فاجأ كتابي “العقل المفخخ” كثيرين ممن لم يعرفوني عن قرب، حتى إن بعضهم ظن أنه كُتب بالذكاء الاصطناعي. ولعل هذه المفاجأة أعادتني إلى سؤال رافقني سنوات طويلة: لماذا تأخرت في الكتابة، رغم أن كثيرين ممن يعرفونني كانوا يحثونني مرارا على التأليف؟
كان جوابي دائما سؤالا آخر: ما الجديد الذي سأقدمه؟ وماذا سيجني القارئ حين يطوي الصفحة الأخيرة من كتابي؟ لم أكن أريد أن أضيف كتابا إلى مكتبة مزدحمة بالكتب، بل كنت أبحث عن فكرة تستحق أن تُكتب، وإضافة تستحق أن تُقرأ.
منذ أن أسست، مع مجموعة من الأصدقاء، “مشروع دعوة للقراءة” على فيسبوك، في العامين 2012 و2013، وأنا أخوض رحلة طويلة مع الكتب، قراءةً وتأملا ونقدا، بالتوازي مع نشاطنا في الدعوة إلى القراءة، ومحاولة ترميم العلاقة بين الإنسان العراقي والكتاب. فقد تضررت هذه العلاقة بفعل عوامل متراكمة، في مقدمتها نظام تعليمي اختزل المعرفة في الملخصات والملازم، وبيئة اجتماعية لم تمنح التفكير الحر والقراءة ما يستحقانه من اهتمام. ثم جاءت المنصات الرقمية، بما تتيحه من صور ومقاطع قصيرة ومحتوى سريع الاستهلاك، لتضيف تحديا جديدا إلى ثقافة القراءة المتأنية.
لم تكن المسألة بالنسبة إليّ مجرد الدفاع عن الكتاب في مواجهة الشاشة، بل كانت تتعلق بنمط كامل من العلاقة بالمعرفة؛ نمط يميل إلى الإجابات الجاهزة، ويستعجل الوصول إلى النتائج قبل أن يتعلم كيف يطرح الأسئلة.
وقد عاصرت، في أثناء رحلتي مع القراءة، آثار الكتب التي أنتجتها الصراعات الأيديولوجية، منذ حقبة البعث وحتى العام 2003، ثم ما تلاها من تحولات سياسية واجتماعية، وانقسامات أعادت تشكيل وعي المجتمع العراقي. كنت أقرأ وأراقب وأحاول أن أفهم، لكنني لم أكن أجد نفسي مطمئنا إلى كثير مما يُقدَّم بوصفه حقائق نهائية.
في بداياتي، كانت أسئلتي وجودية ومباشرة: من أنا؟ ما هذا العالم؟ ما الله؟ ما السبيل إلى النجاة؟ كنت أبحث عن إجابات تريح ضميري القلق، وأسأل عنها من ظننتهم أكثر معرفة وحكمة، حتى قبل أن يصل الإنترنت إلى محيطنا. لكن الإجابات التي تلقيتها لم تكن كافية، ولم يكن في وسعي أن أستعير يقين الآخرين لمجرد أنهم يتحدثون بثقة.
هكذا انتقلت من الكتب الرديئة إلى الجيدة، ومن الجيدة إلى الرصينة، في رحلة لم تكن سهلة ولا قصيرة. كانت تتطلب الصبر والمثابرة، وتفرض عليّ أن أراجع ما أقرأ، وأن أختبر الأفكار بدلا من الاكتفاء بالإعجاب بها.
وكلما اتسعت قراءتي، ازددت دهشة من يقينيات المحيطين بي. كان كثيرون يتحدثون كما لو أنهم امتلكوا الإجابات النهائية، بينما كنت أميل إلى تعليق الأحكام، وإبقاء الأسئلة مفتوحة، ومنح الاحتمالات فرصة قبل إصدار المواقف. وربما لهذا وجدت نفسي، في مراحل مختلفة، قريبا من “اللامنتمي” عند كولن ولسون، ثم من “الإنسان المتمرد” عند ألبير كامو، ثم من أسئلة نيتشه وتمرده على المسلمات. وكنت أجد في تجارب العلماء والمفكرين والأنبياء والصالحين، على اختلاف عوالمهم وطرائقهم، ما يدفعني إلى التأمل وإعادة النظر.
لكنني، بعد كل ذلك، عدت إلى نفسي.
أدركت أن التأثر بالآخرين لا يعني أن نظل نسخا منهم، وأن القراءة الحقيقية لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الإعجاب بالمؤلفين، مهما بلغت مكانتهم. فليس المطلوب أن نصبح كولن ولسون أو كامو أو نيتشه، بل أن نفهم ما الذي أضافوه إلينا، ثم نختبر أفكارهم في ضوء تجاربنا وأسئلتنا وواقعنا.
ومن هنا بدأت أتحسس ملامح وجودي الفكري الخاص. لم أكن نسخة مكررة من أحد، بل حصيلة قراءات وتجارب وخبرات وتأملات ومراجعات متراكمة. ومع مرور الوقت، أخذت الأفكار تنضج، وبدأت أرى مشكلات في بيئتي وثقافتي لا يكفي لفهمها استيراد المفاهيم الجاهزة، ولا يكفي لمعالجتها تكرار ما قاله الآخرون.
كان عليّ أن أبحث عن أدوات معرفية رصينة، وأن أختبر قدرتها على تفسير واقعنا، وأن أبدأ من أسئلة تنبع من بيئتنا العراقية وامتدادها العربي والإسلامي، من دون أن أنغلق عليها أو أقطع صلتي بالمعرفة الإنسانية الأوسع.
عند تلك النقطة، لم تعد الكتابة مجرد رغبة مؤجلة، بل أصبحت مسؤولية معرفية. شعرت بأنني أملك ما يستحق المحاولة: فكرة تشكلت عبر سنوات من القراءة، وقلق فكري لم يتوقف عند طرح الأسئلة، بل أخذ يبحث عن أدوات لتفسيرها، ومفهوم يحاول أن يكشف بعض الأعطاب التي تعيق وعينا وتحصّن أفكارنا من المراجعة.
هكذا ظهر كتابي الأول “العقل المفخخ”، لا بوصفه نهاية رحلة، بل بداية مشروع فكري آمل أن تتبعه كتب أخرى، تتراكم فيها الأسئلة وتتطور فيها الأدوات، سعيا إلى إنتاج معرفة تنطلق من داخل ثقافتنا، وتحاور منجز الفكر الإنساني، وتضيف إليه جديدا بدلا من الاكتفاء باستهلاكه.
ولعل خبرتي السابقة في قراءة الرسائل والأطاريح الجامعية في العلوم الإنسانية ونقدها قد رسخت لديّ معيارا لا أستطيع التنازل عنه: قيمة العمل المعرفي لا تُقاس بما يكرره من أفكار، ولا بما يحشده من أسماء ومراجع، بل بما يقدمه من إضافة، وبقدرته على فتح أفق جديد للفهم.
لهذا لا أنتظر من القارئ أن يتفق معي في كل ما أقول، ولا أريد لكتابي أن يكون سلطة جديدة تفرض عليه إجاباتها. ما أرجوه أن يجد فيه ما يستفز مسلّماته، ويدفعه إلى تشغيل عقله بعيدا عن الأحكام المسبقة، ويثير أسئلة لم يفكر فيها من قبل، أو يعيد إليه أسئلة ظن أنه فرغ من الإجابة عنها.
أما إذا قرأه القارئ ولم يجد فيه ما يضيف إلى معرفته، أو يحفز تفكيره، أو يثير أسئلته، فمن حقه أن يتركه جانبا، بل أن ينصح غيره بألّا يهدر وقته فيه. فليس كل كتاب جديرا بالقراءة لمجرد أن صاحبه بذل فيه جهدا، وليس كل جهد يبذل في الكتابة يتحول بالضرورة إلى قيمة معرفية.
لقد احتجت سنوات طويلة لأدرك أن الكتابة ليست أن تقول ما تعرفه فحسب، بل أن تمتلك ما يستحق أن تقوله، وأن تتحمل مسؤولية قوله.
وإذا كان “العقل المفخخ” قد أثار دهشة بعضهم، أو دفع آخرين إلى التساؤل عن صاحبه، فإن ما يهمني في النهاية ليس أن يُدهش الكتاب قراءه، بل أن يترك فيهم شيئا يستحق البقاء بعد أن تنتهي قراءته.
فما قيمة كتاب يُغلق غلافه، وتُغلق معه الأسئلة؟


