السيد الزيدي والمعادلة الصفرية: ملاحظات على الأداء السياسي

السيد الزيدي والمعادلة الصفرية ملاحظات على الأداء السياسي
تتجلى أزمة الحكم في العراق في تداخل الرمزية الدينية مع موازين النفوذ وتعدد مراكز القوة. ويواجه الزيدي اختباراً حاسماً: تحويل المبادئ الأخلاقية إلى مؤسسات فاعلة، وإخضاع السلاح للقانون، وتحصين القرار الوطني من الهيمنة والتبعية....

يرتبط السلوك السياسي والمسار الإداري في العراق بجدلية الديني والدنيوي؛ فمن دون فهم الخلفيات التطهّرية والأعراف الاجتماعية التي تؤطر الفعل السياسي، لن تكون قراءتنا له سوى عبث يفضي إلى مزيد من العبث.

وفيما يتعلق برئيس مجلس الوزراء وكابينته الوزارية، تصبح القراءة أكثر تعقيدا، وربما عصيّة على التفسير، بفعل تداخل الاعتبارات الدينية والسياسية، واستمرار التقاليد العشائرية الأبوية في توزيع الامتيازات. فقد يُمنح شخص ما أفضلية لانتمائه إلى عائلة ذات مكانة دينية أو حزبية، أو لامتلاكه “تاريخًا مقاومًا” يمنحه رأسمالًا رمزيا ينافس به الآخرين على المكانة والنفوذ، حتى حين تتداخل هذه الرمزية مع المرجعيات الدينية.

إن الوضع العراقي، الذي ينتهي في كل مرة إلى انسداد سياسي واجتماعي، يعيد إنتاج أشكال مشوّهة من التمثيل والسلطة. فمن جهة، لم تعد المكونات قادرة على احتكار تمثيل مواطنيها كما كان يُفترض في نموذج “دولة المكونات”، أو في الصيغة السياسية المعروفة بـ”الديمقراطية التوافقية”؛ إذ تشظّت المكونات نفسها، ولم يعد أيٌّ منها ممثلًا لمواطنيه إلا في أضيق الحدود. وهكذا، لم يعد الانسداد ناتجا عن تعارض المكونات وحدها، بل عن تعدد مراكز النفوذ داخلها أيضا، بما يجعل التوافقات السياسية أقرب إلى تسويات مؤقتة بين قوى متنافسة منها إلى تعبير حقيقي عن الإرادة العامة.

وقد أفرزت الانتخابات الأخيرة نموذجا للتمثيل السياسي لا يستند إلى مشاركة شعبية واسعة، إذ لم تبلغ نسبة المشاركة، وفق التقديرات المتداولة، 40%. ومع ذلك، كان للمال السياسي المنفلت أثر بالغ في توجيه إرادة الناخبين وإفراغ المنافسة من مضمونها. لقد استقطب هذا المال زبائنه كما يُسوَّق المنتج بوسائل غير أخلاقية، فيُقدَّم ما لا يستوفي شروط الصلاحية على أنه سلعة مكتملة المواصفات. لكن ما قيمة سلعة لا تصلح للاستهلاك، مهما أُحسن تسويقها؟ والأهم من ذلك: ما قيمة تمثيل سياسي يستمد جانبا من قوته من شراء الولاءات، لا من الثقة الشعبية ببرامجه وقدرته على تحقيق المصالح العامة؟

وبما أن التقاليد الاجتماعية أخذت تزاحم البرامج السياسية- إن وُجدت- ، فقد باتت محاولات الإصلاح نفسها أسيرة البنى التي يُفترض أن تتجاوزها. فالمشكلة لا تكمن في تعاقب رؤساء الوزراء أو تبدّل البرلمانات والرئاسات فحسب، بل في عجز هذا التعاقب عن إحداث تحوّل نوعي في الأداء السياسي يستجيب لتطلعات مجتمع ضاق ذرعا بتكرار الإخفاقات. وهكذا وصلنا إلى معادلات سياسية صلبة، يبدو معها أن كل انسداد لا يفضي إلى تسوية مستدامة، بل يمهّد لصدام جديد، أو يعيد توزيع النفوذ بين الأطراف ذاتها، من دون تغيير جوهري في قواعد اللعبة.

لكن قراءة أداء أي رئيس للوزراء لا تكتمل ما لم نضع في الحسبان الضغوط الإقليمية والدولية التي تحيط بموقعه، ولا سيما في بلد تتقاطع فيه المصالح الخارجية مع مراكز القوة الداخلية. فالسيد الزيدي، إن أراد ممارسة سلطته التنفيذية باستقلالية فعلية، لن يواجه تحديات إدارية أو سياسية تقليدية فحسب، بل سيجد نفسه أمام شبكة من المصالح والضغوط التي قد تحدّ من قدرته على اتخاذ القرار، أو تدفعه إلى تقديم تنازلات تتعارض مع ما يعلنه من مبادئ. وهنا لا يكفي أن نسأل عن نواياه أو تصوّراته للإصلاح، بل ينبغي أن نسأل عن حدود سلطته الفعلية، وعن قدرته على تحويل الصلاحيات الدستورية إلى قرارات نافذة في مواجهة القوى التي تنازع الدولة سلطتها.

وتتخذ هذه المعضلة صورتها الأكثر حدة عندما يتعلق الأمر بالفصائل المسلحة التي قد ترفض الامتثال لقرارات الدولة أو الانضواء الكامل تحت سلطتها. فماذا سيكون موقف رئيس الوزراء إذا اصطدمت قراراته بمصالح هذه الفصائل؟ وهل سيكون مستعدا لإنفاذ القانون على الجميع من دون استثناء، أم سيضطر إلى المساومة تجنبا لصدام قد يهدد استقرار الحكومة؟ إن المسألة هنا لا تتعلق بمجرد اختبار للشجاعة السياسية، بل باختبار جوهري لمفهوم الدولة نفسه: هل تحتكر الدولة سلطة القرار واستخدام القوة وفق القانون، أم تظل سلطتها موزعة بين مؤسسات رسمية وقوى مسلحة تمتلك من النفوذ ما يمكّنها من تعطيل قراراتها؟

ولا يمكن فصل هذا الاختبار عن الضاغط الإقليمي والدولي؛ فقرار الدولة العراقية لا يُصاغ دائما في فراغ، بل يتأثر بتوازنات إقليمية وحسابات دولية، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والأمنية المتشابكة. غير أن الإقرار بوجود هذه الضغوط لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة مسبقة لتبرير الإخفاق. فثمة فرق بين الاعتراف بالقيود التي تحكم حركة رئيس الوزراء، وبين إعفائه من المسؤولية عن الاختيارات التي يتخذها داخل تلك القيود. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان قادرا على التحرر الكامل من جميع الضغوط، بل ما إذا كان قادرا على توسيع هامش القرار الوطني، وبناء مؤسسات تقلل من ارتهان الدولة لمراكز النفوذ المتعددة.

وسط هذا المشهد، يتبع السيد الزيدي سلوكا أقرب إلى النُّسُك السياسي؛ فهو لا يستمد نموذجه من تقاليد الممارسة السياسية المتعارف عليها بقدر ما يبدو مستلهما من رمز ديني تاريخي خاض صراعا انتهى بخسارته السياسية أمام خصمه. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: لقد كان الصراع بين الطرفين صراعا على السلطة بقدر ما كان صراعا على الشرعية والرمزية؛ فالخصم الذي يُستحضر في هذه المقارنة لم يكن بحاجة إلى انتظار مكيافيلي كي يدرك أن السياسة لا تُدار دائما بمنطق الأخلاق وحده. ومن ثم، فإن الهزيمة السياسية للرمز لا تعني بالضرورة تفوق خصمه أخلاقيا، بقدر ما تكشف عن فجوة بين منطق القيمة ومنطق القوة.

غير أن استحضار هذه المفارقة يطرح سؤالًا يتجاوز البعد الأخلاقي إلى صميم الممارسة السياسية: هل يستطيع من يتخذ من الرمز نموذجا أن يتعامل مع واقع تحكمه موازين القوة والمصالح من دون أن يقع في أحد طرفين؛ إما التضحية بالمبادئ باسم الواقعية السياسية، أو التمسك بصورة مثالية للممارسة تجعل تحقيق الأهداف العامة أكثر صعوبة؟ فالحكم ليس موقفا أخلاقيا مجردا، بل مسؤولية عن مؤسسات ومصالح وحقوق، ولا تُقاس قيمته بصفاء النوايا وحده، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين المبدأ والفاعلية، من دون أن تتحول الواقعية إلى تبرير للتنازل عن القانون.

ولأن السيد الزيدي يحمل اسم ذلك الرمز، ويبدو أنه يستلهم نموذجه الفكري والديني، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي استحضار الرمز أخلاقيا لضمان أن يتحلى به من يشاركونه الاسم أو الموقع؟ إن من يتولون شغل الوزارات لا يرثون أخلاق الرموز بمجرد الانتساب إليها، ولا تصبح المناصب العامة امتدادا تلقائيا لسيرتها. فالسياسة لا تُختبر بالنوايا المعلنة ولا بالرموز المستحضرة، بل بمدى التزام أصحاب السلطة بالقانون، ونزاهتهم في إدارة الشأن العام، وقدرتهم على تحويل المبادئ إلى ممارسات قابلة للمساءلة. والأمر ذاته ينطبق على رئيس الوزراء؛ إذ لا يكفي أن يستلهم رمزا أخلاقيا ما لم يترجم هذا الاستلهام إلى قواعد مؤسسية تحكم أداءه وأداء حكومته.

وعليه، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان بعض الوزراء سيحنثون في أيمانهم الدستورية فحسب، بل ما إذا كان النموذج السياسي الذي يستند إلى الرمز قادرا على بناء مؤسسات لا تتوقف نزاهتها على أخلاق الأفراد، ولا تتحول فيها الرمزية الدينية إلى غطاء يمنح السلطة حصانة من النقد والمحاسبة. ويضاف إلى ذلك سؤال لا يقل أهمية: هل يستطيع رئيس الوزراء فرض مقتضيات الدستور على القوى التي تنازع الدولة سلطتها، أم أن حدود الممارسة ستتحدد في النهاية وفق ما تسمح به موازين النفوذ والتفاهمات السياسية؟

إن الإخفاق، في هذه الحالة، لا يُقاس فقط بما قد تعجز الحكومة عن إنجازه، بل أيضا بما إذا كانت ستسمح باستمرار ازدواجية السلطة، أو ستعمل على تقليصها تدريجيا عبر القانون والمؤسسات. فليس مطلوبا من رئيس الوزراء أن يحسم جميع الصراعات دفعة واحدة، أو أن يتجاهل تعقيدات الواقع، بل أن يثبت أن التدرج في الإصلاح ليس غطاءً لتكريس الأمر الواقع، وأن التسوية السياسية لا تعني التخلي عن مبدأ خضوع الجميع للدولة.

فإذا أخفق هذا النموذج في تحقيق ذلك، فلن تكون المشكلة في الرمز التاريخي نفسه، بل في استدعائه خارج سياقه، وتحويله من قيمة أخلاقية يُفترض أن تُحتذى إلى شرعية سياسية يُراد لها أن تُصدَّق من دون اختبار. ولن يكون كافيا حينها ردّ الإخفاق إلى الضغوط الخارجية أو تمرد بعض القوى الداخلية، ما لم تقترن الإشارة إلى هذه العوائق بمساءلة الخيارات السياسية التي اتُّخذت في مواجهتها.

إن التاريخ لا يعيد نفسه؛ بل إن البشر هم من يعيدون أخطاءهم، كلما اكتفوا باستحضار رموز الماضي من دون أن يتعلموا من شروط هزائمها وإخفاقاتها. أما الدولة، فلا تُبنى باستدعاء الرموز وحده، ولا تُصان بالنوايا الحسنة، بل بقدرتها على إخضاع القوة للقانون، وتحويل المبادئ إلى مؤسسات، وجعل المسؤولية السياسية خاضعة للمحاسبة. عندها فقط يمكن أن نعرف ما إذا كان السيد الزيدي قادرا على تجاوز المعادلة الصفرية، أم أنه سيصبح حلقة أخرى في سلسلة حكومات تتغير وجوهها، بينما تبقى قواعد السلطة على حالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *