إيران انتصرت بهزيمة ترامب ونتنياهو انتخابيا واعطت درس لكل من يفكر بمهاجمتها

إيران انتصرت بهزيمة ترامب ونتنياهو انتخابيا واعطت درس لكل من يفكر بمهاجمتها
يربط المقال بين كلفة الحرب مع إيران والتراجع الانتخابي للجمهوريين ومعسكر نتنياهو، ثم يتناول اتهامات باستهداف الهوية الشيعية في العراق، مؤكداً أن الخلاف مع إيران لا يبرر الإساءة إلى المعتقدات أو تحويل التنافس السياسي إلى استقطاب مذهبي....

لا تُقاس نتائج الحروب بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الدمار الذي خلّفته، بل بما تتركه من تحولات في موازين القوى، وما تفرضه من أثمان سياسية واقتصادية وأمنية على الأطراف التي اختارت المواجهة.

وهذا ما كشفته المواجهة مع إيران؛ فلم تبقَ تداعياتها محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والاستقرار الداخلي في الولايات المتحدة وإسرائيل، وصولاً إلى صناديق الاقتراع.

لقد راهن نتنياهو على جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، مستنداً إلى العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، وإلى قدرة الإدارة الأمريكية على توفير الغطاء السياسي والعسكري. لكن هذه الحسابات تجاهلت حقيقة أساسية، وهي أن مصالح الولايات المتحدة ليست بالضرورة متطابقة مع تطلعات حكومة نتنياهو، وأن المواطن الأمريكي لن يقبل إلى ما لا نهاية دفع ثمن حروب لا يرى فيها مصلحة مباشرة لبلاده.

فالمواطن الأمريكي الذي يواجه ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتكاليف المعيشة لا تعنيه الحسابات السياسية لنتنياهو بقدر ما تعنيه حياته اليومية. وعندما تتحول الحرب إلى عبء اقتصادي على المواطن، فإنها لا تبقى قراراً عسكرياً في البيت الأبيض، بل تصبح قضية انتخابية تحدد مستقبل الحزب الحاكم.

وكان مضيق هرمز أحد أهم أوراق هذه المواجهة؛ فالموقع الجغرافي لإيران منحها قدرة على جعل تداعيات أي تصعيد تتجاوز حدود المنطقة، لتصل إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وهذه هي إحدى حقائق الجغرافيا السياسية،قد لا تحتاج الدولة إلى نقل الحرب إلى أراضي خصومها حتى تجعلهم يشعرون بكلفتها، بل يكفي أن تمتلك أوراق ضغط استراتيجية قادرة على التأثير في مصالحهم الحيوية.

وفي الارض المحتلة، لم تكن الصورة مختلفة. فنتنياهو الذي حاول تسويق المواجهة مع إيران باعتبارها ضرورة للأمن الإسرائيلي، وجد نفسه أمام مجتمع يعيش هاجس الصواريخ، وكلفة الحروب، ومستقبل الأمن والاستقرار. لقد كشفت المواجهات السابقة أن العمق الإسرائيلي ليس بمنأى عن الرد الإيراني، وأن التفوق العسكري لا يعني امتلاك القدرة على منع الخصم من الوصول إلى أهدافه.

وجاءت الانتخابات الإسرائيلية لتكشف تراجع معسكر نتنياهو من 68 مقعداً في الكنيست السابق إلى 53 مقعداً من أصل 120، دون أن يتمكن معارضوه من تشكيل أغلبية منفردة. وهذه النتيجة تمثل ضربة سياسية واضحة لمعسكره، وتعكس حجم التراجع والانقسام الداخلي الإسرائيلي.

أما في الولايات المتحدة، فقد جاءت انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني 2026 لتقدم درساً سياسياً أكبر؛ إذ تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في خسارة قاسية للجمهوريين وإدارة ترامب. وأظهرت التغطيات وقراءات النتائج أن الغلاء المعيشي والحرب مع إيران كانا من العوامل المؤثرة في اتجاهات الناخبين، حتى إن نائب الرئيس جي دي فانس أشار إلى كلفة الحرب باعتبارها أحد أسباب خسارة الجمهوريين.

وهنا تكمن أهمية ما حدث؛ فهزيمة ترامب السياسية في الانتخابات، وتراجع معسكر نتنياهو داخل الارض المحتلة، ليسا مجرد خسارتين انتخابيتين عابرتين، بل رسالة واضحة لكل رئيس أمريكي أو إسرائيلي قادم يفكر بتكرار تجربة مهاجمة إيران.

إن الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه الإدارات القادمة هو أن مهاجمة إيران ليست قراراً عسكرياً بلا أثمان، ولا مغامرة يمكن إنهاؤها بإعلان النصر عبر وسائل الإعلام. فالحرب لها ارتدادات اقتصادية، وأمنية، وسياسية، وقد تصل إلى تغيير موازين السلطة داخل الدول التي بادرت إليها.

ومن يعتقد أن بإمكانه استخدام القوة العسكرية ضد إيران دون أن يدفع ثمناً في الداخل، عليه أن يقرأ نتائج واشنطن وتل أبيب جيداً. فالرئيس قد يتخذ قرار الحرب، لكنه لا يستطيع ضمان أن الناخب سيغفر له نتائجها.

لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي ما يجري في الداخل العراقي.

فبعد تعثر رهانات التصعيد العسكري ضد إيران، اندفعت اصوات فريق الخنجر الالكتروني (سناجب الخنجر) إلى فتح معركة أخرى، عنوانها استهداف كل ما هو شيعي اعلاميا؛ العقيدة، والأحكام الشرعية، والرموز، والهوية الاجتماعية، حتى وصل الأمر إلى النيل من العقال الجنوبي وشيوخ العشائر الشيعية الذين زاروا ضريح السيد المستطاب، وكأن المطلوب تعويض الإخفاق في المواجهة الإقليمية باستهداف هوية المجتمع العراقي.

وهنا نسأل: لماذا يتحول الخلاف السياسي إلى استهداف للمذهب؟ ولماذا تصبح العقيدة الشيعية مادة للهجوم كلما تعثرت مشاريع سياسية أو عسكرية في المنطقة؟ ولماذا يُستهدف الإنسان في معتقده ولباسه ولهجته وانتمائه الاجتماعي بدلاً من مناقشة المواقف والبرامج والسياسات؟

إن استهداف العقيدة ليس موقفاً سياسياً، والسخرية من الأحكام الدينية ليست نقداً فكرياً، والنيل من العقال الجنوبي ليس اختلافاً في الرأي. إنها محاولات لنقل الصراع من ميدان السياسة إلى هوية المجتمع، وتحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة مع مكونات أصيلة في العراق.

والأغرب أن بعض من يرفعون شعار الوطنية يتعاملون مع العقيدة الشيعية وكأنها جسم غريب عن العراق، وكأن ملايين العراقيين مطالبون بالتخلي عن تاريخهم ومعتقداتهم حتى يحصلوا على شهادة وطنية من أصحاب هذه الشعارات.

إن العراق ليس ملكاً لحزب أو تيار، والوطنية لا تُقاس بمقدار العداء لإيران، كما أن الانتماء العراقي لا يتطلب التنكر للعقيدة أو الإساءة إلى رموزها. فالاختلاف مع إيران في السياسة شيء، واستهداف الشيعة في عقيدتهم وهويتهم شيء آخر تماماً.

لقد كشفت هذه المرحلة أن الحرب لا تنتهي عند حدود الميدان، وأن نتائجها قد تظهر في الاقتصاد والانتخابات وموازين السلطة، وقد تمتد إلى صراعات داخلية تستهدف الهوية والانتماء.

إن هزيمة ترامب الانتخابية وتراجع معسكر نتنياهو يجب أن يبقيا درساً أمام كل رئيس قادم في واشنطن أو تل أبيب: إيران ليست ساحة حرب بلا كلفة، ومهاجمتها قد تعود بعواقب على من اتخذ قرار الحرب قبل أن تعود عليه بأي مكسب. أما في العراق، فمن عجز عن مواجهة إيران لا يستطيع أن يعوض عجزه باستهداف عقيدة ملايين العراقيين أو الإساءة إلى هويتهم وتاريخهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *