بين القوالب الجاهزة وتعقيدات الإنسان العراقي: قراءة من منظور العقل المفخخ

بين القوالب الجاهزة وتعقيدات الإنسان العراقي قراءة من منظور العقل المفخخ
يؤكد فهم الإنسان العراقي ضرورة تجاوز التصنيفات المذهبية والسياسية المغلقة، وكشف أثر التعصب في تبرير الأخطاء وإدانة الآخرين. ويدعو إلى ترسيخ التفكير النقدي، والإنصاف، والمساءلة الفردية، وحماية حق الاختلاف والمراجعة، بما يعزز التعايش والعدالة....

مع تعقيدات الحياة وتشابك أبعادها، لم تعد القوالب الفكرية والنفسية الجاهزة قادرة على تفسير ما يمرّ به الإنسان، ولا سيما الإنسان العراقي، الذي عاش عقوداً من الحروب والاستبداد والصراعات والانقسامات، وما خلّفته جميعها من تحوّلات عميقة في الوعي والسلوك والعلاقات الاجتماعية.
والمقصود بهذه القوالب تلك النظريات والتصنيفات التي تقادمت مع الزمن، أو التي جرى التعامل معها وكأنها حقائق مطلقة، صالحة لكل زمان ومكان، بصرف النظر عن اختلاف البيئات والتجارب والظروف. والحقيقة أن الإنسان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في فكرة، أو يُحكم عليه انطلاقاً من هويته، أو يُفسَّر سلوكه من خلال انتمائه الديني أو المذهبي أو السياسي.
من هنا، نحن بحاجة دائمة إلى رؤى جديدة، تنبع من عقول منفتحة وقلوب تمتلك رهافة الحس، وتستطيع أن تجمع بين عمق التفكير ونزاهة الموقف، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتفسيرات الجاهزة. فالحياة تتغير، والإنسان يتغير معها، وما كان صالحاً لفهم مرحلة معينة قد يعجز عن تفسير مرحلة أخرى. وليس من الحكمة أن نواجه أسئلة الحاضر بأدوات الماضي وحدها.
وثمة ظاهرة تستحق التوقف عندها، تتمثل في أولئك الذين يوزّعون أحكامهم على الناس بيقين لا يتزعزع (المؤمنين)، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فهذا غبي، وذاك منحرف، وأولئك أتباع لهذه الجهة أو تلك، وهؤلاء خونة، إلى آخر قائمة التصنيفات التي لا تنتهي.
والمفارقة أن هذه الأحكام كثيراً ما تصدر عن أشخاص يرون أنفسهم أصحاب الحقيقة، ويعتقدون أن امتلاكهم قناعة أكيدة معينة يمنحهم الحق في محاكمة الآخرين وإدانتهم. وهنا لا أقصد بـ”المؤمنين” المؤمنون دينياً فحسب، بل كل من يؤمن بفكرة أو عقيدة أو مشروع سياسي، إلى درجة يصبح معها أسيراً لها، فلا يرى من الواقع إلا ما يؤيدها، ولا يسمع من الأصوات إلا ما ينسجم معها.
إن هذا النوع من الإيمان، حين يتحول إلى تعصّب، لا يعود وسيلة لفهم العالم، بل يصبح حاجزاً يحول دون رؤيته على حقيقته.
فـ”المؤمن الصادق” بدوغما سياسية قد تعميه جرائم ستالين، فيتعامل معها بوصفها مجرد هوامش أو أخطاء عابرة في نظام يعتقد أنه جاء لخدمة البشرية، وكأن الغاية النبيلة، في نظره، قادرة على تبرير الوسائل الإجرامية. وبالمنطق ذاته، قد تعمي جرائم نظام صدام حسين من يؤمن بأن ذلك النظام رفع كرامة العراقيين في مواجهة دول الجوار والعالم، فيغضّ الطرف عن ضحاياه، ويختزل تاريخاً مثقلاً بالمآسي في شعارات القوة والسيادة والكرامة.
وفي الحالتين، لا تكون المشكلة في مجرد الانتماء إلى فكرة، بل في تحويلها إلى معيار وحيد للحقيقة، وفي منح الذات حصانة أخلاقية تجعلها ترى أخطاء الآخرين بوضوح، بينما تعجز عن رؤية أخطاء من تؤمن بهم.
فحين يصبح الانتماء أقوى من الحقيقة، تتحول القناعة إلى تعصّب، ويتحول العقل من أداة للفهم إلى أداة لتبرير ما نريد تصديقه.
لدينا، إذن، مشكلة حقيقية في توصيف الظواهر الاجتماعية والدينية والسياسية، وفي التعامل مع الهويات كما لو كانت كتلًا متجانسة لا اختلاف داخلها.
فمثلا، ليس الشيعي الذي يعيش في الكاظمية بالضرورة مماثلاً للشيعي الذي يعيش في المدينة، وليس الشيعي الذي يؤمن بالدولة الوطنية هو ذاته الذي يؤمن بولاية الفقيه العامة. كما أن الانتماء المذهبي لا يعني بالضرورة تبنّي المدونة الجعفرية بكل تفاصيلها، ولا الاصطفاف وراء حزب سياسي بعينه. فقد يكون الشخص شيعياً من حيث النشأة أو الهوية الثقافية، لكنه لا يتبنى العقيدة الدينية، بل قد يكون ملحداً. وقد يكون إلحاده نفسه متشكلاً في بيئة شيعية، مثلما يمكن أن نجد ملحداً نشأ في بيئة سنية، وهو ما أشرت إليه في كتابي: “العقل المفخخ” (ملحدون سنة وشيعة)!
إن الهوية ليست بالضرورة عقيدة مكتملة، كما أن الانتماء الاجتماعي لا يساوي الالتزام الديني، ولا يعني الموقف المذهبي بالضرورة موقفاً سياسياً محدداً. وبين هذه المستويات مساحات واسعة من الاختلاف والتنوع، لا يمكن تجاهلها من دون الوقوع في التبسيط والإخلال بالحقيقة.
والأمر ذاته ينطبق على السنّة؛ فليس السنّي الذي يسكن الأعظمية نسخة مطابقة للسنّي الذي يسكن الأنبار أو صلاح الدين. فالبيئة الاجتماعية، والتجربة التاريخية، ومستوى التعليم، والعلاقات الاقتصادية، والتجارب الشخصية، كلها عوامل تسهم في تشكيل الوعي، وقد تنتج داخل المذهب الواحد رؤى متباينة، بل متعارضة أحياناً.
كذلك، ليس كل من ينتمي إلى البيئة السنية يؤمن بعصمة الصحابة جميعاً من دون استثناء، وليس من المنهج العلمي أن ننسب هذا الاعتقاد إلى منطقة بعينها أو نفترض انتشاره فيها من دون دليل. وقد يكون بعض الناس لم يفهم السؤال أصلاً، أو لم تتح له فرصة مناقشته بحرية، أو آثر الصمت خوفاً من محيط لا يتسامح مع الاختلاف. وقد تتداخل هذه الاحتمالات، فيصبح الصمت أحياناً تعبيراً عن الحذر، لا عن الاقتناع.

وفي بعض البيئات، قد تتداخل الرموز الدينية مع الهوية الجماعية إلى درجة يصبح معها نقد الرمز وكأنه نقد للدين نفسه، أو يصبح الاختلاف مع تصور معين تهديداً للجماعة بأكملها. وعندئذٍ، قد يُنظر إلى الصحابي بوصفه مرادفاً للإسلام، أو إلى المرجعية الفلانية بوصفها الحقيقة الإسلامية لا غير، أو إلى الزعيم بوصفه مرادفاً للوطن، في حين أن هذه المفاهيم، على اختلاف طبيعتها ومكانتها، لا يجوز اختزال أحدها في الآخر.
إن الخلط بين الرمز وما يمثله، وبين الجماعة وبعض أفرادها، وبين المذهب ومواقف المنتمين إليه، هو أحد أهم مصادر سوء الفهم والانقسام. وحين نضع الملايين في خانة واحدة، فإننا لا نختصر الواقع فحسب، بل نحجب عن أنفسنا فرصة فهمه.
ولعل المشكلة الأعمق تكمن في أننا لا نكتفي أحياناً بتصنيف الآخرين، بل نمنح أنفسنا، من خلال هذا التصنيف، شعوراً بالتفوق الأخلاقي والفكري. فنحن العقلاء، وهم الجهلة؛ نحن الوطنيون، وهم الخونة؛ نحن أصحاب الحق، وهم أهل الباطل. وبهذه الثنائية المريحة نعفي أنفسنا من مشقة التفكير، ومن مسؤولية مراجعة المواقف، ومن الاعتراف بأن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً مما نرغب في تصديقه.
لكن فهم الإنسان لا يعني تبرير أخطائه، كما أن رفض التعميم لا يعني إنكار المسؤولية. فمن يرتكب جريمة يتحمل مسؤوليتها، ومن يبرر الاستبداد يُسأل عن تبريره، ومن يحرض على الكراهية لا تعفيه هويته من النقد والمساءلة. إن المطلوب ليس إلغاء الأحكام، بل تأسيسها على الوقائع والأدلة، والتمييز بين المسؤولية الفردية والجماعية، وبين النقد المشروع والإدانة المسبقة.
نحن بحاجة إلى شجاعة فكرية تجعلنا قادرين على نقد ما نؤمن به، لا الاكتفاء بنقد ما يؤمن به الآخرون. وبحاجة إلى ثقافة تعترف بأن الإنسان قد يراجع أفكاره، وأن المواقف ليست قدراً أبدياً، وأن الانتماءات لا تسلب أصحابها حق الاختلاف والتجدد.
إن العراق، بما يحمله من تنوع ديني ومذهبي وثقافي واجتماعي، لا يمكن فهمه بعقلية التصنيفات المغلقة، ولا بناء مستقبله على أحكام تتوارثها الجماعات عن بعضها بعضاً. فالمجتمع الذي يختزل أبناءه في هوياتهم، يحرم نفسه من رؤية الإنسان الكامن خلف تلك الهويات؛ والمجتمع الذي يخاف من الأسئلة، يترك المجال واسعاً للأجوبة الجاهزة، مهما كانت مضللة.
ولعل أولى خطوات الخروج من هذا المأزق أن نتعلم كيف نفكر، لا أن نكتفي بما نفكر فيه؛ وأن نمتلك الشجاعة لمراجعة قناعاتنا، لا أن نجعل منها حصوناً نختبئ خلفها؛ وأن نمنح الآخرين حق الاختلاف، من دون أن نتخلى عن حقنا في النقد والمساءلة.
فليس المطلوب أن نتفق جميعاً، بل أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نتبادل التخوين، وكيف نناقش الأفكار من دون أن نهين أصحابها، وكيف نبحث عن الحقيقة من دون أن نزعم امتلاكها كاملة.
إن نضج المجتمعات لا يُقاس بقدرتها على إنتاج المؤمنين بأفكارها، بل بقدرتها على حماية حق أبنائها في السؤال والاختلاف والمراجعة. فالعقل الذي لا يشكّ في شيء قد يتحول إلى سجن، والإيمان الذي لا يقبل المراجعة قد يتحول إلى تعصّب، والهوية التي لا تتسع للآخر تتحول إلى جدار يفصل أبناء الوطن الواحد.
ولأن الإنسان أكبر من تصنيف، وأعمق من انتماء، وأكثر قدرة على التغيّر مما نتصور، فلنحاول أن نرى بعضنا بعضاً بعيون أقل يقيناً في أحكامها، وأكثر إنصافاً في رؤيتها، وأشد إيماناً بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفاً. أن نكفل حق الحياة التي قد تختلف عما ألفنا في بيئاتنا الضيقة.
فربما لا نحتاج إلى مزيد من اليقين بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الحكمة؛ ولا إلى مزيد من الأحكام بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الفهم. وحين نتعلم أن نرى الإنسان قبل أن نرى هويته، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق نحو مجتمع أكثر وعياً، ووطن أكثر عدلاً، ومستقبل يليق بنا وبأطفالنا ونسائنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *