نقد فكر ما بعد الحداثة

نقد فكر ما بعد الحداثة
  إنّ من أهم النقاط التي قامت عليها أفكار ما بعد الحداثة، تتمثّل بنقد ميراث الحداثة ومنجزها النهضوي العقلاني، ووعودها التبشيرية بالخلاص عبر سردياتها الكبرى...

في مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة :

تأسس مصطلح (ما بعد الحداثة) على أيدي النقاد والمفكرين في فترة ستينيات القرن العشرين. وكان هذا (المصطلح) رائجا بعد الحرب العالمية الثانية الذي استخدمه أرنولد توينبي (مصطلح ما بعد التحديث)، ويقصد به، الحقبة الأخيرة من التاريخ الغربي التي تتّسم باللاعقلانية والقلق وفقدان الأمل. وكان ذلك في كتابه دراسة التاريخ الذي صدر بين عامي 1939 و 1945([1]). والحداثة في أصل التفكير الفلسفي قائمة على نقد مركزية العقل، مع نقد الكليات والسرديات الكبرى، التي نادى بها التفكير الحداثي في أساس اشتغاله، ومنظومة توجهاته. فهي _ فلسفة ما بعد الحداثة _ مؤسسّة وإن كانت حصيلة أفكار فرديّة عملت على تغذيّة الجانب العملي والتنظيري من منظومتها، إلاّ أن هذه الفروع، تنحدرُ إلى نهرٍ منفرد، يُكوّن لنا مفهوم ما بعد الحداثة.

وينطلق جان فرانسوا ليوتار من مبدئين مهمين يثبّت لنا عبرهما بعضا من أساسيات ما بعد الحداثة من وجهة نظره ، بوصفه أحد المنظّرين الأساسيين لهذا التوجّه.

المبدأ الأول : يقوم نقد ما بعد الحداثة على نقد الكليات التي نادى بها العقل؛ ليذهب إلى أن الهدف ليست له أُسس أخلاقية أو فلسفية أو شرعية. فهي منظومة تتّجه نحو تفتيت مقولات العقل المركزية والأخلاقيات القارّة للمجتمع الإنساني.

والثاني: إن (دعاوى الحقيقة) المعرفية مشتقة من مجموعة (ألعاب لغوية) تعتمد على السياق وليس على القواعد الثابتة([2]). إنّ ليوتار يؤمن بالامتداد الطبيعي لما بعد الحداثة من كونها متأتية من الحداثة، فهي تسعى للإفصاح عن عالم فوضوي عديم الهدف، وهي أيضا _ ما بعد الحداثة _ تفرض علينا إنهاء الحداثة عن طريق فرض جماعي لنظام الفوضى، وتشكيل فلسفة حياتية كما حدث في الثورة الماركسية([3]).

إنّ هذين المبدئين لا يمكن أن يمثّلا أطر ما بعد الحداثة بمفهومها التراكمي، فهي _ فلسفة ما بعد الحداثة _ تنطوي على توجّهات ورؤى تتعدّد وتختلف في النظر إلى النصوص ومعالجتها. كما يمكن القول بأنّ طروحات ما بعد الحداثة لا يمكن أن تنفك (بشكلٍ نهائي) عن نتاجات الحداثة ومقولاتها الأساسيّة، التي عملت على تثبيت أهم أفكار الثقافة الإنسانية ونتاجاتها المختلفة، أي ((إن الشراكة القوية بين هذه النصوص تؤهلنا أن نرى (ما بعد الحداثة) حركة تعرّف نفسها بالإشارة إلى الحداثة، وردة فعل عليها))([4]). ويمكن القول أن سطوة الحداثة متأتية من العمق الثقافي، أوّلا: لأنها موضة ثقافية حديثة، ومادة مغرية، (( بأفكار براقة ومصطلح نقدي أكثر بريقا وجذبا لسنوات طويلة. وقد أعمانا هذا البريق عن حقائق كثيرة أبرزها المراوغة المقصودة والغموض المتعمد، مما جعل الحداثة في نهاية الأمر ناديا لنخبة النخبة))([5]). فالحداثة أذن للنخبة الفاعلة في الثقافة، والعقول المؤسسة لمقولاتها النقديّة ورؤاها الفلسفيّة. وثانيا: من العمق التاريخي، وهذا يعني أنّ ((الحداثة الغربية جاءت نتاج ثقافة غربية، والمصطلح النقدي الحداثي إفراز للفلسفة الغربية خلال ثلاثمائة عام من تطورها))([6]).

 

وهذا الفهم لا يعني بأن الحداثة خلّصت الثقافات من براثن، الخرافة، والسحر، والتخلف، فحسب؛ بل هي _ الحداثة _ طور من أطوار التقدّم الإنساني في سياقات ثقافيّة معيّنة، مثلما هي نتيجة طبيعيّة، قد مثّلت العقل في مرحلة من تاريخ البشريّة، بعدما مثّلته مقولات الدين، والأساطير، والخرافات، في مراحل سابقة. أي ((لقد عشنا قرونا طويلة من التخلف الحضاري يجعل الحداثة ضرورة من ضرورات البقاء وليست ترفا فكريا))([7]). ولذا، يمكن التأشير على مفهوم النزوع الطبيعي للتطوّر الفكري الذي يحدث مع للطروحات الفلسفيّة في بناء المجتمع الإنساني الثقافي. أي تحت مبدأ الضرورات المثاليّة التي تحاول أن تجيب عن أسئلة الوجود عبر منهجيات مختلفة؛ تتمظهر عبر تعدّد القراءات أو تفكيك المعنى ولا نهائية القراءة، والسعي إلى موت الكاتب ومحاولة نقل السلطة إلى المتلقي. ومع مقولاتها وقعت في شراك التناقض في أغلب طروحاتها في الأحكام المطلقة، من وجهة نظر النقاد، وهي _ ما بعد الحداثة _ لا تخلو من النقد، بأنها لم تقدم شيئا غير محاولة التجاوز والعبور إلى العدم والضياع. وهذا يفضي إلى أن المناهج غير قابلة للكمال؛ لأن التطوّر المنهجي طريقة للإفادة من الجديد في الثقافة الإنسانيّة، فالإفادة هنا في التعامل الجديد مع منتجات الثقافة.

نقد فكر ما بعد الحداثة: 

إنّ من أهم النقاط التي قامت عليها أفكار ما بعد الحداثة، تتمثّل بنقد ميراث الحداثة ومنجزها النهضوي العقلاني، ووعودها التبشيرية بالخلاص عبر سردياتها الكبرى التي ينطوي عليها مضمون الفكر الغربي، بعد أن رسّخت التاريخ وقرّبت من مفهوم حتميّة الأحداث ووضوحها. لكن _ ومن وجهة نظر أخرى _ نجد أن مجتمع ما بعد الحداثي في حيرى، تسكنه مخاوف الإخفاق والتردد([8])، ولذا، فالتاريخ لم يبقَ على واقعيته وموضوعيته، بل تجاوزها ليشكّل المفهوم الكوني الذي يحمل جلّ تصوراتنا عن مفهوم العالم. وبتعبير سوزان ماير: ((إن الانتقال من الحداثة وما بعد الحداثة يمس تلك المعتقدات والافتراضات غير الواعية أو غير المشكوك بها والتي تكون تصوراتنا عن العالم. لقد نشأنا في عالم شكلته معتقدات وقيم الحداثة. ما ندعوه بالعالم الحديث ظهر إلى الوجود تقريبا في القرن الثامن عشر، كان حركة علمية وفلسفية لاهوتية واجتماعية ( حركة التنوير ) جسدتها فيزياء النيوتنية والمنطق الديكارتي. وبموجب نموذج الحداثة هذا، اصبح ينظر إلى العالم كآلة هائلة، ماكنة كونية تحكمها العلية الصارمة))([9]).

 

إنّ الامتداد الثقافي لما بعد الحداثة لا يشكّل العمق الحداثي من حيث تغطيتها لمساحات فكرية واسعة من الثقافة الإنسانية. فالقضايا التي تطرحها فلسفة ما بعد الحداثة لا تبتعد عن مقولات الحداثة مع شيءٍ من التجديد بدعوى التمرد والاختلاف، وربما تدعو _ فلسفة ما بعد الحداثة _ إلى مسخ بعض الطقوس الدينية قديما لتبدو ما بعد حداثية. ولذا، (( يسعى الدين ما بعد الحداثي لإحياء التقاليد والأساطير الدينية الامومية القديمة ودمجها بالحساسيات النسائية الحديثة))([10]). فهي في محاولات مستمرّة من أجل إيجاد التفرّد والاختلاف من خلال سعيها إلى تفكيك مقولات الحداثة بالانحياز والاتهام، (( فالحداثة، وفقا للنقد ما بعد الحداثي، بعيد عن ان تكون موضوعية وعقلانية وعلمانية، بل هي محاطة بفرضيات غير مثبتة، وبأهواء عرقية وطبقية وفئوية))([11]). وهذا شأن المناهج الجديدة، فكل منهج يحاول أن يستبقي ما يفيد ويتلائم مع طروحاته ورؤاه الفلسفية، وفي المقابل يعمل على طمس هويّة المناهج السابقة من حيث المقارنة والانحياز، وتفكيك مقولاتها مرةً, أو من حيث الإغراء المتمثّل بدعواها التجديدية التي تخلّص الإنسان من الحقيقة و العقلانية ومنتجات عصر التنوير بكل آلياتها التفكيكية مرةً ثانية. ولذلك، فهي تستهدف النصوص ليس لأجل الحقائق العقلانية؛ بل((هي تفضل تحليل نسيج النصوص على الإمساك بتلابيب واقع فصامي. إن هذا التصور هو ما يفسر تمردها على أسطورة الذات والممارسة، كما يفسر رفضها العنيد لأن يتم تمثل الحقيقة بكيفية متعالية أو لا تاريخية ))([12]). وبحسب هذه المعطيات، فمن الطبيعي أن نجد تفكير ما بعد الحداثة قائم على: ما هو زائل، وتشذر، ومنفصل، وفوضوي, وغامض([13])، وهذه هي الكلمات المفتاحيّة لبنيّة رؤاها، مثلما تشكّل _ هذه الكلمات _ مركزيّة تفكيرها في خطابها النقدي والفلسفي.

قائمة المصادر:

الحداثة وما بعد الحداثة، بيتر بروكر، ت: د. عبد الوهاب علوب، ط1، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي- الأمارات، 1995.

المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيكية، د. عبد العزيز حمودة، د.ط، عالم المعرفة، الكويت، 1998.

ما بعد الحداثة دراسة في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب، ت: د. حارث محمد حسن  و د. باسم علي خريسان، ط1، ابن النديم، ودار الروافد الثقافية، بيروت-لبنان، 2018.

مقاربات في الحداثة وما بعد _ الحداثة حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر، محمد الشيخ و ياسر الطائي، ط1، دار الطليعة، بيروت-لبنان، 1996.

الدوريات:

الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي، محمد جديد، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية، جامعة منتوري، 2006 .

المجلات:

النسوية وما بعد الحداثة، سابينا لافيبوند، ت: د. ممدوح يوسف عمران، مجلة ثقافات، البحرين، ع22، 2009 .

[1]() ينظر: الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي، محمد جديد، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية، جامعة منتوري، 2006،  ص139 .

[2]() الحداثة وما بعد الحداثة، بيتر بروكر، ت: د. عبد الوهاب علوب، ط1، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي- الأمارات، 1995،  ص220

[3]() ينظر: النسوية وما بعد الحداثة، سابينا لافيبوند، ت: د. ممدوح يوسف عمران، مجلة ثقافات، البحرين، ع22، 2009،  ص237 .

[4]() م.ن ، ص232 .

[5]() المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيكية، د. عبد العزيز حمودة، د.ط، عالم المعرفة، الكويت، 1998، ص8 .

[6]()المرايا المحدبة م.ن ، ص10 .

[7]() م.ن ، ص11 .

[8]() ما بعد الحداثة دراسة في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب، ت: د. حارث محمد حسن  و د. باسم علي خريسان، ط1، ابن النديم، ودار الروافد الثقافية، بيروت-لبنان، 2018،  ص114 .

[9]() م.ن، ص116 .

[10]() م.ن ، ص121 .

[11]() م.ن ، ص118 .

[12]() مقاربات في الحداثة وما بعد _ الحداثة حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر، محمد الشيخ و ياسر الطائي، ط1، دار الطليعة، بيروت-لبنان، 1996، ص18 .

[13]() ينظر: م.ن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *