دراسة فلسفية وأخلاقية في العلاقة بين العقيدة والوطنية والمرجعية والدولة
قراءة نصية في ضوء النص الديني والفكر الإسلامي والفلسفة السياسية والسياق الدستوري العراقي
الملخص
يتناول البحث مسؤولية تفسير المبادئ الدينية حين تدخل المجال السياسي، ويركز على السؤال الذي يتجاوز أولوية العقيدة في ضمير المؤمن: ما الشروط التي تبيح الانتقال من التزام ديني شخصي إلى إلزام قانوني عام؟
يحلل البحث مفاهيم العقيدة والدين والمرجعية الأخلاقية والوطنية والدولة، ويقرأ آيات قرآنية تتصل بالعدل والتعارف والولاء، ويستأنس بعهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر وبالدعاء السابع والعشرين من الصحيفة السجادية. كما يعرض أقوى الاعتراضات الفلسفية، ومنها الوطنية المعتدلة والوطنية الدستورية والكونية الإنسانية، ويختبر الأطروحة في سياق العراق المتعدد.
يخلص البحث إلى أن أولوية العقيدة في ضمير المؤمن لا تكفي وحدها لتبرير إلزام جميع المواطنين بتفسير ديني معين. ويقترح معيارًا مركبًا: إثبات مصدر المبدأ ودلالته، وتحديد نطاقه وانطباقه على الواقعة، ثم بيان الجهة المختصة دستوريًا وآلية المراجعة القضائية، مع صون الحقوق والحريات الأساسية.
الكلمات المفتاحية: العقيدة، الدين، الوطنية، الوطن، المواطنة الدستورية، الأصل والفرع، العدالة، أهل البيت، الدولة الحديثة، العراق.
مقدمة: من أين يبدأ السؤال؟
حين أطرح سؤال: أيهما أولًا، العقيدة أم الوطن؟ فإنني لا أطرحه لأنني أرى في حب الوطن نقصًا، ولا لأن الانتماء إلى العراق يمكن اختزاله في شعار أو جنسية. أنا ابن العراق، وأرى أن للوطن مكانة في الذاكرة واللغة والأهل والتاريخ، وفي ما يتحمله الإنسان من واجب تجاه الناس الذين يشاركونه الحياة. لكنني أرى، في الوقت نفسه، أن الوطن لا يستنفد معنى الوجود، وأن حدود الدولة لا تختصر الأرض والإنسان، وأن الانتماء الوطني لا ينبغي أن يصبح ميزان الحق الوحيد.
من هنا أستخدم عبارة «العقيدة أصل والوطنية فرع». أقصد بها، في المقام الأول، ترتيبًا في الرؤية الإيمانية: الإيمان بالخالق وما يترتب عليه من فهم للوجود والغاية والمسؤولية يسبق، في تصوري، تنظيم الانتماءات الجزئية وتحديد واجباتها. فالوطن واحد من ميادين العمل والمسؤولية، وليس أصل الوجود ولا مصدر الحق المطلق. غير أن هذه العبارة تحتاج إلى تحرير؛ لأن «الأصل» قد يعني المصدر العقدي أو المرجعية القيمية أو السبق التاريخي أو شرط المشروعية، ولا يجوز استعمال هذه المعاني كما لو كانت معنى واحدًا.
لا أريد أن أبدأ من نتيجة ثم أبحث عما يؤيدها. إذا كانت فكرتي قوية، فينبغي أن تصمد أمام الاعتراض الجاد؛ وإذا كانت بعض صياغاتها أوسع مما تسمح به الأدلة، فعليّ أن أضبطها. النقد ليس خصمًا من الإيمان، بل وسيلة لتمييز ما أؤمن به، وما أستطيع الاستدلال عليه، وما يحتاج إلى بحث أعمق.
إشكالية البحث وأسئلته
السؤال المركزي هو: عندما تتعارض مرجعية دينية مع قرار تتخذه الدولة باسم المصلحة الوطنية، فمن يحدد طبيعة التعارض، وبأي معيار يُحسم، وما حدود سلطة المرجعية الدينية والدولة والمواطن؟ وتنبثق منه مسألة أسبق: هل تكفي أولوية العقيدة في فهم المؤمن للوجود لإثبات أولوية حكم سياسي بعينه، أم يلزم تمييز النص من تفسيره، والمبدأ من تنزيله على الواقعة؟
تتفرع عن السؤال أسئلة: ما المقصود بالعقيدة والدين والمرجعية الأخلاقية؟ وما المعنى المقصود بالأصل والفرع؟ وهل حب الوطن شعور إنساني أم واجب أخلاقي أم حكم ديني؟ وكيف تساعد النصوص القرآنية وتراث أهل البيت عليهم السلام على فهم العدل والمسؤولية؟ وما أقوى حجج الوطنية المعتدلة والوطنية الدستورية؟ وكيف تختبر هذه الأفكار في المجتمع العراقي المتعدد؟
يعتمد البحث تحليل المفاهيم، والقراءة النصية مع الفصل بين النص والاستنباط، والمقارنة الفلسفية، وتحليل وثائق عراقية دينية ودستورية وقانونية. وهو بحث فلسفي لا يصدر فتوى ولا يدعي استيعاب التاريخ السياسي للعراق.
الفصل الأول: تحرير المفاهيم
العقيدة، بالمعنى المحدد هنا، هي أصول الاعتقاد المتعلقة بالله والوجود والإنسان والغاية والمصير. أما الدين فهو أوسع؛ إذ يشمل، بحسب التصور الديني، العبادات والأحكام والقيم والواجبات والعلاقات. والمرجعية الأخلاقية الدينية هي الطريقة التي يستند بها المؤمن إلى ما يعتقده من مبادئ دينية عند تقويم أفعاله. أما التفسير البشري فهو فهم الإنسان للنصوص والأحكام، وقد يصيب أو يخطئ ويظل قابلًا للنقاش.
لا يصح الانتقال من القول إن الله هو أصل الوجود في العقيدة إلى القول إن موقفًا سياسيًا معينًا هو حكم الله من دون بيان مراحل الاستدلال. وقد يكون النزاع في بعض الحالات على تفسير النص لا على أصل الإيمان. لذلك لا تستمد جهة سياسية عصمة لمجرد أنها تتحدث باسم الدين.
الوطن قد يدل على المكان الذي ينشأ فيه الإنسان، أو المجتمع الذي تتكون فيه ذاكرته وعلاقاته، أو الدولة التي يحمل جنسيتها، أو فضاء حضاري يتجاوز الحدود السياسية الراهنة. والوطنية رابطة وجدانية وأخلاقية وسياسية تجاه الوطن وسكانه، وقد تتجسد في الخدمة العامة وحماية الحقوق والإسهام في الإصلاح. أما القومية فتتصل عادة بفكرة الأمة بوصفها جماعة تاريخية أو ثقافية أو لغوية أو إثنية. والدولة كيان قانوني ومؤسسي، والحكومة إدارة سياسية تتغير، والحزب تنظيم يتنافس على السلطة.
أستعمل الأصل والفرع هنا استعمالًا فلسفيًا إيمانيًا، لا بوصفه حكمًا فقهيًا جاهزًا من أبواب أصول الدين وفروعه. والمقصود أن الإيمان بالخالق، في الرؤية التي أتبناها، هو الأصل الذي أفهم من خلاله الوجود والغاية والمسؤولية، وأن الانتماء الوطني يأتي ضمن دوائر المسؤولية التي ينبغي أن تُقوَّم في ضوء ذلك الأصل. لا أعني أن حب الوطن لا وجود له إلا لدى المتدين، ولا أن الوطنية نشأت تاريخيًا من الدين وحده، ولا أن كل وطنية غير دينية باطلة.
إذا قصدنا بالأصل المصدر العقدي الذي يبدأ منه المؤمن في فهم العالم، فهذه دعوى داخلية في الرؤية الإيمانية. وإذا قصدنا أن كل إنسان، مهما كانت مرجعيته، يستمد التزامه الوطني من العقيدة الدينية، فهذه دعوى مختلفة وأوسع ولا تثبت بمجرد الإعلان عنها. وإذا قصدنا أن كل قرار وطني يجب أن يوافق تفسيرًا بشريًا بعينه للدين، فهذا أيضًا لا يلزم من أولوية العقيدة؛ لأن التفسير نفسه يحتاج إلى حجة.
سيُستخدم مصطلح «الأولوية العقدية» للدلالة على أولوية المرجعية الدينية لدى المؤمن عند الحكم على مشروعية الفعل، متى ثبت لديه أن المبدأ الديني واضح الدلالة ومرتبط مباشرة بالمسألة. أما «الوطنية» فتعني الاهتمام المشروع بسلامة المجتمع وحقوق سكانه ومصالحه العامة، لا الطاعة غير المشروطة للحكومة أو الحزب أو القومية. و«التعارض» هو تعارض حقيقي بين واجبين بعد التحقق من معناهما، لا مجرد اختلاف شعارات أو مصالح سياسية.
الفصل الثاني: ثبوت المبدأ وسلطة التفسير
لا يكفي في النزاع العام أن يعلن طرف أن موقفه «حكم العقيدة»؛ فهذه العبارة قد تشير إلى نص قطعي الدلالة، أو قاعدة فقهية مستنبطة، أو اجتهاد في تطبيق قاعدة على واقعة، أو تقدير سياسي يقدمه صاحبه بلغة دينية. وهذه مستويات مختلفة، ولا يجوز الانتقال من أحدها إلى الآخر من دون حجة معلنة.
أقترح التمييز بين أربع حلقات: ثبوت النص أو المصدر؛ ودلالته على المبدأ؛ وتحديد نطاق المبدأ وشروطه؛ ثم تنزيله على واقعة سياسية محددة. قد يكون النص ثابتًا بينما تكون دلالته محل اجتهاد، وقد يكون المبدأ مقبولًا بينما يختلف الناس في انطباقه على الحالة، وقد يتفقون على الحكم الديني ويختلفون في الوسيلة السياسية التي تحققه. الخلط بين هذه الحلقات يحوّل الخلاف السياسي إلى امتحان للإيمان، ويمنح التفسير البشري سلطة لا يثبتها النص وحده.
وهذا التقسيم ليس ادعاءً بابتكار أصول منهجية جديدة، بل هو صياغة تحليلية موجزة تستفيد من مباحث أصول الفقه: البحث في حجية المصدر وثبوته، والتمييز بين قطعي الدلالة وظنيها، والنظر في تنقيح المناط وتحقيقه عند تطبيق الحكم على الواقعة. كما ينبغي التمييز بين الحكم الشرعي كما يستنبطه الفقيه، والحكم الولائي أو القرار الإداري الذي يصدر ضمن صلاحية محددة، وبين القانون العام الذي يكتسب إلزامه من النظام الدستوري. وهذه المفاهيم ليست مترادفة، وتفاصيلها تختلف بين المدارس الأصولية؛ لذلك أستخدمها هنا بوصفها جسرًا تحليليًا محدودًا، لا تطابقًا اصطلاحيًا كاملًا بين المدارس. وفي أصول الفقه الإمامي، يمكن مراجعة مباحث الألفاظ وحجية الظهور في محمد رضا المظفر، أصول الفقه، ج 1، مباحث الألفاظ، ولا سيما أبواب العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين، ص 151–222؛ ومباحث الحجية في ج 2، ص 363–506 في طبعة مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، تحقيق عباس علي الزارعي السبزواري، 1422هـ. وتُذكر هذه الإحالة لتأصيل مباحث الدلالة والحجية، لا لنسبة مصطلح «الحكم الولائي» إلى هذا الموضع تحديدًا. أما الزحيلي فيُستفاد منه في العرض العام لأصول الفقه المقارن، ولا تُنسب إليه هنا معالجة خاصة للحكم الولائي الإمامي دون نص مباشر.
من هنا لا أتعامل مع «ثبات المبدأ» بوصفه وصفًا يمنحه صاحبه لنفسه، بل بوصفه ادعاءً يحتاج إلى بيان نوع الدليل، ودرجة دلالته، والاختصاص العلمي لمن يفسره، وحدود الاتفاق والخلاف بين أهل الاختصاص. وفي المسائل الفقهية يرجع النظر إلى مناهج الاستنباط والمرجعيات المعترف بها داخل التقليد المعني؛ أما في القانون العام، فتُبحث أيضًا صلاحيات المؤسسات الدستورية والإجراءات الملزمة. لا يلغي أحد المسارين الآخر تلقائيًا، لكن لا يجوز افتراض التطابق بينهما.
ويزداد الأمر تعقيدًا في مجتمع متعدد المذاهب والأديان؛ فالمرجعية التي يلتزم بها مؤمن قد لا تكون مرجعية ملزمة لمواطن آخر. ويمكن للمؤمن أن يلتزم دينيًا بمرجعيته، مع إقراره بأن الدولة تدير حقوقًا مشتركة لمواطنين لا يتشاركون جميعًا العقيدة أو التفسير نفسه. لذلك ينبغي التمييز بين ما يلزم الفرد في ضميره الديني، وما يمكن فرضه قانونًا على جميع المواطنين، وما يحتاج إلى حوار سياسي ودستوري.
هذه ليست دعوة إلى مساواة كل التفسيرات أو إلغاء سلطة المعرفة الدينية، بل إلى منع احتكار التفسير من دون حجة. فالقول إن العقيدة مرجعية أعلى لا يجيب وحده عن سؤال: أي تفسير للعقيدة؟ ومن يملك صلاحية الفصل؟ وما الضمانات التي تمنع تحويل الاجتهاد البشري إلى أداة لإقصاء المختلف أو تحصين السلطة من النقد؟ هذه الأسئلة هي الجسر الضروري بين الأطروحة الإيمانية والفلسفة السياسية.
الفصل الثالث: القرآن الكريم — الانتماء والعدل والولاء
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). تضع الآية اختلاف الشعوب والقبائل داخل أفق التعارف، وتربط الكرامة عند الله بالتقوى، لا بمجرد النسب أو الانتماء. ويمكن الاستفادة منها في نقد التعصب الذي يجعل هوية الجماعة دليلًا على التفوق الأخلاقي. لكنها لا تنص على إلغاء الانتماءات الخاصة أو الواجبات تجاه الأسرة والمجتمع والوطن.
يقول تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8)، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90). في هذين النصين أساس واضح لرفض تعطيل العدل بسبب الكراهية أو الخصومة. وإذا كان الانتماء الوطني يدفع إلى ظلم جماعة أخرى، فلا يكفي وصف القرار بأنه يخدم الوطن لإثبات مشروعيته.
يقول تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا…﴾ (التوبة: 24). يمكن الاستئناس بالآية في مناقشة تقديم المصالح المحبوبة على التكليف. ولا تجعل الآية كل محبة للوطن مذمومة، كما لا تساوي تلقائيًا بين الوطن وبين الأشياء المذكورة فيها. موضع الاستدلال هو الحالة التي تتحول فيها المحبة أو المصلحة إلى سبب لتقديمها على ما يعتقد المؤمن أنه واجب ديني ثابت.
تفرق الآيتان 8 و9 من سورة الممتحنة بين من لم يقاتل المسلمين بسبب الدين ولم يخرجهم من ديارهم، وبين من قاتلهم وأخرجهم وظاهر على إخراجهم. ويستفاد من هذا التفريق أن العلاقة بالآخر لا تُبنى على الهوية وحدها، بل تتصل بالسلوك والعدوان والعدل. ولا يصح تحويل الآيتين إلى نظرية قانونية كاملة للمواطنة الحديثة من دون دراسة تفسيرية وفقهية.
تتحدث آيتا البقرة 30 والأنعام 165 عن الخلافة في الأرض، ويمكن أن تكونا منطلقًا للتفكير في مسؤولية الإنسان تجاه الأرض. لكنهما لا تثبتان بذاتهما بطلان الحدود السياسية أو انعدام الحقوق القانونية. منهجي هنا أن أميز بين ما يقوله النص صراحة، وما أستنبطه منه، وما أضيفه بوصفه تطبيقًا معاصرًا.
الفصل الرابع: أهل البيت عليهم السلام — من الانتماء إلى المسؤولية
في عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر، الوارد في نهج البلاغة، الكتاب 53، ترد العبارة المشهورة: «فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق» (الشريف الرضي، نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، ط4، 2004، ص 427). ترد العبارة في سياق توجيه الحاكم إلى الرعية، وتذكّر بأن اختلاف الناس في الدين لا يسقط الاعتبار الإنساني. ومن وجهة نظري، لا يمكن أن تكون الوطنية الأخلاقية وفية لهذا المبدأ إذا جعلت حقوق الناس رهينة انتمائهم إلى جماعة الأغلبية.
لا أزعم أن العبارة تقدم بمفردها دستورًا حديثًا بكل تفاصيله، ولا أن مدلولها يطابق مباشرة مفاهيم المواطنة الدستورية المعاصرة. إنما أتعامل معها بوصفها مبدأً أخلاقيًا يمكن أن يساهم في تقويم السلطة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، مع بيان الانتقال من النص إلى التطبيق الحديث.
في الدعاء السابع والعشرين من الصحيفة السجادية، المعروف بدعاء أهل الثغور، نجد دعاءً لحماية الثغور وتقوية من يتولون الدفاع عنها، مع طلب العلم والبصيرة والصبر والتدبير لهم (علي بن الحسين زين العابدين، الصحيفة السجادية الجامعة، تحقيق محمد باقر الموحد الأبطحي، قم: مؤسسة الإمام المهدي ومؤسسة الأنصاريان للطباعة والنشر، ط1، 1415هـ، الدعاء 27). وهو نص مهم لأنه يُظهر أن حماية الجماعة والدفاع عنها يمكن أن يُفهما ضمن خطاب تعبدي وأخلاقي. ولا أثبت رقم صفحة لهذا الدعاء قبل مقابلة النسخة المطبوعة نفسها؛ لأن ترقيم الصفحات يختلف باختلاف الطبعات. كما لا يجوز مساواة «الثغور» في سياق النص مباشرةً بالدولة الوطنية الحديثة بكل مؤسساتها وحدودها. أما تحديد أحكام الدفاع المعاصرة وشروطه والجهة المخولة به، فمسألة فقهية وقانونية مستقلة لا يحسمها الدعاء وحده.
يحتاج الحكم الفقهي إلى مصادره وأدواته: النصوص، ودلالاتها، وأسانيد الروايات عند الاقتضاء، ومناهج الاستنباط، وآراء الفقهاء. لذلك لا يقدم هذا البحث فتوى بأن الوطنية واجبة أو مستحبة أو فرع فقهي محدد من العقيدة. كما أن عبارة «حب الوطن من الإيمان» شائعة في التداول، لكن لا ينبغي الاستشهاد بها بوصفها حديثًا صحيحًا من دون تخريج معتبر. والأقوال المنسوبة إلى الإمام علي عليه السلام عن حب الأوطان تحتاج إلى تحديد المصدر واللفظ والسياق.
الفصل الخامس: الفلسفة السياسية وأقوى الاعتراضات
يرى ألاسدير ماكنتاير في محاضرته «هل الوطنية فضيلة؟» أن الوطنية ترتبط بولاء خاص لجماعة تاريخية بعينها، وأن هذا الولاء يثير سؤالًا فلسفيًا عن إمكان تبريره أخلاقيًا عندما تتعارض مصالح الجماعة مع مصالح غيرها (MacIntyre, 1984). وفق هذا الاتجاه، لا تكون الوطنية مجرد عاطفة؛ لكن الاعتراف بأثر الجماعة في تكوين الفرد لا يثبت أن الدولة القومية هي المرجعية الأخلاقية العليا، ولا أن كل تقليد موروث عادل.
تدافع اتجاهات في الفلسفة المعاصرة عن وطنية تمنح أبناء الوطن اهتمامًا خاصًا من دون أن تجعل مصالحهم مبررًا لانتهاك حقوق الآخرين. ويميز ستيفن ناثانسون بين الوطنية المعتدلة وصورها التي تفضي إلى الشوفينية أو العداء للآخرين، بينما يجمع كتاب إيغور بريموراتز المحرر مقاربات متعددة للمسألة (Nathanson, 1989, 1993; Primoratz, 2002). ويُظهر هذا النقاش أن السؤال ليس هل كل ولاء خاص مذموم، بل ما الشروط التي تجعله متناسبًا مع العدالة والالتزامات تجاه غير المواطنين.
أقوى ما في الوطنية المعتدلة أنها تفسر لماذا قد يكون للإنسان واجب خاص تجاه جيرانه ومواطنيه، من غير أن تنفي واجباته تجاه البشر الآخرين. لكنها تحتاج إلى معيار يحدد متى تكون الأولوية الخاصة مشروعة ومتى تتحول إلى محاباة أو ظلم. المؤمن يستطيع أن يجد هذا المعيار في العقيدة، لكن غير المؤمن قد يستند إلى نظرية أخلاقية أخرى. اختلاف المصدر لا يبطل تلقائيًا النتائج التي يتفق عليها الطرفان.
تربط الوطنية الدستورية الولاء السياسي بالمبادئ والمؤسسات والحقوق التي تنظم الحياة المشتركة، لا بالأصل العرقي أو المذهبي وحده. وهي تقدم اعتراضًا مهمًا على من يجعل العقيدة شرطًا لكل انتماء وطني؛ إذ يمكن لمواطنين مختلفين في الدين والفلسفة أن يتفقوا على المساواة أمام القانون، ورفض الفساد، وصيانة الحريات، والمشاركة في الشأن العام.
هذا الاعتراض لا يفرض على المؤمن التخلي عن أولوية عقيدته في حياته الأخلاقية. ويقتضي الدستور العراقي قراءة المادة الثانية كاملة: فالإسلام دين الدولة الرسمي ومصدر أساس للتشريع، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، كما لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية أو الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الدستور. وتضمن الفقرة الثانية الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، مع ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد وحرية العقيدة والممارسة الدينية (دستور جمهورية العراق، 2005، المادة 2). لا يكفي عزل أحد هذه الشروط عن الشرطين الآخرين؛ بل يتطلب البحث القانوني دراسة كيفية تفسيرها وتطبيقها ضمن النظام الدستوري.
يرى الاعتراض الكوني أن القيمة الأساسية للإنسان لا تتحدد بجنسيته، وأن مصلحة مواطن بعيد لا تصبح أقل قيمة لمجرد أنه يعيش خارج الحدود. وهو يذكّر بأن الوطنية قد تتحول إلى تحيز إذا أعطت مصلحة أبناء الوطن وزنًا مطلقًا. غير أن الكونية لا تقتضي بالضرورة محو كل الروابط الخاصة؛ فالمسؤولية عن الأسرة والجيران والمجتمع يمكن أن تكون واجبًا إضافيًا لا إنكارًا لكرامة الآخرين.
ينبغي أن يواجه البحث سؤالًا لا يجوز تجاوزه: كيف تبدو الأطروحة لمواطن غير مسلم أو غير متدين أو من أقلية قومية؟ إذا قيل له إن وطنيته لا تكون مشروعة إلا إذا استندت إلى عقيدة لا يؤمن بها، فإن البحث يكون قد افترض النتيجة التي يريد إثباتها. أما إذا كان المقصود أن المؤمن نفسه يرى العقيدة مرجعًا أعلى لتنظيم التزامه الوطني، فلا يلزم من ذلك إنكار صدق المواطنة لدى الآخرين. الأولى أطروحة داخلية يمكن الدفاع عنها ضمن مقدماتها؛ والثانية دعوى عامة تحتاج إلى حجة مستقلة.
وتربط الأدبيات المعاصرة الوطنية الدستورية بالولاء للمبادئ والمؤسسات الدستورية، وقد طُوّر المفهوم في نقاشات لاحقة عن الهوية السياسية بعد الحرب. ويعتمد هذا العرض على دراسة مولر التمهيدية وعلى المدخل الأكاديمي عن هابرماس في موسوعة ستانفورد للفلسفة، لا على إحالة غير محددة إلى نص أولي لهابرماس (Müller, 2008; Finlayson & Rees, 2024).
وفي الطرف الكوني من النقاش، تنتقد مارثا نوسباوم الوطنية حين تتحول إلى تفضيل أخلاقي غير مبرر لمجرد أن جماعة ما «جماعتي»، وتدافع عن توسيع دائرة المسؤولية إلى البشر عمومًا؛ بينما يبيّن كوامي أنتوني أبياه أن الانتماء المحلي والاهتمام الكوني ليسا بالضرورة نقيضين (Nussbaum, 1994; Appiah, 1997). لا تحسم هذه المواقف السؤال الديني، لكنها تمنع افتراض أن الوفاء للوطن يستلزم إهمال الإنسان خارج الحدود، أو أن المسؤولية الإنسانية تقتضي محو كل رابطة خاصة.
وفي الفكر الإسلامي المعاصر، يقدم محمد باقر الصدر نموذجًا لبناء نظرية سياسية تربط التصور الديني بمسألة الدولة والدستور ومصادر الشرعية، كما تظهر كتاباته في «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية» (الصدر، د.ت.). ويعرض محمد حسين فضل الله في كتاباته وحواراته أسئلة شكل الدولة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية ومصطلحات السياسة الحديثة (فضل الله، 2014). تظهر هذه الأعمال أن العلاقة بين المرجعية الدينية والنظام السياسي مسألة خلاف فكري وفقهي، وأن الاستفادة منها تقتضي مقارنة نصوصها الأصلية وسياقاتها، لا جمع أصحابها تحت موقف واحد.
تختلف هذه المشاريع في سؤال مصدر الشرعية وحدود دور المرجعية وآليات تنظيم السلطة؛ لذلك لا يصح دمجها في رأي واحد. وتُقرأ كتابات الصدر عن مشروع الدستور بوصفها بناءً فقهيًا دستوريًا داخل سياق الجمهورية الإسلامية، بينما تُقرأ كتابات فضل الله عن الحكم والدولة والعدالة ضمن اشتغاله على مفاهيم السياسة الحديثة والاجتماع. وتكمن فائدة المقارنة في تحديد مواضع الاتفاق والاختلاف في النصوص نفسها، لا في الاكتفاء بتصنيف المفكرين بحسب انتمائهم الديني.
ولإظهار أن سؤال «من يملك التفسير؟» ليس سؤالًا نظريًا مجردًا، ينبغي مقارنة نماذج مختلفة بدل اختزالها في ثنائية عامة. ففي الدستور الإيراني، تنص المواد 5 و57 على موقع الولي الفقيه وولاية الأمر ضمن بنية السلطة، وتصف المادة 57 السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بأنها تعمل تحت إشراف الولاية المطلقة للأمر والإمامة. في المقابل، يقدم ميرزا محمد حسين النائيني في «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» دفاعًا عن تقييد الاستبداد بالحكم الدستوري والتمثيل والرقابة، ويرى في النظام الدستوري أقلّ ضررًا من الاستبداد المطلق في ظروف غيبة الإمام. لا تمثل هذه المقارنة وصفًا شاملًا لكل آراء النجف أو إيران اليوم، ولا يجوز مساواة موقف المرجعية العراقية المعاصرة بنظرية النائيني دون نصوص مباشرة؛ لكنها تكشف أن الفكر الشيعي السياسي نفسه ناقش حدود السلطة الدينية ووسائل منع الاستبداد. (النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، تحقيق عبد الكريم آل نجف وتعريب عبد المحسن آل نجف، مكتبة الإسكندرية، 2012، ص 99–130، 145–156؛ دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المادتان 5 و57).
الفصل السادس: اختبار الحجة المركزية — هل العقيدة أصل والوطنية فرع؟
المعيار المقترح: من الالتزام الشخصي إلى الإلزام العام
أقترح فحص أي مطالبة بتحويل واجب ديني إلى قاعدة عامة عبر أربع حلقات: (1) الثبوت: ما مصدر النص أو القاعدة، وما درجة ثبوته؟ (2) الدلالة: هل دلالته قطعية أم ظنية، وما القرائن والقيود ذات الصلة؟ (3) النطاق والتنزيل: هل تنطبق القاعدة على الواقعة المعينة، أم يجري نقلها إلى مجال لم يثبت شمولها له؟ (4) الاختصاص والإلزام: من يملك إصدار قرار عام ملزم وفق النظام القانوني، وما طريق الطعن والمراجعة؟ هذه الخطوات تستفيد من أسئلة أصول الفقه في الحجية والدلالة وتحقيق موضوع الحكم، ثم تضيف إليها سؤال الاختصاص العام الذي لا يحسمه الاستنباط الفقهي وحده.
وتطبيقًا على المادة الثانية من الدستور العراقي، لا يكفي أن يستشهد طرف بعبارة «ثوابت أحكام الإسلام»؛ بل يلزمه تحديد الحكم المدعى، ومصدره ودرجة دلالته، وبيان وجه انطباقه على القانون محل النزاع. ثم يُبحث التعارض ضمن المادة الثانية كاملة، بما فيها قيدا الديمقراطية والحقوق والحريات، وتُحال مسألة دستورية القانون إلى المحكمة المختصة وفق الدستور. وهذا لا يجعل المحكمة مصدرًا للعقيدة أو بديلًا عن الاجتهاد الديني؛ بل يحدد وظيفتها في تقرير الأثر القانوني العام داخل النظام الدستوري، مع بقاء البحث الفقهي مجالًا مستقلًا في حدوده وأدواته.
يتطلب اختبار الأطروحة أكثر من تقرير أولوية المبدأ الديني على مصلحة وطنية محدودة. فالمسألة المنهجية هي تحديد مصدر المبدأ ودلالته، وبيان صلته بالواقعة، وتحديد الجهة التي تملك تفسيره في المجال المعني. ويمكن فحص الحجة عبر أربعة شروط مترابطة: أن يحدد المؤمن المبدأ الذي يحتكم إليه ومصدره؛ وأن يبيّن وجه دلالته على المسألة؛ وأن يوضح سبب انطباقه على الواقعة؛ وأن يميز بين الالتزام الشخصي الذي يفرضه ضميره وبين ما يحق له إلزام سائر المواطنين به قانونًا. إذا غاب أحد هذه الشروط، فقد يكون الخلاف في التفسير أو التطبيق لا في أصل العقيدة.
هذه الحجة لا تقول إن كل وطنية في العالم مشتقة تاريخيًا أو نفسيًا من الدين، ولا إن غير المؤمن عاجز عن بناء التزام وطني. إنها تفسر كيف يفهم المؤمن التزامه هو: إذا ثبت لديه مبدأ ديني بدليل معتبر، ورأى أن المصلحة الوطنية المطروحة تصطدم به فعلًا، فإنه لا يستطيع منح تلك المصلحة أولوية مطلقة من دون مراجعة مقدماته الإيمانية. لكن إثبات التعارض نفسه يحتاج إلى استدلال، ولا يكفي فيه إطلاق شعار «العقيدة أولًا».
لا تثبت الحجة أولوية تفسير سياسي بعينه لمجرد أنه ديني. أقصى ما تثبته، إذا قُبلت مقدماتها وتحقق التعارض فعلًا، أن المؤمن يجعل المرجعية الدينية معيارًا أعلى في ضميره؛ أما تحديد الحكم وتطبيقه على المجتمع فيحتاج إلى تبرير مستقل، مع مراعاة الاختصاص الفقهي والحدود الدستورية وحقوق المواطنين.
لا أتعامل مع عبارة «من قدّم الوطن على العقيدة خسر الاثنين معًا» بوصفها قولًا مأثورًا أو نصًا دينيًا أو نتيجة منطقية عامة. والأدق أن يقال: قد يؤدي تقديم مصلحة وطنية ضيقة على مبدأ أخلاقي ثابت إلى الإضرار بالالتزام الديني وبالمجتمع، لكن هذا الحكم يتوقف على ثبوت المبدأ، وصحة تفسيره، وطبيعة المصلحة، ووجود تعارض حقيقي بينهما. أما خدمة المواطنين أو نقد الحكومة أو اختيار وسيلة سياسية مختلفة فلا يثبت بذاته أنه تقديم للوطن على العقيدة.
والمعيار الذي أدافع عنه ليس إدانة كل من يختار قرارًا وطنيًا مختلفًا، بل مطالبة صاحب القرار بتقديم أسبابه. فإذا كان التعارض حقيقيًا ومثبتًا، وكانت المصلحة المطروحة ضيقة أو ظالمة، فعلى المؤمن مراجعة اختياره في ضوء ما يعتقده من تكليف. أما إذا كان الخلاف في تفسير النص أو في تقدير الوقائع أو في الوسيلة الأنجع لتحقيق مقصد أخلاقي، فلا يجوز تحويل الاختلاف إلى حكم على إيمان الأشخاص.
الاعتراض الأقوى هو أن الوطنية قد تكون مؤسسة على عقد اجتماعي أو دستور أو نظرية في العدالة، فلا تكون فرعًا من العقيدة. والجواب المنضبط ليس إنكار إمكان ذلك، بل تحديد مجال الدعوى. لا أحتاج، لإثبات موقفي الشخصي، إلى إثبات أن كل إنسان يستمد وطنيته من الدين. ما أحتاجه هو بيان لماذا يرى المؤمن أن العقيدة مرجعيته العليا، وكيف تترجم هذه المرجعية إلى واجبات وطنية محددة، ولماذا لا تسمح له بتبرير الظلم باسم الوطن.
الفصل السابع: العراق — فتوى الدفاع الكفائي والمرجعية والدولة
في خطبة الجمعة التي ألقاها ممثل المرجعية الدينية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الصحن الحسيني يوم 13 حزيران 2014، ورد أن التصدي لتنظيم داعش مسؤولية تشمل العراقيين ولا تختص بطائفة دون أخرى، وأن الدفاع عن العراق وأهله ومقدساته واجب كفائي، وأن القادرين على حمل السلاح عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية (الكربلائي، 2014). هذا هو المصدر المعاصر المباشر لتاريخ النداء ومضمونه. أما خطاب الذكرى الخامسة المنشور عام 2019 فيوثق استعادة المرجعية للحدث وتقييمها اللاحق له، ولا يُستخدم بديلًا عن نص 2014 عند تأريخ الواقعة (مكتب السيستاني، 2019).
تدل هذه الحالة على أن الانتماء الديني والوطني قد يتساندان بدل أن يتصارعا: فقد صيغ الدفاع عن البلد وأهله ومقدساته بوصفه واجبًا كفائيًا، وربط الخطاب بين حماية العراق وحماية السكان والمقدسات. لكن هذا التساند في حالة محددة لا يثبت أن كل مطلب وطني ديني، أو أن كل جهة ترفع شعار الدفاع عن الوطن تملك الشرعية نفسها. فالحكم على الحالات اللاحقة يحتاج إلى فحص مستقل للأهداف والوسائل والسلطة القانونية والنتائج.
وفي توضيح مؤرخ في 14 حزيران 2016 بشأن معنى الدفاع الكفائي وآليات التطوع، نُقلت عن مكتب المرجعية أربع نقاط عملية، أبرزها أن التطوع يكون عبر الآليات الرسمية وبالتنسيق مع السلطات الحكومية، وأن الجهات الرسمية تحدد أعداد المطلوب تطوعهم، وأن المهمة تتطلب القدرة والتدريب (موقع فتوى الدفاع المقدسة، 2016). لهذا التوضيح أهمية في فهم حدود النداء من الناحية المؤسسية: فهو يربط الاستجابة الدفاعية بالقنوات الرسمية، ولا يمنح أي جماعة حقًا مستقلًا في تنظيم القوة أو تجاوز الدولة. ويظل هذا التوضيح اللاحق وثيقة مستقلة عن نص خطبة 2014.
وتقدم مواقف المرجعية من كتابة الدستور مثالًا سابقًا على حدود التفويض السياسي. ففي أجوبة منشورة في موقع مكتب السيد السيستاني ومؤرخة في 4 جمادى الآخرة 1424هـ (2003)، ورد رفض تعيين أعضاء لجنة كتابة الدستور من قبل جهة غير منتخبة، والتأكيد أن اختيارهم ينبغي أن يتم عبر صناديق الاقتراع، مع الإقرار بحق المرجعية في إبداء الرأي في المنعطفات المهمة، ومنها إعداد الدستور الدائم (مكتب السيستاني، 2003). تكمن أهمية هذا النص في الجمع بين إسهام المرجعية في النقاش العام وبين عدم إحلالها محل الاختيار الشعبي في تشكيل هيئة كتابة الدستور. وهو شاهد مباشر على أن التأثير الديني في الحياة العامة لا يستلزم احتكار التمثيل السياسي.
تسمح الحالة بصياغة سؤال البحث بدقة أكبر: إذا استند شخص إلى مرجعية دينية في قرار ذي أثر عام، فهل تكفي قناعته الشخصية لإلزام الآخرين؟ أميز هنا بين ثلاثة مستويات: التكليف الديني كما يفهمه المكلف؛ والتوجيه الصادر عن المرجعية التي يتبعها؛ والقرار القانوني الذي تنظمه مؤسسات الدولة. قد تتلاقى هذه المستويات، كما في دعوة الدفاع عبر القوات الأمنية، لكنها ليست شيئًا واحدًا من حيث المصدر أو نطاق الإلزام أو المساءلة.
وتزداد أهمية التمييز حين يكون الولاء عابرًا للحدود. فالتضامن الديني أو الحضاري مع جماعة خارج العراق قد يكون التزامًا أخلاقيًا أو دينيًا عند صاحبه، لكنه لا يمنحه تلقائيًا حق تجاوز القانون العراقي أو تقرير سياسة الدولة الخارجية أو استخدام القوة من دون تفويض قانوني. وبالمقابل، لا يجوز للدولة أن تصف كل تضامن عابر للحدود بالخيانة؛ بل ينبغي أن تميز بين الرأي والتبرع والعمل الإنساني والارتباط السياسي وبين الأفعال التي تخالف القانون أو تنتهك حقوق الآخرين. معيار التقييم هو الفعل والدليل والقانون، لا مجرد اتساع دائرة الانتماء.
وبالعودة إلى المعيار الرباعي المعروض في الفصل السادس، يتضح أن صحة الاستدلال الديني لا تحسم وحدها مسألة الاختصاص القانوني، كما أن صدور حكم قضائي لا يحسم بذاته كل نقاش لاهوتي أو أصولي. وظيفة المعيار هي فصل مستويات السؤال، وإلزام كل طرف بإظهار حجته في المجال الذي يملك فيه الاختصاص.
وقد يُعترض بأن إخضاع القرار للمراجعة القضائية يجعل الاجتهاد الديني خاضعًا لمرجعية علمانية. والجواب أن المراجعة المقصودة لا تفصل في صحة إيمان الفرد ولا تحل محل الفقيه في استنباط التكليف؛ إنها تفحص ما إذا كان قد جرى تحويل تفسير بعينه إلى إلزام قانوني عام، وما إذا صدر ذلك الإلزام عن جهة مختصة وبما ينسجم مع الدستور والحقوق. يبقى الخلاف الفقهي قائمًا في مجاله، بينما يُحسم الأثر القانوني العام عبر المؤسسات التي يحددها الدستور.
وتترتب على ذلك قاعدة منهجية: لا يجوز الاستدلال من صدور نداء دفاعي على تفويض دائم ومفتوح باستخدام القوة، كما لا تكفي الصفة القانونية لمؤسسة لإثبات قانونية كل فعل يُنسب إليها. ينبغي التمييز بين نص الفتوى، والتفسير المؤسسي اللاحق، والقانون الذي ينظم التشكيل، والوقائع المنسوبة إلى جهة محددة. لكل مستوى مصدره ومعيار إثباته، ولا يصح أن يحل أحدها محل الآخر.
ويصبح الاختبار أكثر صعوبة عند الانتقال من نداء الدفاع الكفائي إلى هيئة الحشد الشعبي بوصفها تشكيلًا قانونيًا، ثم إلى الفصائل أو الأفعال التي قد يُحتج فيها بالفتوى. فقانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 ينص في المادة الأولى على أن الهيئة تتمتع بالشخصية المعنوية، وتعد جزءًا من القوات المسلحة العراقية، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. كما يتضمن النص أحكامًا عن خضوع التشكيل للقوانين العسكرية، وفك ارتباط منتسبيه عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، وعدم السماح بالعمل السياسي في صفوفه، وأن يتألف من مكونات الشعب العراقي بما يضمن تطبيق المادة 9 من الدستور (قانون هيئة الحشد الشعبي، 2016، المادة 1). هذه أحكام قانونية قابلة للفحص، لكنها لا تثبت بذاتها مدى امتثال كل تشكيل أو فرد لها. لذلك يجب، عند مناقشة فصيل بعينه، تسمية الجهة والفعل محل البحث، وتحديد وضعها القانوني وسلسلة قيادتها، والاستناد إلى أدلة موثقة؛ فلا الفتوى تبرر تلقائيًا كل فعل لاحق، ولا القانون وحده يثبت أن كل ممارسة مطابقة له.
وتوفر المادة الثانية من الدستور العراقي نقطة اختبار مركزية. فهي تقرر أن الإسلام دين الدولة الرسمي ومصدر أساس للتشريع، ثم تورد في الفقرة الأولى ثلاثة قيود متجاورة: لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الدستور. وتضمن الفقرة الثانية الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، مع ضمان الحقوق الدينية لجميع الأفراد وحرية العقيدة والممارسة الدينية (دستور جمهورية العراق، 2005، المادة 2). ولا يجيز النص اقتطاع أحد القيود وإهمال الآخرين؛ لكنه لا يشرح وحده كيفية حل كل تعارض تطبيقي. هنا تبدأ مسؤولية التفسير: تحديد معنى المصطلحات الدستورية، وبيان حجج التأويل، والنظر في اختصاص المؤسسات المخولة بتطبيق الدستور.
تظهر أهمية القضاء الدستوري في اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور، وفي كون قراراتها باتة وملزمة للسلطات كافة وفق المواد 93 و94. ولا أستند في هذه النسخة إلى رقم قرار قضائي بعينه قبل مقابلة نصه الكامل ومنطوقه وأسبابه مع النسخة المنشورة في موقع المحكمة الرسمي؛ لأن الخطأ في رقم القرار أو موضوعه قد يغيّر دلالة المثال. لذلك يظل الاستدلال هنا مؤسسًا على النص الدستوري الرسمي، وتُضاف سابقة قضائية محددة فقط بعد التحقق المستقل من بياناتها.
تُقرأ المادة الثانية ضمن البنية الدستورية الأوسع. فالمادة 13 تقرر سمو الدستور، والمادة 14 المساواة أمام القانون، والمادة 42 حرية الفكر والضمير والعقيدة، والمادة 43 حرية ممارسة الشعائر الدينية، بينما تتصل المادة 110 بالاختصاصات الاتحادية، ومنها سياسة الأمن الوطني والدفاع (دستور جمهورية العراق، 2005). لا تعني هذه الإحالات أن النصوص متطابقة في وظيفتها؛ بل إن لكل مادة مجالًا ينبغي تحديده، ثم بحث العلاقة بينها عند ظهور نزاع دستوري. وبهذا يصبح الاستدلال الدستوري عملية تفسير معللة، لا انتقاء مادة واحدة لتقرير النتيجة مسبقًا. وتضيف المادة 92/ثانيًا بُعدًا مهمًا إلى سؤال «من يملك التفسير؟»، إذ ينص الدستور على أن تتكون المحكمة الاتحادية العليا من قضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء قانون، وينظم القانون طريقة الاختيار والعمل. يدل ذلك على أن البنية الدستورية نفسها تعترف بالحاجة إلى خبرة فقهية وقانونية في عمل المحكمة؛ لكنه لا يلغي ضرورة التمييز بين الخبرة الفقهية، والاختصاص القضائي، والأثر الملزم للقرار الذي تصدره المحكمة، وهو أثر تقرره المادة 94. (دستور جمهورية العراق، 2005، المواد 92–94).
في التطبيق الدستوري، لا يكفي أن يعلن طرف أن موقفًا ما يمثل «ثوابت أحكام الإسلام»، كما لا يكفي أن يصفه طرف آخر بأنه مطلب ديمقراطي أو حق أساسي. يجب بيان معنى الادعاء ومصدره، وتحديد النص الدستوري ذي الصلة، وتمييز الرأي الفقهي عن الحكم القانوني الملزم. وعندما يصل النزاع إلى جهة قضائية مختصة، تصبح قراراتها وأسبابها جزءًا من مادة التحليل. أما هذا البحث فيقدم إطارًا فلسفيًا لفهم مسؤولية التفسير، ولا ينسب إلى نفسه حسم مسائل دستورية لم تُبحث أحكامها القضائية تفصيلًا.
أما الفكر الإسلامي السياسي المعاصر فلا يقدم إجابة واحدة عن تنظيم العلاقة بين المرجعية والأمة والدولة. فكتابات الصدر حول الدستور الإسلامي تسعى إلى بناء تصور فقهي لمصادر السلطة وشكل الدولة (الصدر، د.ت.)، بينما تفتح مناقشات فضل الله حول الحكم والدولة والديمقراطية مجالًا لبحث المصطلحات السياسية الحديثة والعدالة الاجتماعية (فضل الله، 2014). ينبغي أن تُقرأ هذه المشاريع في سياقها التاريخي والفقهي، وأن تُقارن بمفهوم المواطنة الدستورية، لا أن تُختزل في موقف واحد ينسب إلى «الفكر الإسلامي» كله.
وبناءً على ذلك، لا أستخلص من تجربة 2014 أن كل تعارض بين الدين والوطن قد زال، ولا أن المرجعية الدينية تحل محل الدولة، ولا أن الدولة مستقلة أخلاقيًا عن النقد. أستخلص نتيجة أضيق: يمكن للمرجعية الدينية أن تسهم في تعبئة أخلاقية لحماية المجتمع، لكن شرعية التطبيق العام تتطلب وضوح التكليف، وتحديد الجهة المسؤولة، واحترام القانون، والمساءلة عن الوسائل والنتائج. هذه هي النقطة التي تجعل الحالة العراقية اختبارًا للأطروحة لا مجرد مثال مؤيد لها.
الفصل الثامن: حالات اختبارية
الحالة الأولى: خدمة وطنية مشروعة. إذا طُلب من المواطن أن يساهم في إغاثة المتضررين، أو حماية الممتلكات العامة، أو مكافحة الفساد، أو الدفاع القانوني عن المجتمع، فلا يظهر تعارض ضروري بين الوطنية والعقيدة. وقد يفسر المؤمن هذا العمل بوصفه وفاءً ومسؤولية، بينما يفسره غير المؤمن من خلال واجب مدني أو أخلاقي.
الحالة الثانية: مطالبة باسم الوطن تتضمن ظلمًا. إذا طُلب من المواطن أن يحرم حقًا على جماعة بسبب دينها أو قوميتها، أو أن يتستر على فساد لأن مرتكبه من أبناء جماعته، فإن وصف الطلب بأنه وطني لا يكفي لتبريره. في التصور الإيماني، يجب اختبار الطلب بمبادئ العدل والحق. وفي الإطار الدستوري، يجب فحصه في ضوء المساواة والحقوق والقانون.
الحالة الثالثة: نقد الحكومة. قد ينتقد المواطن الحكومة لأن قراراتها تضر بالمجتمع أو تهدر المال العام. لا يكون النقد خيانة بمجرد أنه يزعج السلطة؛ بل يتحدد تقييمه بمضمونه وأدلته ووسائله. وبالمقابل، لا يصبح كل خطاب معارض صحيحًا لمجرد أنه معارض. المعيار هو الدليل والحقوق والمسؤولية، لا الولاء الأعمى لأي طرف.
الحالة الرابعة: المواطنة المتساوية والتضامن خارج الحدود. إذا كان المواطن غير مسلم أو لا يتبنى مرجعية دينية، فإن حقه في المواطنة لا ينبغي أن يُختزل في موافقة الأغلبية على معتقده. وفي الوقت نفسه، لا تمحو الحدود الإنسانية عن إنسان خارج الوطن؛ فقد تكون للمواطن واجبات خاصة تجاه مجتمعه، مع بقاء واجباته الإنسانية تجاه الآخرين. ويُبحث التوازن في ضوء القدرة والحقوق والظروف، لا على أساس إقصاء المختلف.
الحالة الخامسة: خلاف بين مرجعيتين في واجب ديني ذي أثر عام.
افترض أن مرجعيتين دينيتين اختلفتا في تفسير واجب يترتب على تنفيذه أثر عام، مثل الدعوة إلى إغلاق طريق رئيسي أو تعليق نشاط عام في ظرف محدد. هذه حالة اختبارية افتراضية لا تنسب موقفًا بعينه إلى مرجع حقيقي. في حلقة الثبوت، يُطلب النص الأصلي لكل رأي والتأكد من نسبته وسياقه؛ وفي حلقة الدلالة، يُبحث هل يتحدث الرأي عن تكليف شخصي أم توصية أم إلزام عام، وهل دلالته قطعية أم اجتهادية؛ وفي حلقة النطاق والتنزيل، تُفحص الوقائع والضرر المتوقع والبدائل المتاحة، فلا يُفترض أن الحكم على حالة ينطبق تلقائيًا على كل حالة مشابهة؛ وفي حلقة الاختصاص، يُميّز بين حق المكلّف في اتباع مرجعه وبين سلطة جهة عامة في تنظيم الطريق أو النشاط وفق القانون. إذا بقي الخلاف الفقهي قائمًا، فلا يملك أحد الطرفين بمجرد صدور رأيه أن يفرضه قانونًا على جميع المواطنين؛ ويظل القرار الإداري قابلًا للمراجعة وفق قواعد الاختصاص والتناسب والحقوق. يبيّن المثال أن المعيار لا يحسم الخلاف الفقهي نفسه، لكنه يمنع القفز من وجود رأي ديني إلى افتراض وجود سلطة عامة بالإلزام.
الفصل التاسع: النتائج
تسبق مسألة ترتيب الولاءات مسألة منهجية: لا يكفي إعلان أن مبدأً ما ثابت؛ بل يجب بيان مصدره ودلالته وحدود تطبيقه والجهة المختصة بتفسيره.
- يرى الباحث أن العقيدة مرجعية عليا في ضميره الإيماني، لكن الإسهام التحليلي للبحث هو تحديد شروط الانتقال من هذا الالتزام الشخصي إلى حكم عام ملزم.
- يجب التمييز بين العقيدة والدين والمرجعية الأخلاقية والتفسير البشري؛ فالانتقال بينها يحتاج إلى استدلال.
- يمكن أن تكون خدمة الوطن مسؤولية أخلاقية ودينية، لكنها لا تبرر الظلم أو الفساد أو إهدار حقوق المختلفين.
- الوطن والدولة والحكومة والحزب والقومية مفاهيم مختلفة؛ والخلط بينها يضعف التحليل.
- النصوص القرآنية المتعلقة بالعدل والتعارف والوفاء تساعد في تقويم الولاء الوطني، لكن لا ينبغي تحميلها أحكامًا سياسية تفصيلية لا تنص عليها.
- عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر ودعاء أهل الثغور في الصحيفة السجادية يقدمان مواد أخلاقية مهمة، لكن توظيفهما في الدولة الحديثة يحتاج إلى بيان الاستدلال وسياقه.
- الوطنية المعتدلة والوطنية الدستورية تقدمان اعتراضات جدية، خصوصًا في المجتمعات متعددة الأديان والمذاهب والقوميات.
- لا يمكن الجزم بأن كل من قدّم الوطن على العقيدة خسر الاثنين؛ فالحكم يتوقف على طبيعة التعارض وعلى معنى الوطن والعقيدة وعلى الدليل.
- المواطنة المتساوية لا تقتضي محو المعتقدات الخاصة، كما أن الالتزام الديني لا يبرر إقصاء المواطنين المختلفين.
- هذا البحث قراءة فلسفية ونصية في مسؤولية التفسير ضمن السياق العراقي، وليس دراسة مكتملة للتاريخ السياسي العراقي أو اجتهادًا فقهيًا شاملًا أو تحليلًا مستوعبًا لجميع أحكام القضاء الدستوري.
الخاتمة: مسؤولية التفسير وحدود الإلزام السياسي
أريد أن أدافع عن فكرة أن الإيمان لا ينبغي أن يبقى حبيس الشعور، بل ينبغي أن يظهر في طريقة فهم الإنسان للعدل والمسؤولية والولاء. غير أنني لا أرى أن مجرد إعلان أولوية العقيدة يحسم الخلافات السياسية؛ فالانتقال من الاعتقاد إلى الحكم العام يمر عبر التفسير والاستدلال وتحديد الاختصاص والنتائج. لذلك أعدّ سؤال «من يحدد أن هذا هو حكم العقيدة؟» جزءًا من صلب البحث، لا اعتراضًا خارجيًا عليه.
وأقبل أن يُنتقد هذا الموقف، بل أحتاج إلى النقد حتى لا تتحول قناعتي إلى شعار يسبق البرهان. أقوى صيغة أستطيع الدفاع عنها هي أن العقيدة، في رؤيتي الإيمانية، أصل لفهم الوجود والغاية، وأن الوطنية مجال من مجالات المسؤولية التي ينبغي أن تُقوَّم في ضوء الحق والعدل كما أفهمهما من ديني. أما القول إن كل وطنية عند جميع البشر لا يمكن أن تقوم إلا على العقيدة، فهو ادعاء آخر لا أعدّه مثبتًا بمجرد هذه الدراسة.
أخلص إلى أن إسهام البحث ليس في تكرار أن المؤمن يجعل العقيدة مرجعيته العليا، بل في تحديد شرط الانتقال من هذا الالتزام الشخصي إلى الإلزام العام. لا يصبح التفسير الديني قانونًا ملزمًا لجميع المواطنين لمجرد أن صاحبه يراه صحيحًا؛ بل يلزمه إثبات المصدر والدلالة، وبيان انطباقه على الواقعة، وتحديد الجهة المخولة دستوريًا، والخضوع للمراجعة القضائية وصون الحقوق والحريات. بهذا المعيار تُفحص دعاوى الدين والوطن معًا، وتظل السلطة السياسية قابلة للمساءلة.
قائمة المصادر والمراجع
المصادر الدينية والقانونية
القرآن الكريم.
الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. ضبط النص وابتكر فهارسه العلمية صبحي الصالح. الطبعة الرابعة. القاهرة وبيروت: دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، 2004. عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر، الكتاب 53، ص 427.
علي بن الحسين زين العابدين. الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام علي بن الحسين عليهما السلام. تحقيق محمد باقر الموحد الأبطحي الإصفهاني. قم: مؤسسة الإمام المهدي ومؤسسة الأنصاريان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1415هـ. الدعاء السابع والعشرون: دعاؤه لأهل الثغور.
جمهورية العراق. دستور جمهورية العراق لسنة 2005. النص العربي المنشور على الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي: https://iq.parliament.iq/الدستور-العراقي/ . وتُراجع المواد 1 و2 و9 و13 و14 و42 و43 و110 بحسب مواضع الاستدلال.
جمهورية العراق. قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، المادة 1. نُشر ضمن العدد 4429 من جريدة الوقائع العراقية؛ أعلنت وزارة العدل صدور العدد في 5 كانون الثاني 2017. https://www.moj.gov.iq/view.2899/
مكتب المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني. «أسئلة صحيفة لوس أنجلوس تايمز – 2»، مؤرخ في 4 جمادى الآخرة 1424هـ (2003). الموقع الرسمي، الأرشيف رقم 236: https://www.sistani.org/arabic/archive/236/ (تاريخ الاطلاع: 28 تشرين الأول 2026).
الكربلائي، عبد المهدي. «ما ورد في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة»، 13 حزيران 2014. الموقع الرسمي لمكتب السيد علي الحسيني السيستاني، الأرشيف رقم 24918: https://www.sistani.org/arabic/archive/24918/ (تاريخ الاطلاع: 29 تشرين الأول 2026).
مكتب المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني. «نص الخطبة الثانية بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي»، 14 حزيران 2019. https://www.sistani.org/arabic/archive/26306/
موقع فتوى الدفاع المقدسة. «مكتب المرجع السيستاني يوضح ما ورد بخطبة الجمعة من أن الدفاع واجب كفائي»، نُشر في 18 حزيران 2016، ويذكر أن تاريخ التصريح 14 حزيران 2016. https://holyfatwa.com/news/read/120 (تاريخ الاطلاع: 28 تشرين الأول 2026).
المراجع الفلسفية والسياسية
Appiah, Kwame Anthony. “Cosmopolitan Patriots.” Critical Inquiry 23, no. 3 (1997): 617–639.
Finlayson, James Gordon, and Dafydd Huw Rees. “Jürgen Habermas.” Stanford Encyclopedia of Philosophy, Spring 2024 Edition. https://plato.stanford.edu/archives/spr2024/entries/habermas/ (accessed 28 October 2026). يُستخدم هذا المدخل مصدرًا ثانويًا للتعريف بمشروع هابرماس، لا بديلًا عن نصوصه الأصلية.
MacIntyre, Alasdair. “Is Patriotism a Virtue?” The Lindley Lecture, University of Kansas, March 26, 1984.
Müller, Jan-Werner. “Constitutional Patriotism: An Introduction.” International Journal of Constitutional Law 6, no. 1 (2008): 67–71. https://academic.oup.com/icon/article/6/1/67/669061
Nathanson, Stephen. “In Defense of ‘Moderate Patriotism.’” Ethics 99, no. 3 (1989): 535–552. https://doi.org/10.1086/293096
Nathanson, Stephen. Patriotism, Morality, and Peace. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1993.
Nussbaum, Martha C. “Patriotism and Cosmopolitanism.” Boston Review, October/November 1994. https://www.bostonreview.net/issue/october-november-1994/
Primoratz, Igor, ed. Patriotism. Amherst, NY: Humanity Books, 2002.
الصدر، محمد باقر. «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران»، ضمن سلسلة الإسلام يقود الحياة. https://www.baqeralsadr.com/effects/books/1014/
فضل الله، محمد حسين. «حول الحكم والدولة الإسلامية والعدالة الاجتماعية»، موقع بينات، 16 فبراير 2014. https://www.bayynat.org.lb/article/كتابات/9183/حول-الحكم-والدَّولة-الإسلاميَّة-والعدالة-الاجتماعيَّة/ar
الزحيلي، وهبة. أصول الفقه الإسلامي. دمشق: دار الفكر، الطبعة الأولى، 1986، المجلد الأول.
النائيني، محمد حسين. تنبيه الأمة وتنزيه الملة. تعريب عبد المحسن آل نجف، تحقيق عبد الكريم آل نجف. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2012. النسخة الرقمية: مكتبة الإسكندرية، سلسلة «في الفكر النهضوي الإسلامي».
المظفر، محمد رضا. أصول الفقه. تحقيق عباس علي الزارعي السبزواري. قم: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1422هـ. ج 1، مباحث الألفاظ، ص 151–222؛ ج 2، مباحث الحجية، ص 363–506. استُخدمت هذه الإحالة لتأصيل مسائل الدلالة والحجية، لا لإثبات تطابق مصطلح الحكم الولائي مع كل المدارس الأصولية.
جمهورية العراق. دستور جمهورية العراق لسنة 2005، المواد 2، 13، 14، 42، 43، 92، 93، 94، 110. النص المنشور على الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي: https://iq.parliament.iq/الدستور-العراقي/
Constitution of the Islamic Republic of Iran, arts. 5 and 57 (as amended). يُستشهد به لتحديد البنية الدستورية للولاية، لا لإثبات إجماع فقهي على تفسيرها. نسخة النص الإنجليزي: https://www.refworld.org/legal/legislation/natlegbod/1979/en/72964
وزارة العدل العراقية. «صدور العدد الجديد من جريدة الوقائع العراقية بالرقم (4429)». 5 كانون الثاني 2017. https://www.moj.gov.iq/view.2899/
ملحق: معيار عملي لفحص أي مطالبة باسم الوطن
قبل تأييد أي مطالبة تُرفع باسم الوطن، أقترح أن أسأل: ما المقصود بالوطن هنا: الناس، أم الأرض، أم الدولة، أم الحكومة، أم الحزب؟ من المستفيد ومن يتحمل الكلفة؟ هل تحترم المطالبة الحقوق الأساسية للمواطنين، بمن فيهم المختلفون دينيًا وقوميًا؟ هل تتطلب ظلمًا أو كذبًا أو فسادًا أو اعتداءً على الأبرياء؟ ما الدليل على أن المصلحة المعلنة عامة وليست مصلحة فئة؟ هل الموقف الديني المستشهد به نص واضح أم تفسير فقهي أم رأي سياسي؟ وهل يساعد القرار على إصلاح الوطن وحماية أهله أم يطلب من الناس الصمت عن أخطائه؟
هذا المعيار لا يغني عن الفقه أو القانون أو البحث التاريخي، لكنه يساعد على منع تحويل كلمة «الوطن» إلى حصانة ضد السؤال والنقد.


