في الوقت الذي يسعى فيه العراق إلى التنمية واستثمار ثرواته النفطية والبشرية، تبرز أزمة تلوث الهواء بوصفها خسارة صامتة تتسلل إلى البيوت والمدارس وأماكن العمل، وتؤثر في صحة الناس والاقتصاد معاً. فالهواء الذي يتنفسه المواطن كل يوم لم يعد قضية بيئية يمكن تأجيلها، وإنما أصبح مقياساً لجودة الحياة وكفاءة الإدارة العامة. وما قيمة التنمية إذا ارتفعت الإيرادات والمشروعات، بينما ترتفع معها أعباء المرض ويضيق حق الإنسان في التنفس بأمان؟
وقد نبهت دراسة علمية نُشرت عام 2025، واستندت إلى بيانات الاستشعار عن بُعد خلال السنوات 2019–2024، إلى وجود بؤر مرتفعة للتلوث في مدن عراقية، من بينها بغداد والبصرة والناصرية. وأشارت إلى أن تركيز الجسيمات الدقيقة في بعض مناطق البصرة والناصرية بلغ ما يصل إلى 26 ضعف الحد الإرشادي السنوي لمنظمة الصحة العالمية. وهذه الجسيمات شديدة الدقة تستطيع النفاذ إلى الجهاز التنفسي، ويزيد التعرض المستمر لها من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والرئة. والأرقام هنا ليست مجرد مؤشرات على شاشة، بل إنذار بشأن بيئة يعيش فيها ملايين المواطنين.
وتشير بيانات يعرضها برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التلوث بالجسيمات الدقيقة ارتبط بما يُقدّر بنحو 35,720 وفاة في العراق خلال عام 2023. وهذا تقدير إحصائي للعبء الصحي المنسوب إلى التلوث، وليس حصراً لشهادات وفاة سُجّل فيها التلوث سبباً مباشراً. ومع ذلك، فإن حجمه يكفي لإظهار أن الأزمة تتجاوز حالات الاختناق الموسمية أو الغبار المرئي في سماء المدن، وتمتد إلى تأثيرات صحية متراكمة قد لا يلاحظها الناس إلا بعد سنوات.
وتتفاوت آثار التلوث بين المواطنين؛ فالأسر التي تسكن قرب الطرق المزدحمة أو المناطق الصناعية لا تستطيع دائماً الانتقال إلى أحياء أقل تعرضاً، كما أن العمال الذين يقضون ساعات طويلة في الشوارع يواجهون مخاطر أكبر. والأطفال أكثر حساسية لتلوث الهواء بسبب نمو أجهزتهم التنفسية، فيما تتضاعف المشكلات لدى المصابين بأمراض مزمنة. ولهذا فإن حماية البيئة ليست منفصلة عن العدالة الاجتماعية، لأن الفئات الأقل قدرة على تجنب مصادر التلوث قد تكون أيضاً الأقل قدرة على تحمل نفقات علاجه.
وإذا كان الضرر الصحي هو الوجه الأشد إيلاماً، فإن الخسارة الاقتصادية لا تقل أهمية. فالتلوث يرفع نفقات العلاج والأدوية، ويزيد الضغط على المستشفيات، ويؤدي إلى التغيب عن العمل والدراسة وتراجع إنتاجية العاملين. وقد تضطر أسر محدودة الدخل إلى إنفاق جزء من مواردها على الأمراض المرتبطة بسوء نوعية الهواء، فتتراجع قدرتها على تلبية احتياجات أخرى. وبذلك تتحمل الدولة والمواطن كلفة لا تظهر كاملة في حسابات الموازنة، لكنها تُستنزف من موارد المجتمع كل يوم. من هنا يصبح الاستثمار في الهواء النظيف ضرورة اقتصادية، لا ترفاً أو شعاراً موسمياً.
وتتعدد مصادر التلوث في العراق بين عوادم المركبات والازدحام المروري، والمولدات الأهلية، والمنشآت الصناعية، وحرق النفايات، والغبار الذي تفاقمه موجات الجفاف وتدهور الغطاء النباتي. ويضاف إليها حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط، في مفارقة واضحة: تُهدر ثروة يمكن استثمارها في توليد الكهرباء، بينما تتحمل المناطق المحيطة بالحقول بعض أعباء الانبعاثات. وقد وضع البنك الدولي العراق ضمن الدول الأعلى عالمياً في حرق الغاز في بيانات عام 2025، وهو ما يجعل تقليل الحرق جزءاً من سياسة الطاقة والصحة العامة معاً.
أما على المستوى السياسي، فإن استمرار الأزمة يكشف أهمية القرار الحكومي وقدرة المؤسسات على التنسيق والتنفيذ. فلا تستطيع وزارة البيئة، مهما امتلكت من صلاحيات، معالجة التلوث وحدها. فالمسؤولية تتوزع بين وزارات الصحة والنفط والكهرباء والصناعة والبلديات، والحكومات المحلية والجهات الرقابية. وعندما تغيب الرقابة على الانبعاثات، أو تتأخر صيانة محطات الطاقة وتحديث المصانع، أو لا تُطبق القوانين بصورة منتظمة، تتحول المسؤوليات المتفرقة إلى فراغ إداري يدفع المواطن ثمنه.
ويجب أن تبدأ المعالجة من معرفة دقيقة بما يتنفسه الناس. فالعراق يحتاج إلى محطات قياس موثوقة تغطي المدن والمناطق الصناعية والأحياء القريبة من مصادر الانبعاثات، مع نشر النتائج بانتظام وبصورة مفهومة للجمهور. كما ينبغي تفعيل أنظمة الإنذار المبكر في الأيام شديدة التلوث، حتى تتمكن المدارس والمستشفيات والعائلات، ولا سيما من لديهم أطفال وكبار سن ومرضى تنفسيون، من اتخاذ الاحتياطات المناسبة. فالشفافية في البيانات تساعد على توجيه الإنفاق ومحاسبة المقصرين، بدلاً من الاكتفاء بتصريحات عند اشتداد الأزمة.
ثم تأتي إجراءات الحد من مصادر التلوث: تسريع استثمار الغاز المصاحب، وتحسين كفاءة محطات الكهرباء لتقليل الاعتماد على المولدات، وإلزام المنشآت الصناعية بمعايير الانبعاثات، وتنظيم حرق النفايات ومنعه خارج المواقع المجهزة، وتحسين النقل العام وفحص عوادم المركبات. كذلك ينبغي زيادة المساحات الخضراء وحماية الأراضي الزراعية والحد من تدهور التربة. غير أن التشجير وحده لا يعوّض وقف التلوث عند مصدره؛ فلا جدوى من زراعة الأشجار إذا ظلت النفايات تُحرق بجوار الأحياء السكنية بلا رقابة.
ويتطلب تنفيذ هذه الأولويات تخصيص موارد واضحة في الموازنات المحلية والاتحادية، وتحديد جهة مسؤولة عن كل إجراء ومواعيد لمراجعته وقياس نتائجه. فالمواطن لا يحتاج إلى حملة إعلامية عابرة، وإنما إلى انخفاض ملموس في الانبعاثات وإجراءات يمكن متابعتها. كما أن إشراك الجامعات والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني يوسع نطاق المراقبة ويجعل السياسات أقرب إلى احتياجات المدن المختلفة.
إن العراق، بما يمتلكه من ثروات طبيعية كبيرة، يحتاج اليوم إلى ترتيب أولوياته حتى لا تُختزل التنمية في زيادة الإيرادات وإنشاء المشروعات، بل تمتد إلى حماية صحة الناس وصون قدرتهم على العمل والحياة. فكيف يمكن لبلد أن يزدهر إذا لم يضمن لمواطنيه حقهم في هواء نقي وحياة صحية؟ لقد أصبحت الوقاية من التلوث استثماراً في الإنسان والاقتصاد ومستقبل الأجيال، وأصبح تأجيلها خسارة تتضاعف بصمت.
كفاكم تلوثاً… خلّوا الأرض تتنفس.


