كل أعمالنا الثقافية يجب أن تتجه نحو خدمة (الإنسان) في هذه المجموعة الحضارية … هذه حقيقة يفرضها العقل وتفرضها الأديان السماوية .. كما أنها ضرورة قصوى في واقعنا الذي يراد فيه لهذا الإنسان أن يرضخ لمعادلات الهيمنة العالمية ، وأن يفرغ من محتواه، وأن ينتزع من إرادته.
ومراعاة الأولويات أيضاً ضرورية في مشاريعنا الثقافية، فالأعمال الجيدة كثيرة، لكننا في دائرة إمكاناتنا المحدودة – لابد أن يكون لنا سلما في الأولويات عند اختيار الموضوع.
ومن المشاريع الهامة المطروحة بقوة أمام واقعنا الثقافي وضع منهج (إنساني) لدراسة ماضينا وانعكاساته على حاضرنا فنحن مجموعة حضارية لها جذور تمتد في أعماق الزمان والأحقاب التي مرت على أمتنا بحلوها ومرها تركت بصماتها الواضحة على واقعنا. فكيف نستطيع أن نحول هذه الجذور الحضارية إلى قاعدة صلبة تستطيع أن تحافظ على تماسك أمتنا، وتعيد إليها تدفق الإنتاج الحضاري ؟ هذا ما يحتاج إلى منهج (إنساني) في دراسة الماضي، يضع مصلحة الإنسان فوق كل مصلحة، وحقيقة تماسك الأمة فوق كل حقيقة وهدف الحركة الحضارية فوق كل هدف.
إن العقلية الهادفة المستقبلية تقرأ التاريخ (للاعتبار) من هنا أطلق ابن خلدون على موسوعته التاريخية اسم (العبر) ليكون درساً للأجيال، وحاول (في مقدمته) أن يضع منهجاً وقوانين لتغير أحوال الأمم والشعوب.
على العكس من ذلك العقلية المتخلفة التي نشاهد بعض مظاهرها حتى في زماننا هذا، تعيش في الزوايا المظلمة من التاريخ وكأنها لا ترى (الإنسان) ولا (الحياة) ولا (الأهداف الكبرى) لا في الماضي ولا في حياتها الراهنة.
من أجل أن نساهم مع المفكرين العرب عامة والشاميين بشكل خاص في (أنسنة) دراسات حضارتنا. وهناك شخصيات أخرى بالمنظور الحضاري الرائد مثل: الصحابي بلال الحبشي (مرقده في دمشق)، وشهاب الدين السهرمحسن (مرقده في حلب)، والسيد محسن الأمين (مرقده في ريف دمشق)، وعسى أن نستطيع بتعاون العلماء والمفكرين من سورية ولبنان والأردن ومصر وإيران أن نخطو مع كل السائرين على طريق البناء الحضاري لأمتنا لما فيه صالح (الإنسان).
وإذا اخترنا الإمام علي لهذه فلأسباب أولها:
أن الإمام السيد علي الخامنني أعلن السنة الماضية والتي قبلها بأنهما سننتا الإمام علي.. وفي اعتقادنا أن هذه الرجل لا ينبغي أن يتحدد بزمان.. بل إن (السنة) يجب أن نكون منطلقنا نحو السير على هدى عطاء هذا الرجل الكبير .. من هنا جاء اسم الندوة : الإمام علي … العطاء الحضاري المتواصل.. لدراسة كيف نواصل سنة الإمام علي.
والثاني، أن ما كتب عن الإمام في القديم والحديث يدل على أن شخصيته ذات بعد إنساني لا يقتصر على مذهب أو دين.. فالمسلمون بمختلف مذاهبهم كتبوا عنه، بل وكتب عنه غير المسلمين، بل حتى غير المؤمنين بالأديان الإلهية لسبب واحد لا غير .. وهو أن الإمام قدم من خلال ما وصلنا منه من نصوص ومواقف مشروعاً للحياة يقوم على محور حفظ عزة وكرامة الإنسان.. أي إنسان على ظهر الأرض.. وكل ما نجده في النصوص والمواقف إنما يشكل فروعاً لهذا الأصل الهام في خطاب الإمام.
والثالث، إن مشروع الإمام – وهو مشروع الإسلام في نقائه التام – يتضمن مجالات مضيئة نحن اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة النظر فيها منها: العلاقة الحضارية مع الآخر ومنها: طريقة توزيع الثروة، ومنها العلاقة بين الحاكم والشعب، ومنها: الأساس في التعامل مع الأفراد، ومنها: التضحية بالمصالح الشخصية من أجل الهدف الكبير، ومنها منزلة العلم والعلماء في المجتمع ….. وأمثالها كثير مما نحتاجه أشد الاحتياج في واقعنا ومستقبلنا.
من أجل كل هذا كانت الندوة حول العطاء المتواصل للإمام علي.. ثم إن حضور آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي رئيس مجلس القضاء الأعلى وضيف سورية الكبير في جلسة افتتاح الندوة سيكون فرصة ليحدثنا عن تجربة (العدالة) في قضاء الإمام علي، وعن المعايير الخالدة لتلك التجربة مما يستطيع أن يرفد مسيرتنا الحضارية في عالم يراد فيه سحق كل قيم العدالة والإنسانية بقوة البطش وبصولة الفتك .. ومن الله التوفيق.


