عملت قطر في السنوات السابقة على تنظيم وإقامة مونديال كأس العالم لكرة القدم. وعلى هذا قد استجدت عدة أشياء تلفت النظر في الإعلام العالمي بشكل عام، والإعلام الغربي على وجه الخصوص. مما دفع بعض المهتمين بالشأن الثقافي إلى ملاحظ ة هذه الأحداث، التي شغلت الصحافة ووسائل الإعلام الكبرى ومؤسسات صناعة الوعي، في التدخل بشكل مباشر عبر الصحف ووسائل التواصل، وغير مباشر عبر إثارة الرأي العام ومقاطعة حضور الدوحة[1] ، ودعم مونديال ۲۰۲۲ في قطر.
إن هذه الإجراءات جاءت بشكل مباشر مقصود ممنهج، بعد الإعلان والمصادقة على أن المونديال سيكون في قطر. وهذه الدولة بما تحمله من توجهات إسلامية وثقافة عربية، تشترك بها مع جميع الدول الشقيقة لها؛ لذلك كان الاستهداف عربيا خالصا بحسب دراسة الباحث والأستاذ المحاضر : )مارك أوين جونز). الذي أثبت بأن هذه الإجراءات منظمة وممنهجة بأرقام تستدعي النظر والتأمل. فما الذي أحدثه خيار الفيفاء عندما صرّح باختيار قطر لإقامة المونديال؟ وما سبب ودواعي هذا التصادم العميق بين الشرق والغرب، كما يتضح ويتمثل في الرسائل والخطابات المتعددة التي يكرسها الغرب، والصور الزائفة التي ترسمها بعض الدول لشعوبها؟ في هذا الشأن يمكن أن نرى؛ بأن الذي وصل إلى تلك الشعوب الغربية ما هي إلا صورة مكرسة عن واقع العرب ووجودهم من خلال عقود طويلة من الزمن ومعمقة في أذهان الغربيين[2]، التي يصعب قلعها أو تغييرها في (۲۸) يوما، وهي مدة المونديال؛ ولكن مع ذلك يمكن أن تترك الأثر الواضح في وعي المقبلين على قطر من مختلف الهويات الغربية، الذين جاؤوا محملين بوعي تخويفي زائف، وصورة همجية غير بريئة عن واقع العرب.
وقد تشكلت هذه الصورة قسرا في أذهانهم، وهذا التشويه المتعمد الذي جاء عبر صناعة المؤسسات الكبيرة، وسنوات العمل المختصة بطمس الهوية العربية، وترسيخ ثقافة الهيمنة والتعالي، وجعلها من البديهيات عند الإنسان الغربي تجاه العربي أو الآخر. وهذا ما حدث مع الوزيرة الألمانية التي أدخلت علامة / علم مجتمع الميم، تحت ملابسها، متجاوزة بذلك كل الأطر القانونية والتعليمات ووسائل احترام الآخر وثقافته، وهي المعنية باحترام النظام، وخرق القانون؛ لتنشرها فيما بعد عبر وسائل التواصل التي تخص مجتمعها. فهي – بهذا العمل – تكرّس سياسة الهيمنة والتسلط الذي لا يقع على مستواها الفردي فحسب؛ بل تعدى ذلك إلى الأفراد والمجتمع الذي يساند تصرفها، وهذا لا يليق بأي شكل من الأشكال المسؤولة، الذي يمثل ألمانيا وصيحاتها ومعرفتها بحقوق الإنسان، واحترام ثقافة الآخرين.

وبالمقابل من هذه الصورة، يقع الترحيب القطري، وكلمة أمير قطر. الذي يقول : (( أهلا وسهلا بالعالم في دوحة الجميع)). فهي رسالة إثبات وترميم لذهنية التسلط والهيمنة. ومع هذا فقد أثبتت قطر أنه يمكن للعالم أن يجتمع بمختلف هوياته في رقعة جغرافية، ويمكن لها أن تصدر إلى العالم، المفهوم المتمثل بالتسامح وقبول الآخر، وتسويقه عبر المونديال الرياضي.
ومن الملاحظ أيضا، أنه لم يحدث من قبل في كأس العالم أن هوجمت الدولة المنظمة لهذه الفعالية، على اختلاف ماضيها. إذ نستشف من هذا (النفاق السياسي الغربي)، أن صناعة الوعي يمكن أن تتعارض وتتطور خارج المنظومات الفكرية المرسومة لها، وخارج الأطر السياسية المتوقعة، التي تجيء عبر استراتيجيات منظمة ومؤسسات عميقة ضاربة في الزمن من حيث الخبرة والتجربة. فهذه الهويات التي جاءت وتداخلت المجتمع العربي، يمكن أن تكون أذهانهم خارج التأثير والضخ الأيديولوجي المنظم، فيرسمون عبر صدامهم مع الواقع صورة مغايرة عما ألفوه من طمس فيرسمون عبر صدامهم مع الواقع صورة مغايرة عما ألفوه من طمس وتضييع وتسطيح لثقافة العرب.
وعلى ضوء ما تقدم من معطيات، نستنتج بأن القوة الناعمة لا تفلح دوما بصناعة الوعي، ومع ذلك يمكن أن تتشكل، وتتوجه بوسائل أحذق مما تبدو عليه. كما يمكن مواجهتها بوسائل غير متوقعة، بسيطة وواضحة ومنطقية تعيد ترميم الوعي وتعمل على تنظيم الواقع الحقيقي، كما حدث في المونديال القطري ۲۰۲۲م .
[1] . أن عمدة باريس )آن هيدالغو) قد أصدرت قرارا بمنع وضع شاشات العرض العملاقة في شوارع العاصمة أو تخصيص مناطق للمشجعين، اعتراضا على تنظيم قطر لكأس العالم.
[2] ينظر : الاستشراق المعرفة السلطة الانشاء، إدوارد سعيد، ت :كمال أبو ديب، ط8، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت – لبنان۲۰۱۰، ص ۲۱۳ .
