يموت القائد ولا تموت القيادة… لا مجال للضعف ولا مجال للتراجع

يموت القائد ولا تموت القيادة... لا مجال للضعف ولا مجال للتراجع
تتجاوز استمرارية الإمامة والولاية والمرجعية والقيادة حدود حياة الأفراد، مستندةً إلى رسوخ العقيدة وتراكم المعرفة وانتقال المسؤولية بين الأجيال. وتبرز قوة المؤسسات والأفكار في قدرتها على تجاوز غياب رموزها، والحفاظ على تماسك أتباعها واستمرار رسالتها....

هذه الكلمات الستة التي في  ليست مجرد شعار ، بل هي خلاصة تاريخ عمره أكثر من ألف وأربعمائة عام، وقانون إلهي حكم مسيرة هذه الأمة.

يموت الإمام ولا تموت الإمامة

يموت الولي ولا تموت الولاية

يموت المرجع ولا تموت المرجعية

يموت القائد ولا تموت القيادة

إنها معادلة السماء في الأرض، فلو كانت القضايا الكبرى مرتبطة بحياة الأشخاص لانتهت بانتهاء أعمارهم، ولما وصل إلينا دين ولا مذهب ولا فكرة.

أولاً: يموت الإمام ولا تموت الإمامة

عندما استشهد الإمام علي عليه السلام في محراب الكوفة، ظن أعداؤه أنهم قتلوا العدالة معه. وعندما سُمّ الحسن، وقُتل الحسين في كربلاء، وسُجن الكاظم حتى الموت، وغُيّب المهدي، ظن الطغاة في كل عصر أنهم أسقطوا المشروع. لكن الذي حدث هو العكس تماماً. دم الإمام لم يطفئ الإمامة، بل أشعلها. كل قطرة دم كانت وقوداً جديداً لها. الإمامة ليست جسداً يمرض ويموت، إنها فكرة، إنها عهد الله في الأرض، إنها امتداد للنبوة. الأئمة هم مصابيحها، فإذا انطفأ مصباح بيد القتل والغدر، أضاء الله المصباح الذي يليه. ولذلك بقيت الإمامة رغم كل السيوف التي شُهرت في وجهها، وبقيت المدرسة التي أسسها أهل البيت حية نابضة إلى اليوم، تخرّج العلماء والمفكرين والشهداء.

لو كانت الإمامة مرتبطة بالشخص، لانتهت في سنة 40 للهجرة. لكنها بقيت لأنها حق، والحق لا يموت.

ثانياً: يموت الولي ولا تموت الولاية

الولاية هي الحبل الممدود بين السماء والأرض. هي حب أهل البيت والتمسك بهم والسير على نهجهم. كم حاولوا أن يقطعوا هذا الحبل؟

منعوا زيارة الحسين، هدموا القبور، قتلوا الزوار، سجنوا المحبين، اتهموا الشيعة بالشرك والكفر، حاولوا أن يجعلوا حب آل محمد تهمة. قتلوا الولي الذي يجهر بولايته، لكن هل ماتت الولاية في قلوب الناس؟

أبداً. تجد اليوم الطفل الذي لم يبلغ الحلم يبكي على الحسين كأنه رآه، وتجد الشيخ الكبير يقطع مئات الكيلومترات ماشياً إلى كربلاء، وتجد المرأة تربي أبناءها على حب علي وفاطمة. هذه الولاية تسري في الدم. يموت ألف ولي، ويولد في نفس اليوم عشرة آلاف ولي جديد. لأنها فطرة. الله زرع حب محمد وآل محمد في قلوب المؤمنين، وما زرعه الله لا يستطيع أن يقلعه بشر.

ثالثاً: يموت المرجع ولا تموت المرجعية

هذه هي معجزة المذهب الجعفري. مرجعيتنا ليست كهنوتاً يورّث، وليست منصباً يبقى ببقاء الشخص. هي علم وتقوى وكفاءة.

مات الشيخ المفيد، فجاء الشريف المرتضى. مات المرتضى، فجاء الشيخ الطوسي. مات الطوسي، فجاء ابن إدريس والمحقق والعلامة. ماتوا جميعاً، ثم جاء الوحيد البهبهاني، وكاشف الغطاء، والأنصاري، والشيرازي، والخراساني، واليزيدي، والبروجردي، والحكيم، والخوئي.

في كل مرة كان أعداء المذهب يقولون: انتهت الشيعة بموت مرجعها. وفي كل مرة كانت الحوزة تنتفض وتقدم مرجعاً جديداً أعلم وأقوى. لماذا؟ لأن المرجعية ليست شخصاً، بل هي مؤسسة، هي تراكم ألف عام من العلم، هي الحوزة، هي الدليل والعقل والإجماع.

يموت المرجع، يبكيه الناس، يقيمون له العزاء، ثم يرجعون في اليوم الثاني إلى درسهم، إلى بحثهم، إلى حوزتهم، لأن المرجعية باقية.

رابعاً: يموت القائد ولا تموت القيادة

وهنا بيت القصيد. في زمننا هذا نحتاج هذه الفقرة أكثر من أي وقت مضى. قد تفقد الأمة قائداً شجاعاً، قد تخسر بطلاً مغواراً، قد يستشهد من كان يملأ الساحة صوته وصورته. يحزن القلب، وتدمع العين، ويشعر الناس بالفراغ واليتم للحظات.

لكن القيادة لا تموت. لأن القيادة التي تكون لله لا تموت. القائد الحقيقي قبل أن يموت يكون قد صنع ألف قائد. يكون قد زرع فكرته في عقول الشباب، وشجاعته في قلوبهم، وخطته في أيديهم.

التاريخ يعلمنا أن موت القادة هو بداية مرحلة جديدة وليس نهاية المشروع. استشهاد القائد يحوّل فكرته من فكرة شخص إلى فكرة أمة. يتحول من قائد يمشي على الأرض إلى رمز يسكن في كل قلب. ولذلك نرى أن الدماء هي التي تصنع الانتصار، وليست مجرد الحناجر.

لا مجال للضعف.. لا مجال للتراجع

وهنا تأتي الخلاصة والنتيجة. لماذا لا مجال للضعف؟ لأننا أصحاب مشروع باقٍ. من يكون مشروعه مرتبطاً بشخص واحد، يضعف بمجرد أن يمرض ذلك الشخص. أما نحن، فمشروعنا إمامة وولاية ومرجعية وقيادة. كلها مفاهيم باقية.

الضعف خيانة لهذه الدماء. عندما يموت الإمام والولي والمرجع والقائد ويبقى المنهج، فإن أي تراجع منا يعني أننا نحن من قتلنا المنهج بأيدينا. العدو قتل الشخص، ونحن إذا ضعفنا وتراجعنا نكون قد قتلنا الفكرة.

لا مجال للتراجع، لأن ما بعد التراجع ليس إلا الذل والهوان والعودة إلى زمن الاستعباد. الأمة التي قدمت كل هذه التضحيات، من كربلاء إلى اليوم، لا يمكن أن تتراجع خطوة واحدة. من ذاق طعم الولاية وعرف معنى أن يكون له مرجع وقائد، لا يمكن أن يقبل أن يكون تابعاً ذليلاً للشرق أو للغرب.

إن هذه الجملة الأخيرة هي عهد. عهد بيننا وبين كل من سبقنا. نقول لهم: نمتم قريري العين، فالطريق الذي بدأتموه لن يتوقف. الراية التي حملتموها لم تسقط، انتقلت من يد إلى يد، وستبقى مرفوعة.

يموت الإنسان، وتبقى الرسالة. وهذه هي سنتنا، وهذا هو سر قوتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *