراقيون في حركيتهم من فكر المتمثل في (جماعة الإخوان المسلمين) ووصل إلى مرحلة الإلهام من أفكار هذا التنظيم  . ودفع هذا الأمر الحاجة إلى تثقيف الناس بالأمور السياسية بوساطة الاحتفالات العامة والمهرجانات ولأجل ذلك افتتحت مؤسسات ثقافية ساندة للنشاط الحركي مثل المكتبات والمدارس الدينية وأصبح هذا النشاط وليد المرجعية الدينية وبإشراف علمائها الذين استطاعوا إيجاد توعية بالإسلام السياسي ، من خلال  المساجد والحسينيات والاحتفالات والحوزات العلمية ومدارسها ،وعلى الرغم من تلك جهود الإسلاميين السياسيين في مدينة النجف في إظهار “الفقه السياسي” وهو روح النشاط الإسلامي السياسي  .  كان الهدف من هذا النشاط إيجاد من يتصدى لتداعيات واحباطات المسلمين وتدني  واقعهم الاجتماعي ، ومواجهة الإخطار التي تسعى إن يكونوا محدودي الوعي السياسي ، ومحاولة إحياء العمل الإسلامي السياسي ،وتفعيل التنسيق ألعلمائي للرد على مقولة فصل الدين عن السياسة التي طرحها ونشرها العلمانيون ، الذين تمكنوا من جعل الحركة الإسلامية شبه معزولة في مجتمعها فأخليت المساجد من الشباب ، وانتشر المد العلماني ولاسيما الشيوعية، حتى سميت تلك المدة “بالحمراء”  وبذلك استطاع رجال الدين الحركيين في النجف من إخراج الإسلام السياسي ، ووضع رؤية سياسية شاملة للأوضاع الاجتماعية وملابساتها ، والاهتمام بقضايا العالم الإسلامي بشكل عام وبخاصة بعد ظهور (جماعة العلماء)  وهو تنظيم علمائي انبثق عن جهود نخبة من (علماء الدين السياسيين ) في مدينة النجف عام 1959 منهم الشيخان (محمد رضا المظفر ومرتضى آل ياسين) فضلا عن الحركيين (السيد محمد صادق الصدر والسيد محمد باقر الشخص والشيخ محمد طاهر آل شيخ راضي والشيخ طالب الرفاعي والشيخ عباس الرميثي والسيد إسماعيل الصدر والشيخ محمد جواد شيخ راضي والسيد محمد تقي بحر العلوم والسيد موسى بحر العلوم والشيخ حسين الهمداني والسيد مرتضى الخلخالي والشيخ حسن الجواهري والشيخ خضير الدجيلي والسيد محمد باقر الصدر) وقد أيدها المرجع الديني ( السيد محسن الحكيم) ومن كربلاء المرجع الديني (السيد مهدي الشيرازي)  وهدف هذا التنظيم التوعية الدينية السياسية ، وعكس تصورات المرجعية الدينية في المسائل الدينية وموقفها من القضايا السياسية ،والتصدي لتيار الشيوعية  .وكان دور (السيد محمد باقر الصدر) في (جماعة العلماء) كتابة النشرات اليومية بعد اقتراح موضوعاتها من قبل اللجنة المشرفة التي تضم الشيوخ (مرتضى إل ياسين و حسين الهمداني و خضير الدجيلي ) أما بقية الأسماء الأنفة، فكانوا بمثابة اللجنة التنفيذية، وكانت تلك النشرات تطبع باسم (رسالتنا) بل كان (لجماعة العلماء) مجلة تدعى (الأضواء).وامتد تنظيم (جماعة العلماء) إلى مدن (الكاظمية وكربلاء المقدستين)  ففي مدينة الكاظمية يرجع انتشاره إلى (السيد طالب الحيدري) و(السيد محمد الحيدري) و( الشيخ علي الصغير) ، منطلقين من جامع الخلاني ، أما في مدينة كربلاء المقدسة اتخذت لوناً آخر هو الاهتمام بالقضايا الاجتماعية ، فاتخذت خط تنظيم الخدمات الاجتماعية من الشؤون الدينية والتعليمية ، على عكس (جماعة العلماء) في مدينة النجف التي نظرت إلى الأمور الاجتماعية والسياسية على حد سواء  . وبذلك فان الإسلام الحركي في العراق غير موحد بل انطلق وفق نشاط رجاله سواء كان اجتماعيا او سياسيا او كلاهما .

ظهرت مقاربات فكرية متشابهه في مفهوم الإسلام الحركي بين رجال الدين في قم والنجف من خلال ولادة هذا المفهوم والظروف التاريخية في نشأته، إلا إن أسلوب العمل والتنظير اختلف من خلال المقارنة التي ظهرت من خلال البحث في الجدول التالي:

ت الإسلام الحركي عند رجال الدين في ايران الإسلام الحركي عند رجال الدين في العراق
1 ظهر نشاط الإسلام الحركي منذ عام 1961بأنتهاج الإصلاحية ظهر نشاط الإسلام الحركي منذ عام 1957بأنتهاج الانقلابية
2 استثمروا طبقة التجار وبشكل جيد في نشاطهم الحركي لم يستثمروا طبقة التجار وبذلك خسرت حركتيهم الدعم المادي
3 احتوت حركتيهم العلمانيين وعلى اختلاف مشاربهم وبذلك كسبوا قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني حركتيهم رافضه للعلمانيين وحاربوهم وبذلك خسروا قطاعات واسعة من المجتمع العراقي
4 كان النشاط الحركي شامل من مختلف صنوف المجتمع الإيراني (جماهيري) اعتمدوا النشاط الحركي على النخب الدينية الواعية (نخبوي)
5 لم يضعوا نشاطهم الحركي في أيدلوجية حزبية أو حركة أو جمعية وضعوا نشاطهم الحركي في حزب الدعوة
6 اعتمدوا على الفكر الإسلامي الحوزوي والموروث الشيعي بنظرية ولاية الفقيه وجهاد الإمام الحسين (عليه السلام) اعتمدوا على الفكر الحركي العربي الإسلامي بالإلهام من (جماعة الإخوان المسلمين)
7 استندت أفكارهم على ولاية الفقيه استندت أفكارهم على أحياء الخلافة الإسلامية
8 اعتمدوا على النهوض الجماهيري والثوري باتجاه مقاومة السلطة  اعتمدوا على الصراع الفكري باتجاه مقاومة العلمانيين والسلطة على حد سواء
9 استخدموا وسائل متعددة من الخطابة والنشر والتأليف استخدموا التوعية الفكرية بوساطة النشرات والتأليف والصحافة

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *