المرجعية الرشيدة.. عقبة المشاريع الاستعمارية وحصن الأمة المنيع

المرجعية الرشيدة.. عقبة المشاريع الاستعمارية وحصن الأمة المنيع
تجسّد المرجعية الدينية في العراق ركيزة تاريخية لحماية السيادة الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي، تجلّت في مقاومة الاحتلال ومواجهة الإرهاب. ويبرز دورها في ترسيخ الوعي الشعبي وصون الوحدة الوطنية أمام محاولات التشويه والاستقطاب والتدخلات الخارجية..

المقدمة: تميزت المرجعية الرشيدة على طول تاريخ التشيع بالحنكة والحكمة وبعد النظر، ولم تكن يوماً مؤسسة دينية منعزلة في النجف الأشرف او في مدينة قم المقدسة، بل كانت دائماً قلب الأمة النابض وعقلها المفكر ودرعها الحصين. ومن يقرأ تاريخ العراق الحديث وتاريخ  والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، يفهم لماذا كانت المرجعية دائماً هي العقبة الكبرى أمام كل المشاريع الاستعمارية.

المرجعية والحنكة التاريخية

المرجعية لا تتعامل بردود الفعل الانفعالية، بل بفقه عميق للواقع. عندما احتل البريطانيون العراق، لم تكن المرجعية متفرجة. فتوى المرجع محمد تقي الشيرازي بثورة العشرين هي التي أشعلت شرارة الثورة التي أخرجت أقوى إمبراطورية في العالم آنذاك. وعندما حاول النظام البعثي تجفيف منابع الدين، وقفت المرجعية بكل صلابة، وقدمت الشهداء من أمثال السيد محمد باقر الصدر، لكنها حافظت على الحوزة وعلى وجود التشيع.

هذه الحنكة هي أن المرجعية تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، متى تفتي ومتى تتريث. صمتها حكمة، وكلامها حكم. لا تجرها العواطف، ولا تستفزها الاستفزازات. وهذا ما يجعل العدو عاجزاً عن توقع خطوتها القادمة. المشاريع الاستعمارية دائماً تبني خططها على حسابات مادية: جيش، اقتصاد، سياسة. لكنها تنسى حساباً واحداً لا يدخل في معادلاتها، وهو حساب المرجعية. المرجعية التي بكلمة واحدة تحرك الملايين، ليس بالترهيب ولا بالترغيب، بل بالحب والطاعة العقائدية.

ولذلك، كان أول هدف لكل احتلال هو تحييد المرجعية. حاول البريطانيون، وحاول البعث، وحاول الاحتلال الأمريكي في 2003 أن يتجاوز المرجعية ويتعامل مع مكونات أخرى، لكنهم فشلوا جميعاً. لأنهم اكتشفوا أن لا شرعية لأي مشروع في العراق بدون مباركة النجف. المرجعية هي التي أجبرت المحتل على إجراء الانتخابات وكتابة الدستور، وهي التي حفظت وحدة العراق عندما أرادوا تقسيمه طائفياً.

الجهاد الكفائي.. ذروة الحنكة والفتوى التاريخية

ويأتي مشروع الجهاد الكفائي الذي أصدرته المرجعية العليا في 13 تموز 2014 كأوضح دليل على هذه الحنكة. في ذلك اليوم، كان العراق على وشك السقوط. الموصل سقطت، والجيش انسحب، وداعش على أبواب بغداد وكربلاء، والمشروع الاستعماري كان يخطط لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات متناحرة.

الدولة كانت عاجزة، والسياسيون كانوا منقسمين، والعالم كان يتفرج. في تلك اللحظة المصيرية، لم يصدر البيان من المنطقة الخضراء، بل صدر من الصحن الحسيني الشريف في كربلاء. فتوى واحدة: “على المواطنين القادرين على حمل السلاح التطوع للانخراط في القوات الأمنية دفاعاً عن العراق وشعبه ومقدساته“.

هذه الفتوى لم تكن مجرد فتوى فقهية، كانت مشروع إنقاذ وطن. وهي من أهم أركان الإسلام، فالجهاد الدفاعي لا يكون إلا بإذن الفقيه الجامع للشرائط، وهذا ما حصل. فتوى الجهاد الكفائي لم تدعُ إلى الطائفية، بل دعت كل العراقيين، وهي التي حفظت العراق من السقوط. لولا تلك الفتوى، لكان الدواعش اليوم في كل بيت، ولكان مصير العراق كمصير دول أخرى ضاعت إلى الأبد.

المرجعية بهذه الفتوى أثبتت أنها ليست مرجعية طائفة، بل مرجعية وطن. وهي التي حولت الهزيمة إلى نصر، واليأس إلى أمل، والفوضى إلى حشد منظم حفظ الأرض والعرض.

لماذا يستهدفون المرجعية؟ فصل القواعد عن القيادة

ولهذا السبب تحديداً، لأن المرجعية هي العقبة، بدأ المشروع الآخر، وهو الأخطر. مشروع فصل القواعد الشعبية عن المرجعية المقدسة.

العدو فهم أنه لا يستطيع أن يواجه المرجعية وجهاً لوجه، لأنها أقوى منه شرعية وحباً في قلوب الناس. لذلك لجأ إلى حرب ناعمة وخبيثة، حرب التشويه والتشكيك والاستهزاء.

يطرحون مغالطات واضحة: “المرجعية لا تتكلم عن الفساد”، “المرجعية ساكتة”، “ما فائدة المرجعية؟”. وهم يعلمون أن المرجعية تكلمت وحذرت ونصحت عشرات المرات، لكنهم يقتطعون الكلام من سياقه. هدفهم هو إقناع الشاب البسيط أن المرجعية بعيدة عنه، وأنها لا تهتم به.

ثم ينتقلون إلى مرحلة الاستهزاء والتشكيك. يصنعون النكات، يختلقون القصص، يشككون في كل بيان، ويحاولون إظهار أن الحوزة تعيش في برج عاجي. وهذا يعتبر من أهم أهداف المشاريع الصهيونية والاستعمارية من أجل إبعاد الناس عن كيان المرجعية.

لماذا؟ لأنهم يعلمون جيداً المعادلة: إذا انفصلت القاعدة عن المرجعية، أصبحت القاعدة قطيعاً بلا راعٍ، يسهل اقتياده إلى أي فتنة، إلى حرب أهلية، إلى تطبيع، إلى تقسيم. الشاب الذي لا يرجع إلى مرجعه، سيرجع إلى مواقع التواصل، إلى إعلام ممول، إلى فكر متطرف.

المرجعية هي صمام الأمان. هي التي تمنع الحرب الشيعية الشيعية، وتمنع الحرب السنية الشيعية، وتمنع الفوضى. وعندما تُبعد الناس عنها، يصبح المجتمع العراقي مكشوفاً أمنياً وفكرياً وأخلاقياً.

الخلاصة: إن استهداف المرجعية اليوم ليس نقداً حراً، بل هو مشروع مدروس. يريدون مرجعية صامتة معزولة، أو يريدون جمهوراً بلا مرجعية. وفي الحالتين النتيجة واحدة: عراق ضعيف ممزق بلا حصن.

واجبنا اليوم ككتاب وكمثقفين وكشباب واعٍ، أن نفهم هذه الحنكة، وأن ندافع عن هذا الكيان المقدس ليس بالعاطفة فقط، بل بالوعي. أن نشرح للناس أن الجهاد الكفائي لم يكن فتوى عابرة، بل كان إعلاناً بأن العراق لا يمكن أن يُحتل ما دامت النجف حية.

يموت الأشخاص وتبقى المرجعية. وتسقط المشاريع الاستعمارية وتبقى النجف. وهذا هو رهاننا الأخير والأول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *