العراق من ساحة لتنافس القوى إلى شريك في إنتاج الأمن الإقليمي بين طموح الوساطة وحدود الإستقلال الاستراتيجي

العراق من ساحة لتنافس القوى إلى شريك في إنتاج الأمن الإقليمي بين طموح الوساطة وحدود الإستقلال الاستراتيجي
يمتلك العراق مقومات للانتقال من الوساطة الظرفية إلى المشاركة في صياغة الأمن الإقليمي، لكن نجاحه يتوقف على توحيد القرار، وتقليل الاعتماد الخارجي، وبناء آليات مؤسسية دائمة تحول الحوار إلى قواعد أمنية قابلة للتنفيذ...

أولاً:

بغداد ومحاولة استعادة الدور الإقليمي

يمثّل طرح انتقال العراق من «ميدان تنافس القوى» إلى دور «الوسيط والمنظّم للترتيبات الأمنية الإقليمية» تحوّلاً مهماً، إذا اقترن ببناء منظومة سياسية وأمنية قادرة على التأثير في سلوك الأطراف.

فموقع العراق الجغرافي وتاريخه وتركيبته الاجتماعية وتشابك علاقاته مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، جعلته ساحة لتداخل حسابات القوى الإقليمية والدولية، وتجاوز القرارات الأمنية أحياناً حدود الإرادة الوطنية.

لذلك تكتسب استضافة بغداد الاجتماع الثاني والخمسين لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، بالتوازي مع طرح الحوار الأمني بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، أهمية تتجاوز البروتوكول. فالقيمة الحقيقية تكمن في تأسيس مسار مستدام يخفّض احتمالات المواجهة، ويعالج انعدام الثقة، ويمنح دول المنطقة دوراً مباشراً في تحديد أمنها.

لكن السؤال هو: هل يستطيع العراق الانتقال من الوساطة المؤقتة إلى المشاركة الفعلية في إنتاج نظام أمني إقليمي، أم سيظل محكوماً بتوازنات القوى التي يسعى إلى التوفيق بينها؟

ثانياً:

من إدارة التنافس إلى صناعة قواعد الأمن

ثمة فرق بين استضافة مفاوضات بين خصمين، والتأثير في قواعد العلاقة بينهما. فالوسيط يقرّب وجهات النظر ويخفف التوتر، بينما تعمل الدولة المشاركة في إنتاج النظام الأمني على بناء مؤسسات وآليات وقواعد تجعل الحوار مستمراً لا ظرفياً.

لذلك لا ينبغي قياس نجاح العراق بقدرته على جمع إيران ودول الخليج فقط، بل بتحويل اللقاءات إلى مسار مؤسسي يشمل الإخطار المسبق بالمناورات، وتبادل المعلومات حول المخاطر العابرة للحدود، ومكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة والمنشآت الحيوية، وتسوية النزاعات سلمياً.

ولا يمكن بناء استقرار مستدام باستبعاد طرف إقليمي رئيسي أو فرض ترتيبات من الخارج. فالأمن القائم على الردع وحده يبقى هشاً، بينما يحتاج الأمن الجماعي إلى تفاهمات وضمانات قابلة للتنفيذ. ويستطيع العراق تقديم قيمة مضافة بوصفه دولة لها مصلحة مباشرة في خفض التوتر، وتملك علاقات متعددة تساعدها على تقريب المواقف وصياغة قواعد مشتركة.

ثالثاً- لماذا يمتلك العراق أوراقاً تؤهله لهذا الدور؟

تنبع نقاط القوة العراقية من ثلاثة عناصر:

أولها الموقع الجغرافي؛ فالعراق حلقة وصل بين الخليج وإيران وبلاد الشام وتركيا، ويتأثر مباشرة بأي تصعيد أو اضطراب في التجارة والطاقة. لذا فإن استقرار الإقليم شرط لأمنه الداخلي وتنميته.

وثانيها شبكة العلاقات السياسية. فهو يرتبط بإيران، وبالدول العربية والخليجية، وبالولايات المتحدة. ويمكن لهذه الشبكة أن تصبح أداة توازن إذا أُديرت باستراتيجية وطنية واضحة، لا بسياسة رد الفعل.

وأما الثالث، فهو خبرة بغداد في استضافة الحوارات، ومنها المحادثات السعودية الإيرانية التي سبقت استئناف العلاقات عام 2023 بوساطة صينية. وقد أثبتت التجربة قدرة العراق على توفير مساحة للتواصل حين تتعثر القنوات المباشرة.

لكن هذه الخبرة لا تعني امتلاك القدرة تلقائياً على إدارة منظومة أمنية؛ فالوساطة تمنح رصيداً سياسياً، لكنها لا تغني عن بناء مؤسسات فعالة أو تضمن إلزام الأطراف بالتفاهمات.

رابعاً:

التناقض الأول: الوساطة بين الخصوم والاعتماد الأمني الخارجي

يواجه الطموح العراقي تناقضاً بين السعي إلى استقلال القرار الأمني واستمرار الاعتماد على الشراكات الخارجية عسكرياً واستخبارياً وتقنياً.

فالعراق يحتاج إلى تطوير قدراته في مراقبة الحدود ومكافحة «داعش» وتأمين مجاله الجوي، وهي مهام تتطلب تدريباً وتسليحاً واستخبارات وتعاوناً دولياً. لكن الاعتماد غير المتوازن قد يحد من هامش المناورة الدبلوماسية.

ولا يتناقض التعاون العسكري مع السيادة حكماً؛ فالمعيار هو طبيعة الاتفاقات، ووضوح الصلاحيات، وخضوعها للقانون والمؤسسات الدستورية، وقدرة الدولة على مراجعتها وفق مصالحها.

وتزداد المعضلة حين تتعارض أولويات القوى الخارجية مع التهدئة الإقليمية: كيف يضمن العراق الحوار بين إيران ودول الخليج إذا كانت أراضيه أو أجواؤه أو منشآته عرضة لأن تصبح جزءاً من مواجهة لا يملك قرارها كاملاً؟

يتطلب تجاوز ذلك استراتيجية دفاع وطني تحدد الشراكات الخارجية، وتمنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الجوار أو لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

خامساً:

التناقض الثاني: تعدد مراكز القوة وحدود القرار الوطني

يبدأ إنتاج الأمن الإقليمي من داخل الدولة. فأي مبادرة عراقية تحتاج إلى قرار متماسك، ومؤسسات أمنية وعسكرية خاضعة للسلطة الدستورية، وسياسة خارجية مستقرة. وكلما تعددت مراكز التأثير، صعب تقديم ضمانات واضحة للشركاء.

ولا تكمن المشكلة في التعددية السياسية، بل في احتمال تعارض القرار الرسمي مع قوى تمتلك نفوذاً سياسياً أو عسكرياً خارج التسلسل المؤسسي. كما أن اختزال المشهد العراقي في هذه المعضلة يتجاهل تعقيداته الاجتماعية والسياسية وتحديات بناء التوافق الوطني.

وتحتاج الدولة التي تنظم حواراً أمنياً إلى ترسيخ خضوع قرار الحرب والسلم، والعلاقات العسكرية الخارجية، والالتزامات الدولية، لمؤسساتها الدستورية. وإلا فقد ينجح العراق في جمع الأطراف، لكنه سيجد صعوبة في إقناعها باستمرار تفاهماته وتنفيذها.

سادساً:

التناقض الثالث: المنافسة الإقليمية ومخاطر تحويل الحوار إلى غطاء سياسي

لا يمكن فصل الحوار الأمني بين إيران ودول الخليج عن خلافاتهما، ولا عن حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى المؤثرة في المنطقة.

فدول الخليج تختلف في تصوراتها الأمنية وعلاقاتها الدولية، وإيران تنطلق من حسابات أمنها القومي وردع التهديدات. كما تتباين المواقف من الوجود العسكري الأجنبي، وأمن الممرات البحرية، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والصراعات العربية.

لذلك لا ينبغي أن يتحول الحوار إلى منصة لفرض شروط طرف واحد، أو لكسب الوقت، أو لتغطية ترتيبات تُصاغ خارج المنطقة. وعلى العراق تبني مبدأ الأمن المتبادل، القائم على احترام السيادة، وعدم التدخل، والالتزام بالقانون الدولي، وتسوية النزاعات سلمياً، مع تناول مصادر التهديد بصورة متوازنة.

غير أن إعلان المبادئ لا يكفي؛ فالنجاح يتطلب استعداداً لتنازلات متبادلة، وآليات للتحقق، وقنوات اتصال تمنع تحول الحوادث المحدودة إلى أزمات واسعة.

سابعاً:

كيف ينتقل العراق من الوساطة إلى المشاركة في صناعة النظام الأمني؟

يتطلب الانتقال برنامجاً عملياً متدرجاً:

1-7: إنشاء إطار حوار أمني دائم يضم إيران ودول مجلس التعاون والعراق، مع اجتماعات دورية وآلية لمتابعة القرارات.

2-7 : البدء بملفات قابلة للتقدم، مثل أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات، وحماية البنى التحتية، والإخطار بالمناورات، وإنشاء خطوط اتصال عاجلة.

3-7 : تعزيز استقلال القرار الأمني عبر تطوير القدرات الوطنية، وتنظيم التعاون العسكري الخارجي قانونياً، وترسيخ خضوع المؤسسات المسلحة للسلطة الدستورية، من دون تحويل الاستقلال إلى عزلة.

4-7 : بناء شراكات اقتصادية وتنموية في الطاقة والنقل والتجارة والمياه وإعادة الإعمار، بما يرفع كلفة الصراع ويمنح التفاهمات الأمنية قاعدة مادية.

5-7: اعتماد سياسة خارجية متوازنة تقوم على ثبات المبادئ والسيادة، مع الحفاظ على التواصل مع مختلف الأطراف. فالمصداقية تنبع من اتساق المواقف ووضوح المصالح والالتزامات.

 وفي المحصلة: هل يستطيع العراق إنتاج الأمن الإقليمي؟

يمتلك العراق موقعاً استراتيجياً، وعلاقات متشعبة، وخبرة في استضافة الحوارات، ومصلحة مباشرة في منع تحول الحروب إلى صراعات مفتوحة على أراضيه.

لكن الانتقال من ميدان لتنافس القوى إلى شريك في إنتاج الأمن يتطلب معالجة التناقض بين الطموح الدبلوماسي والاعتماد الأمني، وبين تعدد مراكز النفوذ ووحدة القرار، وبين الرغبة في التوسط والقدرة على التأثير.

إن استضافة بغداد اجتماعاً دولياً أو طرح مبادرة للحوار يمثل فرصة لا دليلاً نهائياً على النجاح. ويصبح التحول ملموساً عندما تتأسس آليات دائمة، وتُنفذ التفاهمات، وتتراجع احتمالات التصعيد، ويستطيع العراق حماية مصالحه من دون أن يتحول إلى أداة في صراع الآخرين.

إن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس أن تكون مكاناً يلتقي فيه المتنافسون، بل أن تصبح شريكاً في وضع القواعد التي تمنع تنافسهم من التحول إلى حرب. وهذا يتطلب قراراً سيادياً متماسكاً، وتحويل الجغرافيا إلى نفوذ إيجابي، والعلاقات المتعددة إلى جسور للتفاهم، والوساطة إلى مؤسسات وقواعد مستدامة. عندها فقط يمكن للعراق المشاركة فعلياً في صياغة أمن المنطقة ومستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قمم تعانق الوهم

25 أكتوبر، 2026