عما قريب سيخسر العراق ملايين من الدولارات ،وهو يعقد مؤتمرا لوزراء الخارجية لمنظمة التعاون الاسلامي الثاني والخمسين في بغداد ،وسيحتاج المؤتمر ما أحتاجته القمة العربية من تحضيرات، وصرفيات لا أول لها، ولا آخر ، ربما موضوع القمم العربية ،والإسلامية لا يحتاج إلى مقال طويل استعرض فيها الأسباب ،والنتائج في فشل أي مؤتمر أقيم، وسيقام في أي دولة عربية ،وإسلامية، وربما انعقاد المؤتمر في العراق في ظل هذا الوضع الاقتصادي المتدهور هو خسارة لأموال الشعب الذي هو أولى بها من غيره ،وما هذه المؤتمرات إلا دعوة لإلتقاط الصور لوجوه مبتسمة علنا حاقدة سرا بعضها لبعض ،وخطابات فارغة لا تسمن، ولا تغني من جوع رغم قناعتي التامة بعدم جدوى انتماء العراق لمنظمة التعاون الاسلامي ،أو الجامعة الدول العربية لعدم فاعلية هاتين المنظمتين في درء الخطر عن العراق ،أو أي دولة عضوة فيهما إلا من لها مصالح عندها كتحالف الشر ضد اليمن حاليا ،وضد العراق سابقا ،وخير مثال على ذلك عدم تمكن منظمة التعاون الاسلامي، وجامعة الدول العربية في تحرير فلسطين، أو في الدفاع عن القدس الشريف أولى القبلتين وثاني الحرمين وفرطت فيه منذ احتلاله الى هذه اللحظة ،والدفاع عن العراق ضد العدوان الأمريكي الذي دمر العراق بعد احتلال الكويت ،وما أدراك ما الكويت هذا الخنجر الذي غرس في خاصرة العراق ،واحتلاله في ٢٠٠٣ بل كثيرا ما عملت هذه المنظمات عكس ما أسست من أجله في الدفاع عن أي عضو فيها لأن الموضوع بكل بساطة هو انبطاح الدول العربية ،والإسلامية أمام أمريكا ، وتطبيعها مع الكيان الصهيوني سرا ،أو علانية ،وأي فرصة للتقارب ما بين كل الدول العربية ،والاسلامية عدا الحوثيين في اليمن ،وحزب الله في لبنان ،والفصائل المقاومة في العراق ،وبين الجمهوريه الإسلامية في إيران هو ضرب من الخيال ،وهم بعيدون جدا كبعد المشرق عن المغرب ،وأرى من الأجدر البحث عن مصالح العراق الحقيقية ،وعدم الانجراف وراء شعارات فضفاضة ،والابتعاد عن التفكير الكلاسيكي، و الإنخراط في اتفاقية أمنية واقتصادية تجمع العراق مع قوى عظمى كالصين، أو روسيا للحفاظ على سيادة العراق ، وتسليحه ،وتطوير مقاتليه ،وبناء مؤسسة عسكرية مدعومة بتصنيع عسكري من هاتين القوتين.
أعتقد أن العراق رغم كل الهفوات التي مر بها بعد ٢٠٠٣ ،والفساد الذي نخر هيكل الدولة ،ووصول طبقة سياسية هي الأفسد على مر العصور حيث تسلق المجرمون، واللصوص ،والسراق إلى الوصول إلى سدة الحكم بشراءهم الأصوات بمال سحت حرام ،واستغفال المواطن الفقير الذي لا حول له ،ولا قوة الذي لا تعنيه مشاكل السياسة قدر ما يعنيه قوت يومه ،وهو يبحث عن رغيف خبز في وطن أهان كرامته .
إن افتقار العراق للتخطيط ساعد في بناء مؤسسة أمنية فاشلة ،فلعب دور اجتثاث البعث دورا انتقاءيا في عدم وصول كثير من القادة الأكفاء الوطنيين للمساهمة في بناء قوات أمنية رصينة ،فيما غض الطرف عن كثير ممن إبعدوا بسبب سرقاتهم ،أو لتهم أخلاقية .
تعددت أسماء الأجهزة الأمنية ،وتنوعت ملابسهم ،وتجهيزاتهم، وهذه القوات ما زالت لا تمتلك زمام الأمور، فعقود تجهيز القوات العسكرية ،والأمنية تزكم الأنوف ،فأنانية الساسة ،وحبهم للمال ،وتقديم مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة ،والمحاصصة المقيتة وزرت من لا يستحق الوزارة وجعل من الجيش ،وباقي الأجهزة الأمنية أكبر بؤرة فساد في كل الوزارات العراقية ،ولو راجعنا الكثير من العقود للطمنا على الرؤوس ،وصرخنا :- (ألا هل من منقذ ينقذنا)، فميزانيات القوات الأمنية هي الأكبر دوما ،ولكن الأموال المخصصة لهذه القوات لا تذهب لتجهيز القوات الأمنية باسلحة متطورة ،بل لجيوب الفاسدين ،والعراق بعد عقدين ،ونيف مازال لا يسيطير على أرضه ،و سماءه ،وماءه ، بل هو محتل بمعنى الكلمة ،فوجود قواعد أمريكية غادرت منذ مدة ،ووجود قواعد تركية متوغلة لأكثر من ١٠٠ كم في بعض الأماكن ،وجرفت آلاف القرى، ومن المضحك المبكي أن نسمع في الأخبار عن وجود قواعد للكيان الصهيوني في أرض العراق اكتشفها راعي بالرغم من عديد أجهزة الاستخبارات يدل دلالة واضحة على احتلال العراق، وعدم أهلية القوات الأمنية مجتمعة للدفاع عن العراق ،ومازلنا نعاني من عدم امتلاكنا أجهزة رصد جوي ،ورادارات، ولا أسلحة دفاع جوي ،ولا منظومات صواريخ، أو مدفعية ثقيلة ،ولا قوة بحرية حقيقية يجعل من سيادتنا منقوصة، فلا نستغرب إذا ما تجاوزت الكويت علينا برا، أو بحرا .
صانع القرار العراقي غير معني بالمرة بما يدور على حدود الوطن ،فما يعنيه حدود جيبه .
تمر السنون ،وجيشنا أضعف بعشرات المرات من جيش النظام السابق ،وأسلحة النظام السابق متوسطة ،وثقيلة ،وحتى طائرات ،وقطع بحرية تم بيعها في سوق النخاسة الى دول معروفة كما استولت عليها مليشيات ،وعصابات ،وجهات إرهابية كما شارك المواطن في سرقة سلاح الجيش السابق، وسيبقى الوضع على ما هو عليه ،فأمريكا والكيان الصهيوني ،ودول الجوار العربي لن تسمح بتسليح الجيش العراقي ،وتمنعه من امتلاك منظومة صواريخ ،أو مدفعية ثقيلة متطورة، أو اسلحة رصد ،ودفاع جوي كما لن تسمح للعراق بامتلاك سلاح بحري متطور يستطيع الدفاع عن أرض ،وسماء، ومياه العراق ،وكتب على الجبش العراقي أن يبقى مجردا من اسلحة يستطيع فيها الدفاع عن نفسه.
الجيش العراقي ،والقوات الأمنية أكتسب خبرة في مواجهة العصابات المتطرفة، وهو متميز في قتال الشوارع، والمدن لكنه لا يستطيع أن يواجه دولة تمتلك منظومة صواريخ ،ومدفعية بعيدة متطورة ،وربما نفشل في أي معركة برية كبرى مع أي جيش نظامي للأسباب سالفة الذكر ،ونظرا للظروف التي مر بها العراق ،والموقع الجغرافي ،والجيوسياسي حاول العراق في لعب دور الوسيط أكثر من مرة بين الدول العربية والجمهورية الاسلامية في إيران لكنه فشل في تقريب وجهات النظر لعدم امتلاكه خطاب سياسي موحد ،ولأن الدول العربية تعلم بمدى تأثير الجمهورية الإسلامية في ايران على القرار السياسي ،وتعلم جيدا أن قوات الحشد الشعبي معظمها مولاية لإيران ،وتتبعها عقائديا، وهذا انعكس على طبيعة العلاقات العربية العراقية ،فمعظم الدول العربية ترى العراق غير مستقل بقراره تابعا لإيران ،ولا أعتقد أن الظروف الآنية تسمح للعراق أن يلعب دورا كبيرا لأنه بمنتهى البساطة تابع لا حر ،فالتدخل الأمريكي، التركي، الإيراني استطاع ،وبشكل مباشر في صنع القرار العراقي بنسب متفاوتة ،ولن يستطيع العراق النهوض إلا ببناء قوات أمنية برية، بحرية ،جوية رصينة تمتلك مختلف الأسلحة التي يحتاجها أي جيش نظامي في الدفاع عن سيادته ،ولا أعتقد أن هذا الوقت قريب ،ونحتاج لوصول منظومة سياسية وطنية شريفة ،ونزيهة تستطيع محاربة الفساد ،وتقتلعه من جذوره ،وتنهي علىالمحاصصة المقيتة ،وسيظل الدور العراقي خجولا في أغلب الأحيان، فالعبرة ليست في عقد مؤتمرات ،ولكن العبرة في استقلالية القرار العراقي، ورفض أي تبعية خارجية ،والدول التي تبني جيوشا قوية ،وتستطيع تصنيع سلاحها بنفسها يحسب لها ألف حساب لا أدعو أبدا إلى عسكرة المجتمع لكن أدعو الى تطوير القوات الأمنية كي تستطيع مجارات الدول في الحروب من الجيل الخامس الذي يكون فيه عامل الذكاء الاصطناعي ،والربوتات ،والطائرات من غير طيار ،والاستفادة من الاقمار الصناعية ،والبرامجيات ،والحواسيب ،والامن السبراني، وباقي الاسلحة الحديثة له الكلمة الأولى .
مازالت قواتنا الأمنية تنتهج الأسلوب الكلاسيكي في تدريب كلياتنا العسكرية ،والأمنية، وتعتمد على التدريب البدني ،ولا تستطيع الارتقاء بتدريباتها الى مستوى القوات المتقدمة التي تعتمد على الحاسوب ،والحرب الالكترونية، والسيطرة على حواسيب قوات العدو ،والسيطرة على كل شبكاته من دون أن تضرب طلقة واحدة.
إن هذا المؤتمر ولد ميتا فلا نية لمحور الانبطاح ،والعمالة أن يحافظ على قيم العروبة ،والاسلام ،وسيظل يأتمر بأمر أمريكا ،والكيان الصهيوني، فمن عادة العبد طاعة سيده طاعة عمياء ،ولو أنعقد المؤتمر على مدار السنة لما نجح في تقريب وجهات النظر بين مقاوم يضحي بالغالي ،والنفيس من أجل دينه ،وعقيدته ،وكرامته ،وبين جبان باع دينه وكرامته لأمريكا ،والكيان البغيض لأن القرار ليس قراره .
قد يسأل سائل :- لماذا اسهبت في الحديث عن الجيش،والقوات الأمنية ،وما علاقة ذلك بموضوع المؤتمر المزمع عقده قريبا في بغداد ؟
أقول أن الدول التي لا تمتلك جيشا مؤهلا للدفاع عن حياضها لا تمتلك قرارا سياسيا مستقلا، ومتى ما امتلكنا هذا الشيء ساعتها يكون لنا موقفا آخر يختلف عن موقفنا هذا ،ولكل حاديث حديث .


