تفتح نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، وما تفرزه من تحولات في موازين القوى داخل الكونغرس، آفاقاً جديدة أمام العراق على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والإقليمية.
فالتغييرات في موازين القوى داخل المؤسسات السياسية الأمريكية، يمكن أن تشكل فرصة أمام العراق لإعادة تقييم علاقاته الخارجية، وتعزيز استقلالية قراره السياسي والاقتصادي والأمني.
ويمكن قراءة أبرز الانعكاسات المحتملة لهذه النتائج من خلال النقاط الآتية:
1-إن خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في الكونغرس، في حال تحققها، من شأنها أن تضع قيوداً سياسية وتشريعية أمام إدارة ترامب، ولا سيما في ما يتعلق باتخاذ قرارات عسكرية كبرى، ومن بينها احتمال الدخول في مواجهة جديدة مع إيران. وقد يساهم ذلك في تقليل احتمالات تحويل العراق إلى ساحة اشتباك أو قاعدة انطلاق لأي مواجهة إقليمية.
2-إن تراجع احتمالات التصعيد العسكري ضد إيران قد يساعد على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً أمام حركة الملاحة الدولية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على صادرات النفط العراقية، باعتبارها شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني.
3-على الرغم من أن الحزب الديمقراطي الأمريكي يتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه فصائل المقاومة العراقية في بعض الملفات، فإن طبيعة المواجهة السياسية والأمنية قد تختلف باختلاف موازين القوى داخل المؤسسات الأمريكية، بما قد يحدّ من خيارات التصعيد المباشر ويفتح المجال أمام مقاربات أكثر واقعية .
4-قد تتيح التحولات السياسية الأمريكية فرصة لإعادة فتح ملف القيود والإجراءات الأمريكية المتعلقة بالأموال العراقية، والعمل على تخفيف الضغوط المفروضة عليها والعمل على رفع الوصاية الرئاسية على الاموال العراقية المودعة بالبنك الفيدرالي من خلال تحرك رسمي يقوده البنك المركزي العراقي والحكومة العراقية، بما يعزز استقلالية القرار المالي والاقتصادي.
5-تمنح هذه التحولات العراق فرصة لإعادة النظر في طبيعة علاقته بالولايات المتحدة، والانتقال بها من لغة التهديد والوعيد والضغوط السياسية إلى علاقة أكثر واقعية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية،خاصة بعد انسحاب القوات العسكرية الاميركية من الاراضي العراقية .
6-يمكن للعراق أن يستثمر أي تراجع في حدة الصراع بالمنطقة لتعزيز دوره وسيطاً إقليمياً في عدد من الملفات الشائكة في منطقة الشرق الأوسط، مستفيداً من علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف.
7-إن تخفيف الضغوط الأمريكية على إيران من شأنه أن يفتح آفاقاً أوسع أمام العلاقات بين البلدين الجارين، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطاقة والأمن الحدودي، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين العراقي والإيراني.
8-قد يؤدي انشغال الإدارة الأمريكية والحزبين الجمهوري والديمقراطي بالتحديات الداخلية والاستحقاقات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة إلى تقليل مستوى الضغط المباشر على العراق، ويمنح الحكومة العراقية مساحة أوسع للتحرك وفق أولوياتها الوطنية.
9-إن فوز شخصيات مسلمة محجبة بعضوية الكونغرس الأمريكي يمثل مؤشراً مهماً على اتساع حضور التنوع الديني والثقافي في المؤسسات السياسية الأمريكية. كما يحمل رسالة مفادها أن ارتداء الحجاب لا يشكل بالضرورة عائقاً أمام المرأة المسلمة في ممارسة العمل السياسي أو الرياضي أو الأكاديمي أو تولي المسؤوليات العامة.
ويعزز ذلك من حضور القيم الإسلامية والهوية الثقافية للمسلمين في المجتمعات الدولية، ويؤكد إمكانية الجمع بين الالتزام الديني والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
10-إن خسارة (ترامب)كشخصية سياسية تحظى بدعم بعض الحلفاء الأمريكيين بالمنطقة وتراجع شعبيتها داخلياً، قد يدفع الدول المرتبطة بها إلى إعادة تقييم طبيعة علاقاتها السياسية معها، والتفكير بصورة أكثر استقلالية في مصالحها الوطنية، بدلاً من ربط علاقاتها الخارجية بمواقف شخصية سياسية بعينها،وهذا يمنح العراق مساحة اكبر في العلاقات الخارجية وفي منع اي شكل من اشكال التدخل الاقليمي بشأنه الداخلي.
11-إن حضور القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني، ولا سيما ما يجري في قطاع غزة، ضمن النقاشات السياسية والانتخابية الأمريكية، يعكس أهمية هذا الملف في الرأي العام.
ومن المنظور العراقي، فإن دعم حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره والدفاع عن أرضه وكرامته، ومساندة أهل غزة إنسانياً وسياسياً وعسكريا يمثلان موقفاً وطنياً وإنسانياً ودينياً راسخاً.
12-إن فوز عدد من المرشحين المسلمين في الانتخابات الأمريكية، ومن بينهم شخصيات ذات خلفية عربية وإسلامية، يعزز حضور المسلمين في المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، ويطرح تساؤلات حول طبيعة التحولات في المجتمع الأمريكي، ومدى تأثير القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في توجهات الناخبين،وبان الشخصية العربية او المسلمة
تملك مقومات القيادة وفن الادارة اذا توفرت لها فرص المشاركة .
كما يتيح ذلك فرصة لمراجعة التصورات المتعلقة بتأثير جماعات الضغط والتمويل السياسي في صناعة القرار الأمريكي،والتي كانت من مسلماتها ان الدعم الصهيوني
قادر على تغيير المعادلات الانتخابية او القرار السياسي باميركا .
13-إن تحميل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤولية جانب من التحديات الاقتصادية والمعيشية والسياسية، إلى جانب سياساتها تجاه إيران والكيان الصهيوني، وما أشار إليه نائب الرئيس الأمريكي فانس في هذا السياق، يعكس حجم الجدل الداخلي الأمريكي بشأن إخفاقات السياسة الخارجية لواشنطن.
ويمكن قراءة هذه التحولات في إطار تنامي الانتقادات الشعبية والسياسية للسياسات الأمريكية، ولا سيما ما يتعلق بالحرب والحصار المفروضين على قطاع غزة، وسياسة التصعيد والضغوط تجاه إيران، فضلاً عن طبيعة العلاقة والدعم الأمريكي للكيان الصهيوني.
وهذه التطورات لم تكن مفاجئة بالنسبة إلى العديد من الأوساط السياسية العراقية التي طالما حذّرت من مخاطر تلك السياسات وتداعياتها، ونبّهت إلى أن استمرارها لن يقتصر تأثيره على العراق أو دول المنطقة، بل سيمتد ليهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ويضع المصالح الأمريكية نفسها أمام تحديات وتداعيات متزايدة.
14- ان نتائج الانتخابات فيها تأكيد على شرعية المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني واميركا وفرصة لتعزيز خطاب الصمود ومواجهة الضغوط الداخلية و الإقليمية.
كما انها تعزز من حضور مفهوم الصمود في الوعي السياسي والشعبي العراقي.
15-تتيح المتغيرات السياسية فرصة أمام الطبقة السياسية العراقية لإعادة النظر في طريقة التعامل مع ملف سلاح المقاومة، بعيداً عن الضغوط الخارجية والاستقطابات الداخلية، واعتماد الية تقدر سيادة العراق ومكانته وأمنه وكرامة شعبه واستقراره.
16-توفر التحولات داخل الولايات المتحدة فرصة للقوى السياسية العراقية لإعادة ترتيب علاقاتها وتفاهماتها الداخلية بعيداً عن التأثيرات والضغوط الخارجية، ولا سيما في العلاقة بين القوى السياسية الشيعية والسنية، وبين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، بما يساعد على بناء تفاهمات وطنية أكثر استقراراً.
17-من الممكن استثمار هذه المرحلة في إعادة تقييم شاغلي المناصب الحكومية العليا، ومراجعة آليات اختيارهم ومعايير الكفاءة والنزاهة والخبرة، والتأكد من أن تولي المسؤوليات الحكومية يستند إلى المصلحة الوطنية والمؤهلات المهنية، بعيداً عن الإملاءات الاميركيك أو التأثيرات الخارجية.
18-إن تراجع بعض الضغوط الخارجية يمنح القوى السياسية العراقية فرصة أوسع لاتخاذ قراراتها وفق حسابات المصلحة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس السيادة والاستقلال والتوازن في العلاقات الدولية.
19-يمكن للحكومة العراقية استثمار أي تراجع في الضغوط الخارجية لإعادة النظر في سياسة التسليح، وتنويع مصادر شراء الأسلحة والمعدات الدفاعية، بما يتيح بناء قدرات وطنية قادرة على حماية الأجواء والمياه الإقليمية والحدود والسيادة العراقية.
كما يمكن للعراق توسيع التعاون الدفاعي مع دول مختلفة، وفق احتياجاته الأمنية ومتطلبات حماية أراضيه ومصالحه الوطنية، مع مراعاة استقلالية قراره العسكري والالتزامات القانونية والدولية.


