( الحلقة الثانية )
وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَ قالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
نتكلم في هذه الحلقة من البحث – إنْ شاء الله – في المقطع الثاني من الآيات الكريمات ، وهو من الآية ( 19 ) إلى الآية ( 23 ) ، وهو يتناول بعض ما يحصل عند الاحتضار ، وعند الحشر ليوم القيامة .
لحظات الاحتضار
– ( سَكْرَةُ الْمَوْتِ ) : المراد بسَكْرَة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع والاحتضار ، إذ يشتغل بنفسه و ينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول و لا ما يقال له ، ويعبّر الله سبحانه في هذه الآية عن الحالة التي تصيب الإنسان عند الموت بالسَكْرَة ؛ وذلك لشدّة هول تلك اللحظة ، كما يعبّر عن حالة الناس يوم القيامة بتعبير قريب : ( وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ ) ( 1 ) .
– الإنسان حينما ينتقل من بلد إلى بلد أو من مدينة إلى أخرى بل من منزل إلى آخر غالبًا ما يشعر بوحشة وغربة شديدة ، فكيف وهو ينتقل من دنيا قد تعلق بها سنين طويلة إلى عالم جديد ، ربّما لم يستعدَّ له كما ينبغي ، عالم جديد عليه مليء بالأسرار ، عالمٌ طالما هرب من التفكير فيه .
– روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال :
جاء رجل إلى أبي ذر فقال : يا أبا ذر ما لنا نكره الموت ؟؟
فقال : لأنّكم عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة ، فتكرهون أنْ تُنقلوا من عمران إلى خراب ( 2 )
– ومن الواضح أنَّ هناك مَن يشتاق للقاء ربِّه ، كأمير المؤمنين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ، وهو القائل عندما ضربه أشقى الأولين والآخرين : ( فزتُ ورب الكعبة ) ، ولطالما كان يردد : ( متى يبعث أشقاها ؟؟ ) .
ثم يقول تعالى : ( ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) :
لفظة ( تَحِيدُ ) مشتقّة من مادّة ( حيد ) ، ومعناها العدول عن الشيء والفرار منه ، لكن الموت هو الحقيقة التي لا مفر منها .
يقول جلَّ وعلا :
( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) ( 3 ) .
– ولأمير المؤمنين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) كلام بليغ يصف فيه لحظات الموت و سكراتها ، يقول :
اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالًا جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ … فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ … فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ … وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لَا يُسْعِدُ [ يعد ] بَاكِياً وَلَا يُجِيبُ دَاعِياً ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ [ محطّ ] فِي الْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ ( 4 ) .
– وعنه أيضًا أنّه قال :
( فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ وَلَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ ) ( 5 ) .
– وفي رواية : أنَّ الإمام الكاظم ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) دخل على رجل قد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعيًا فقالوا له : يا ابن رسول الله وددنا لو عرفنا كيف الموت وكيف حال صاحبنا .
فقال : الموت هو المصفاة يصفي المؤمنين من ذنوبهم ، فيكون آخر ألم يصيبهم كفارة آخر وزر بقي عليهم ، ويصفي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذة أو راحة تلحقهم ، وهو آخر ثواب حسنة تكون لهم ، وأمّا صاحبكم هذا فقد نخل من الذنوب نخلًا ، وصُفِّي من الآثام تصفية ، وخلص حتى نُقِيَ كما يُنَقّى الثوب من الوسخ ، وصلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد ( 6 ) .
– في رواية : أنَّ الإمام زين العابدين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) سُئِل عن الموت ؟ فقال ( عليه أفضل الصلاة والسّلام ) : ( للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة [ ثوب قمل : أي كثُر فيه القمل ] وفكّ قيود وأغلال ثقيلة والاستبدال بأفخر ثياب وأطيبها روائح وأوطئ المراكب وآنس المنازل ، وللكافر كخلع ثياب فاخرة والنقل عن منازل أنيسة والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها وأوحش المنازل وأعظم العذاب ) ( 7 ) .
أهوال يوم القيامة
( وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ) :
– ( النفخ ) : معناه معروف .
– و ( الصُّور ) : هو البوق الذي يستعمل عادةً لجمع الجنود أو تفريقهم .
– و المراد من ( النفخ في الصور ) هنا هو النفخة الثانية ، فإنّ الصور يُنْفَخ فيه مرّتين :
– الأولى : وتدعی بنفخة الفزع أو الصعق ، وهي التي تكون في نهاية الدنيا ، ويموت عند سماعها جميع الخلق ، ويتلاشی نظام العالم الدنيوي .
– والثانية : هي نفخة القيام والحشر للحساب ، وبها يُبعَث الناس جميعًا ، وينسلون من الأجداث والقبور إلی ربّهم وحساب رحمته وعدله .
( وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ ) :
فالسائق يسوق الإنسان نحو محكمة عدل اللّه ، والشهيد يشهد علی أعماله .
فظاهر الآية كما فهم منه أغلب المفسّرين أنَّ مَلَكَيْن يأتيان مع كلّ إنسان ، فواحد يسوقه ، والآخر يشهد علی أعماله .
ومن الواضح أنّ شهادة بعض الملائكة لا تنفي وجود شهادة أخرى لبعض الشهود في يوم القيامة ، الشهود الذين هم من قبيل الأنبياء ، وأعضاء البدن ، وصحائف الأعمال ، والزمان والمكان اللذيَن وقع فيهما عمل الإنسان .
وهنا يُخاطَب الإنسان :
( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) :
إنَّ أستار عالم المادّة من الآمال والتعلق المُفْرِط بالدنيا والأولاد والمرأة ، والأنانية والغرور والعصبية والجهل والعناد وحبّ الذات ، كانت قد منعتك من العمل لهذا اليوم .
فما كان مستورًا عنك ، بان لك اليوم بوضوح .
ومن الواضح أيضًا أنَّ هذا خطاب لغير مَن قال : ( لو كُشِف الغطاء لما ازددت يقينًا ) ( 8 ) .
ثم يقول جلَّ وعلا :
( وَ قالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ):
– القرين سيكشف الستار عن كلّ صغيرة وكبيرة صدرت من الإنسان .
– ولكن ما المراد من ( قرينه ) ؟؟
للمفسّرين آراء كثيرة ، أهمها ثلاثة :
الأول : هو الملَك الذي يرافق الإنسان في الدنيا ، والذي كان مأمورًا بتسجيل أعماله وضبطها ليشهد عليه هناك في محكمة العدل الإلهي .
ويدل على ذلك الآيات السابقة التي كانت تشير إلی أنَّ من يرد عرصات المحشر فإنَّ معه سائقًا يسوقه وشهيدًا يشهد عليه ، وهذا ما عليه أكثر المفسرين .
فإنْ كان هو السائق كان معنی قوله : ( هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ) : هذا الإنسان الذي هو عندي حاضر ، و إنْ كان هو الشهيد كان المعنی هذا – و هو يشير إلی أعماله التي حمل الشهادة عليها – ما عندي من أعماله حاضر مهيأ .
الثاني : أنَّ المراد من قرينه هو ( الشيطان ) ؛ لأنّ كلمة ( قرين ) أُطلقت في كثير من آيات القرآن علی الشيطان الذي يصطحب الإنسان ، فيكون معنی الآية علی هذا التقدير هكذا : ” ويقول الشيطان : إنّني أعددت هذا المجرم لجهنّم وبذلت أقصی ما في وسعي من جهد في هذا السبيل ” .
إلّا أنّ هذا التفسير ليس بتام ؛ وذلك لأنّه لا يتناسب مع الآيات السابقة واللاحقة ، هذا أولًا .
وثانيًا : طبقًا لهذا التّفسير للآية فإنَّ الشيطان يعترف بمسؤوليته في إغواء الإنسان ، والحال أنّه يتبرأ من ذلك في آية أخرى : ( قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ( 9 ) .
الرأي الثالث : وهو أنّ المراد من ( قرينه ) هو من رافق الإنسان في حياته من البشر ، وهو بعيد .
والله العالم ..
( 1 ) الحج : 2 .
( 2 ) الكليني ، الشيخ محمد بن يعقوب ، ( ت : 329 أو 328 هج ) ، الكافي ، ج 2 ، ص 458 ، باب محاسبة العمل ، ح 20 ، الناشر : دار الكتب الإسلامية ، طهران .
( 3 ) النساء : 78 .
( 4 ) نهج البلاغة : الخطبة ( 109 ) .
( 5 ) نهج البلاغة : الخطبة ( 20 ) .
( 6 ) الصدوق ، محمد بن علي بن الحسين ، ( ت : 389 هج ) ، معاني الأخبار ، ص 289 ، باب ( معنى الموت ) ، ح 6 ، انتشارات إسلامي ، قم .
( 7 ) المصدر نفسه ، ح 4 .
( 8 ) المجلسي ، الشيخ محمد باقر ، ( ت : 1111 هج ) ، بحار الأنوار ، ج 40 ، ص 153 ، مؤسسة الوفاء ، بيروت .
( 9 ) ق : 27 .


