الصدمة المزدوجة لعملية الخليل: بين تآكل الأمن الشخصي والارتباك السياسي

الصدمة المزدوجة لعملية الخليل بين تآكل الأمن الشخصي والارتباك السياسي
كشفت عملية الخليل هشاشة بعض فرضيات الأمن الإسرائيلي في الضفة، ووضعت حكومة نتنياهو أمام اختبار سياسي وأمني. لكن أثرها الانتخابي يبقى غير محسوم، ويتوقف على تكرار الهجمات، وأداء الأجهزة، واستنزاف الاحتياط، واتجاهات الرأي العام...

لا تكمن أهمية عملية الخليل في الخسائر التي أوقعتها فحسب، بل في الطريقة التي كشفت بها هشاشة التصور الإسرائيلي للأمن في الضفة الغربية. فقد تزامن الحدث مع موسم انتخابي حساس، الأمر الذي نقل العملية من نطاق الحادث الميداني إلى المجال السياسي العام. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما يمكن إثباته مباشرة، مثل استمرار الاشتباك، وإصابة جنود، واتخاذ الحكومة إجراءات طارئة، وبين الاستنتاجات المتعلقة بتأثير العملية في اتجاهات التصويت أو مستقبل الائتلاف الحاكم.
بهذا المعنى، أنتجت العملية صدمتين متداخلتين. الأولى ميدانية مست الأمن الشخصي وقدرة الجيش على حماية قواته ومستوطناته. والثانية سياسية طالت صورة الحكومة التي بنت شرعيتها على احتكار القدرة على توفير الأمن. ولا تعني الصدمة السياسية أن العملية حسمت سلوك الناخبين، لكنها أوجدت ظرفاً يضع الخطاب الأمني للحكومة أمام اختبار مباشر.
تآكل الأمن الشخصي في الشارع الإسرائيلي

تتعامل المجتمعات الواقعة تحت التهديد مع الأمن باعتباره خبرة يومية، لا مجرد مؤشرات عسكرية أو بيانات رسمية. لذلك لا يقاس أثر العملية بعدد الإصابات وحده، بل بمدى قدرتها على اختراق الحياة العادية، وتعطيل النشاط السياسي، وإقناع السكان بأن الإجراءات الأمنية القائمة لا تمنحهم حماية مستقرة.
إذا صح أن رئيس الحكومة طلب إلغاء الأنشطة الانتخابية لحزبه عقب العملية، فإن القرار يحمل دلالة سياسية وأمنية في آن واحد. فهو يعكس، أولا، أولوية إدارة الأزمة على مواصلة الحملة الانتخابية. ويشير، ثانياً، إلى أن الحكومة خشيت أن يتحول الحدث إلى مشهد يومي يطغى على خطابها الانتخابي. لكن لا يمكن الجزم من هذا الإجراء وحده بحجم التحول في الرأي العام؛ إذ يحتاج ذلك إلى مقارنة استطلاعات الرأي قبل العملية وبعدها، وقياس اتجاهات الناخبين في المناطق المتأثرة مباشرة.
كما أن استمرار الاشتباك فترة طويلة، إذا أكدته التقارير الموثوقة، يضيف بعداً نوعياً إلى الإحساس بالخطر. فالمشكلة لا تتصل بوقوع اختراق أمني فقط، بل بقدرة المهاجمين على إبقاء القوات في حالة استنفار عند نقطة يفترض أنها محمية وقريبة من تجمعات استيطانية. هنا يتحول الخطر من حادث محدود إلى رسالة اجتماعية أوسع: الحواجز والتحصينات لا تلغي احتمال تعرض الجنود والمستوطنين لهجوم ممتد.

ولا ينبغي فصل هذا الشعور عن تعدد الجبهات التي تواجهها إسرائيل. فحين تتزامن المخاوف من غزة أو لبنان مع تصاعد التوتر في الضفة، لا يتعامل الجمهور مع كل جبهة بصورة منفصلة بالضرورة. قد ينشأ بدلاً من ذلك إحساس بتراكم التهديدات، وبأن المؤسسة الأمنية مطالبة بتوزيع قواتها واحتياطها على ساحات متعددة.
المؤسسة العسكرية بين فشل الإنذار واستنزاف الاحتياط

تكشف العملية، وفق الوقائع المتاحة، عن سؤالين عسكريين مختلفين. يتعلق الأول بالإنذار المبكر: هل امتلكت الأجهزة مؤشرات كافية على نية تنفيذ هجوم، وهل عجزت عن تحويلها إلى إجراءات وقائية؟ ويتعلق الثاني بالحماية الميدانية: هل كانت القوات المنتشرة في الموقع مجهزة بما يكفي للتعامل مع هجوم مركب أو ممتد؟ لا يجوز دمج السؤالين في حكم واحد على الاستخبارات أو الجيش، لأن فشل جمع المعلومات يختلف عن ضعف الانتشار أو سوء إدارة الاشتباك.
ويكتسب استهداف قوات الاحتياط أهمية خاصة في هذا السياق. فالاحتياط ليس مجرد مورد بشري إضافي، بل عنصر أساسي في قدرة الجيش على توزيع أعباء الانتشار خلال حرب طويلة أو تعدد الجبهات. وكلما طال الاعتماد على وحدات الاحتياط لحماية الحواجز والمستوطنات، ارتفعت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وظهرت أسئلة حول الجاهزية، والتناوب، وقدرة القوات على أداء مهام حراسة ثابتة ومهام قتالية في الوقت نفسه.
أما اتساع جغرافيا الخليل وتعقيدها الاجتماعي، فيجعلان السيطرة الأمنية المباشرة أكثر كلفة. فالحواجز والإغلاقات تستطيع تقييد الحركة، لكنها لا توفر بالضرورة معلومات نوعية عن نوايا الأفراد أو شبكاتهم. كما أن الانتشار العسكري الواسع قد يحمي نقاطاً محددة، لكنه يوزع الموارد على مساحة كبيرة ويجعل القوات عرضة لهجمات مباغتة أو متكررة.
تواجه المؤسسة العسكرية هنا معضلة عملية. فالرد الفوري يتمثل عادة في فرض طوق أمني، وتشديد الإغلاق، وتوسيع الاعتقالات والاقتحامات. وقد تساعد هذه الإجراءات في منع هجمات لاحقة على المدى القصير، لكنها قد ترفع كلفة الاحتكاك مع السكان وتزيد دوافع الانتقام على المدى المتوسط. لذلك لا يمكن تقييمها أمنياً من خلال أثرها الفوري وحده؛ بل يجب قياس ما إذا كانت تقلل القدرة على تنفيذ العمليات أم تعيد إنتاج البيئة التي تسمح بها.
نتنياهو واختبار صورة رجل الأمن

تستند شرعية بنيامين نتنياهو السياسية، بدرجة كبيرة، إلى صورته بوصفه صاحب الخبرة الأوسع في إدارة الملفات الأمنية. لذلك تضعه عملية تقع في الضفة، وفي توقيت انتخابي، أمام مشكلة تتجاوز إدارة حادث منفرد. فالحكومة لا تحتاج إلى إثبات أنها قادرة على الرد فقط، بل إلى إقناع الناخب بأن الرد جزء من استراتيجية تمنع تكرار الهجوم.
من هنا يمكن فهم الاجتماع الأمني الطارئ والإغلاقات الواسعة باعتبارهما إجراءين يؤديان وظيفتين متزامنتين. الوظيفة الأولى ميدانية، وتتمثل في عزل منطقة العملية ومنع امتدادها. والوظيفة الثانية اتصالية، إذ تظهر الحكومة أمام جمهورها بوصفها حاضرة وقادرة على اتخاذ القرار. لكن الإجراءات الطارئة لا تثبت نجاح السياسة الأمنية؛ فهي تثبت أن الحكومة تحركت بعد وقوع الخرق. أما الحكم على فعاليتها فيحتاج إلى متابعة معدلات العمليات، وسرعة اكتشاف الخلايا، وحجم الاحتكاك الناتج عن الإغلاق، ومدى تكرار الإجراءات نفسها.
وتظهر المعضلة بصورة أوضح لدى رموز اليمين المتطرف. فالمطالبة بعزل الفلسطينيين عن طرق المستوطنين أو توسيع القيود قد تستجيب لغضب الجمهور، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن السياسات السابقة لم تمنح الإحساس المطلوب بالأمن. وبعبارة أخرى، يدفع الفشل الأمني اليمين إلى طلب مزيد من الأدوات التي استخدمها قبل وقوع العملية، بدلاً من مراجعة الفرضية التي ربطت بين التشدد وحده وبين الاستقرار.
الأثر الانتخابي: احتمال لا نتيجة محسومة
تمنح العملية المعارضة فرصة لمهاجمة احتكار نتنياهو لملف الأمن، لكنها لا تعني تلقائياً انتقال الأصوات إلى معسكر آخر. فالأثر الانتخابي يتوقف على عدة عوامل، منها حجم الخسائر، واستمرار العمليات، وطريقة تغطية الإعلام، وقدرة المعارضة على تقديم بديل أمني مقنع، فضلاً عن موقف الناخبين من القضايا الأخرى.
لذلك من الأدق القول إن العملية تضعف الحماية السياسية التي يوفرها خطاب الحسم، ولا تسقط هذا الخطاب بالضرورة. وقد يستفيد نتنياهو من الخوف العام إذا نجح في تقديم نفسه باعتباره القائد القادر على إدارة الأزمة، حتى لو كانت الأزمة قد وقعت خلال ولايته. وقد يحدث العكس إذا ترسخ الانطباع بأن إجراءات الحكومة المتشددة لم تمنع الهجوم ولم توفر حماية كافية للجنود والمستوطنين.
تقدير ختامي
تظهر الصدمة المزدوجة لعملية الخليل في انتقال الحدث من مستوى الاختراق الأمني إلى مستوى اختبار العقيدة السياسية التي حكمت إدارة الضفة. ميدانياً، كشفت العملية أن الحواجز والتحصينات والانتشار العسكري لا تمنح حصانة كاملة، وأن حماية المواقع الثابتة لا تعالج بالضرورة مصادر التجنيد والدافع والتنظيم. وسياسياً، وضعت الحكومة أمام فجوة بين صورتها كضامن للأمن وبين قدرتها الفعلية على منع الهجمات أو احتواء آثارها.
لا يمكن الجزم من عملية واحدة بأن اليمين فقد قاعدته الانتخابية أو أن المؤسسة العسكرية دخلت مرحلة عجز شامل. لكن يمكن القول إن العملية رفعت كلفة السياسة القائمة، ووسعت الأسئلة حول جدوى العقوبات الجماعية والإغلاقات، وأعادت الضفة إلى مركز النقاش الأمني الإسرائيلي في لحظة تتنافس فيها الأحزاب على تعريف الجهة الأقدر على حماية الجمهور.
وتتطلب متابعة أثر العملية مراقبة أربعة مؤشرات: تكرار الهجمات في الضفة،في إطار الاستنزاف المستمر والاشغال للمؤسسة العسكرية والسياسية وفشل أو قدرة الأجهزة على إحباطها قبل التنفيذ، مدة استمرار الاعتماد على قوات الاحتياط، واتجاهات الرأي العام في الاستطلاعات اللاحقة. عندها فقط يمكن الانتقال من وصف العملية بأنها هزة سياسية إلى تقدير ما إذا كانت قد أحدثت تحولا فعلياً في ميزان القوة الانتخابي والأمني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قمم تعانق الوهم

25 أكتوبر، 2026