بداية، يمكن أن يكون هذا المقال، تتمة لمقال سبق أن نشرته بعنوان العقل المفخخ: من الاستعارة إلى المفهوم. وكان هدفي ليس في تأصيل العقل المفخخ علميا، ومعرفيا، كمساهمة جادة في التنظير فحسب، بل في محاولة إدخاله الى التخصصات الاجتماعية والإنسانية في الاكاديميات كمنظور تحليلي وتفسيري للعقل الذي يبدو عليه العقلانية من الخارج، بينما هو من الداخل يستبطن قناعات متصلبة، او مسلّمات (دوغمائيات) ترفض الفحص النقدي. والذي أصبح ظاهرة في الفضاء العربي-الاسلامي. في هذا المقال، سأعمق النظر على اشتغالي على نحت المفهوم، بشكل أكثر تفصيلا ليستوفي الشروط العلمية كافة.
ففي لغتنا العربية تَرِدُ مفردة [فخخ] بدلالة واضحة لا لبس فيها؛ فـ«الفَخّ» هو المصيدة، وهي الأداة التي تُنصب للإيقاع بالضحية دون أن تدرك لحظة وقوعها، وجمعها فِخاخ وفُخوخ (الزبيدي، تاج العروس، ط2، 2003، ص297 ). وفي الاستعمال الحديث نقول: فخّخ يُفخِّخ تفخيخًا، فهو مُفخَّخ، والمكان مُفخَّخ إذا نُصبت فيه كمائن متفجرة معدّة للانفجار عند أول تماس ( أحمد مختار عبد الحميد عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، 2008، ص1679). هذا المعنى اللغوي، بثرائه ودقته، لا يبتعد كثيرًا عن المعنى الاصطلاحي الذي نقترحه، بل يكاد يلتقي معه التقاءً مباشرًا، الأمر الذي يمنح المفهوم وضوحًا دلاليًا وسهولة تداول في الوعي العربي، دون حاجة إلى افتعال لغوي أو استعارة قسرية من حقل معرفي أجنبي.
فإن استعمالنا لمفهوم «العقل المفخخ» لا يشكل قطيعة مع الحس اللغوي العربي، بل يستند إليه ويطوّره. فكما أن المكان المفخخ يبدو عاديًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله عناصر انفجاره، كذلك العقل المفخخ: عقل يبدو، في لغته وخطابه، عقلًا سويًا أو عقلانيًا أو أخلاقيًا، لكنه محمّل في بنيته العميقة بمواد رمزية قابلة للانفجار عند أول احتكاك بالاختلاف أو النقد أو الواقع المتغير.
أما اصطلاحيًا، فنعني بـ«العقل المفخخ» ذلك العقل الذي جرى شحنه، عبر مسارات طويلة من التنشئة الاجتماعية والثقافية والرمزية، بدوغمائيات غير مفحوصة، أي بقناعات مغلقة تُتلقّى بوصفها حقائق نهائية لا تقبل الشك. وهذه الدوغمائيات قد تتخذ طابعًا دينيًا، أو طائفيًا، أو أسطوريًا، لكنها تشترك جميعًا في خاصية مركزية واحدة: أنها تُستبطن في الوعي بوصفها بداهات، لا بوصفها أطروحات قابلة للمساءلة، فتعمل من الداخل على توجيه الحكم والتقييم والسلوك، دون المرور عبر غربال النقد العقلي أو الاختبار الأخلاقي الواعي.
غير أن حصر التفخيخ في المجال الديني أو المذهبي وحده يفضي إلى تبسيط مخلّ للمسألة. فالعقل المفخخ لا يقتصر على الدوغمائيات المقدسة، بل يشمل كذلك الدوغمائيات الدنيوية، التي قد تكون أشد فتكًا لأنها تتخفى خلف خطاب عقلاني أو حداثي أو علموي. فالأيديولوجيات الشمولية، سواء اتخذت شكل قومية متصلبة، أو شيوعية مؤدلجة، أو ليبرالية دوغمائية، أو خطاب تنموي تبسيطي، يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى مواد تفخيخ، حين تُقدَّم بوصفها تفسيرات مكتملة للعالم، وحين تُعفى من النقد، وتُختزل فيها تعقيدات الواقع الإنساني.
وعليه، فإن «العقل المفخخ» يحافظ على وحدة المعنى بين دلالته اللغوية وامتداده الاصطلاحي؛ فهو عقل نُصبت في داخله فِخاخ معرفية وأخلاقية، جرى إعدادها مسبقًا، وتُفَعَّل عند الحاجة، لا لإنتاج فهم أعمق للواقع، بل لإعادة إنتاج الصراع، وتبرير العنف الرمزي أو المادي، وتعطيل إمكانات العقل النقدي. ومن هنا تتضح جدوى هذا المفهوم بوصفه أداة تحليلية قادرة على كشف ما يعمل في العمق، لا ما يُعلن على سطح الخطاب.
ولأجل استكمال البناء المفاهيمي، وتفادي أي التباس دلالي أو تداخل غير منضبط مع نماذج تفسيرية أخرى، يصبح من الضروري تقديم ضبط إجرائي لمفهوم العقل المفخخ وفق عنوانه الكامل:
«العقل المفخخ: الوعي الملغم بالدوغمائيات المقنّعة وخطره الكامن في الخطاب العربي المعاصر».
يُقصد إجرائيا بـ«العقل المفخخ» ذلك النمط من الوعي الذي يتشكّل عند التقاء شبكات المعنى الثقافية والاجتماعية بالاستجابات الحدسية السريعة، بحيث تُدمَج القناعات الموروثة أو المكتسَبة في البنية النفسية للفرد بوصفها بداهات عقلية ومسلمات أخلاقية أو سرديات تاريخية أو شعارات حداثية لا تُقدَّم على أنها معتقدات قابلة للفحص، بل على أنها حقائق طبيعية أو ضرورات عقلية أو مقتضيات أخلاقية.
ولكيلا يبقى مفهوم «العقل المفخخ» في مستوى التعريف النظري العام، ولا يتحول في الوقت نفسه إلى مفهوم فضفاض يمكن إطلاقه على كل قناعة قوية أو كل موقف مختلف، تقتضي الدقة المفاهيمية التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة: المعايير، والمؤشرات، والحدود.
فــــ”المعايير” تحدد الشروط التي يقوم عليها التفخيخ بوصفه بنية متكاملة، وتجيب عن سؤال: متى يمكن القول إن القناعة قد دخلت في بنية «التفخيخ»؟ أما “المؤشرات” فتحدد العلامات التي يمكن رصدها في الخطاب والممارسة، والتي تكشف عن اشتغال تلك البنية في الواقع. في حين تتولى “الحدود” ضبط مجال المفهوم، وبيان ما لا يعنيه «العقل المفخخ»، وما لا يجوز استنتاجه منه، منعًا لتحوله إلى حكم شامل على الأشخاص أو الأفكار.
وبهذا التمييز، لا تصبح هذه المستويات ثلاث تعريفات متكررة للمفهوم، بل ثلاثة مستويات للتحقق منه: المعايير تحدد البنية، والمؤشرات تكشف اشتغالها، والحدود تضبط مجال استعمالها. ومن هنا يمكن الانتقال إلى تحديد كل مستوى على حدة.
أولًا: معايير «العقل المفخخ»
– يقين غير مفحوص
يبدأ التفخيخ حين تتحول القناعة إلى بداهة مكتفية بذاتها، فتُستقبل بوصفها حقيقة سابقة على السؤال، لا قضية قابلة للفحص والمراجعة.
– تحصين القناعة من الاختبار
لا تكتفي القناعة بأن تكون غير مفحوصة، بل تُبنى حولها آليات تمنع تعريضها للاختبار الجاد، بحيث يصبح النقد خطرًا يجب دفعه بدل أن يكون فرصة لمراجعة الاعتقاد.
– إعادة تنظيم المعرفة حول القناعة
تُرتَّب الوقائع والتفسيرات والمعلومات بحيث تخدم القناعة المركزية وتحافظ عليها، فيصبح إنتاج المعرفة تابعًا لحماية الاعتقاد بدل أن يكون وسيلة لاختباره.
– انتقال القناعة من الخاص إلى الإلزام
تتجاوز القناعة حدود الاعتقاد الشخصي لتتحول إلى معيار يُحتكم إليه في تقييم الآخرين، وتحديد المقبول والمرفوض، والصحيح والمنحرف.
– التنكر في صورة مشروعية أعلى
تُقدَّم القناعة المتصلبة بوصفها مقتضى للعقل، أو العلم، أو الأخلاق، أو المصلحة العامة، أو الهوية، بحيث لا يعود رفضها مجرد اختلاف في الرأي، بل يبدو خروجًا على قيمة أسمى.
– الانفجار (مجازا) عند المساس بالقناعة
تبلغ عملية التفخيخ ذروتها حين تتحول القناعة إلى شحنة وجدانية ورمزية تستنفر الدفاع عند تعرضها للسؤال أو النقد، فيُستقبل الاعتراض بوصفه تهديدًا يتطلب الاستجابة قبل الفحص.
ثانيًا: مؤشرات «العقل المفخخ»
– الاحتكام إلى البداهة
تظهر عبارات من قبيل: «هذا واضح»، «لا يحتاج إلى دليل»، «كل عاقل يعرف ذلك»، أو «لا خلاف عليه»، بما ينقل القضية من مجال البرهنة إلى مجال التسليم.
– تجريم السؤال أو تشويه صاحبه
يتحول السؤال من أداة للاستفهام إلى علامة على سوء النية أو الانحراف أو الخيانة أو الجهل، فيصبح موقع السائل هو موضوع النقاش بدل السؤال نفسه.
– الانتقائية في عرض الأدلة
تُستحضر الشواهد المؤيدة وتُهمل المعطيات المناقضة، أو يعاد تأويل الدليل المخالف بحيث يفقد قدرته على إرباك القناعة الأصلية.
– تبديل مستوى النقاش
حين يتعذر الدفاع عن القضية ذاتها، ينتقل الخطاب من مناقشة الدليل إلى استدعاء الهوية أو النوايا أو الأخلاق أو الانتماء، فيتحول الخلاف المعرفي إلى محاكمة للشخص.
– تكرار القناعة المتصلبة بصيغ خطابية مختلفة
تُعاد الفكرة نفسها عبر أمثال وشعارات وقصص واستعارات ومقولات أخلاقية أو دينية أو علمية، حتى تبدو مألوفة ومستقرة ومستقلة عن أصلها البرهاني.
– استدعاء الاستجابة الانفعالية قبل استكمال الحجة
يظهر الغضب أو الخوف أو الاشمئزاز أو الاستنفار الأخلاقي فور الاقتراب من القناعة، ثم تأتي الحجج لاحقًا لتفسير الاستجابة والدفاع عنها، بدل أن تكون مقدمة للوصول إليها.
وهنا يكون الانحياز التأكيدي واحدًا من الآليات التي قد تكشفها المؤشرات، لا معيارًا قائمًا بذاته ولا تعريفًا للعقل المفخخ.
ثالثًا: حدود مفهوم «العقل المفخخ»
– لا يتحدد العقل المفخخ بقوة الاعتقاد
فالإيمان الشديد بفكرة، أو الدفاع عنها بحماسة، لا يجعلانها تفخيخًا ما دامت القناعة تقبل الفحص والمراجعة.
– لا يتحدد العقل المفخخ بمضمون القناعة
فلا يختص بالدين أو المذهب أو التراث، كما لا يختص بالسياسة أو القومية أو الأيديولوجيا أو الحداثة أو العلموية؛ فموضوع القناعة لا يكفي لتوصيف بنيتها.
– لا يُختزل العقل المفخخ في آلية نفسية واحدة
فالحدس الأخلاقي، والانحياز التأكيدي، والتبرير اللاحق، والاستجابة الانفعالية، كلها آليات يمكن أن تدخل في عملية التفخيخ، لكنها لا تستنفد المفهوم ولا تحل محله.
– لا يُقاس العقل المفخخ بنتيجة سلوكية واحدة
فالتعصب أو التطرف أو الإقصاء أو العنف قد تكون نتائج محتملة لتفخيخ الوعي، لكنها ليست شروطًا لازمة لتعريفه؛ إذ يمكن أن تكون البنية المفخخة قائمة قبل ظهور هذه النتائج.
– لا يُحكم به على الشخص من واقعة منفردة
لا تكفي عبارة غاضبة، أو موقف متشدد، أو استجابة عابرة للنقد؛ فالتوصيف يتطلب تضافرًا متكررًا ومترابطًا من آليات الاشتغال داخل السياق نفسه.
– لا يُفهم بوصفه تشخيصًا نفسيًا أو حكمًا أخلاقيًا على الإنسان
موضوع التحليل هو الطريقة التي تعمل بها القناعات داخل الخطاب والممارسة الرمزية، لا إصدار حكم نهائي على جوهر الشخص أو شخصيته؛ ولذلك تبقى وحدة التحليل الأساسية هي اشتغال الخطاب.
ويغدو العقل المفخَّخ خطرًا حين يتجاوز كونه وعيًا غير مفحوص إلى كونه فاعلًا رمزيًا في المجال العام، يُنتج خطابًا يبرّر الإقصاء، ويُضفي الشرعية على الهيمنة، ويُهيّئ شروط العنف المادي أو الرمزي، دون أن يعترف بذاته بوصفه حاملًا لمنظومة دوغمائية وآليات انحياز تأكيدي.



