مبادرة بغداد ومحور المقاومة: فرصة لتحويل قوة الميدان إلى تأثير استراتيجي

مبادرة بغداد ومحور المقاومة فرصة لتحويل قوة الميدان إلى تأثير استراتيجي
قد تتيح مبادرة بغداد للفصائل القريبة من محور المقاومة تطوير دورها من القوة الميدانية إلى شريك سياسي وأمني، إذا ارتبطت قدراتها بقرار الدولة وضمانات السيادة والتهدئة الإقليمية، مع مراعاة اختلاف أوضاع الحشد والفصائل قانونياً ومؤسسياً....

يمكن قراءة مبادرة بغداد لبناء معمارية أمنية إقليمية بوصفها فرصة لإعادة تنظيم علاقات القوة في المنطقة، بما يمنح العراق دوراً أكبر في صياغة التفاهمات وحماية مصالحه. ومن هذه الزاوية، فإن تأثيرها في الفصائل المنضوية ضمن محور المقاومة قد يفتح أمامها مجالاً لتطوير حضورها السياسي والاستراتيجي، وتحويل رصيدها الميداني إلى مساهمة مؤثرة في بناء الاستقرار.
فالقراءة التي تفترض أن نجاح المبادرة يتطلب بالضرورة تحجيم الفصائل تتجاهل أهمية إشراك القوى المؤثرة في أي تسوية أمنية. والمعمارية الإقليمية القابلة للاستمرار تحتاج إلى معالجة مصادر التهديد، وتقديم ضمانات متبادلة، واستيعاب مصالح الأطراف وقدراتها على التأثير. لذلك، فإن مشاركة القوى القريبة من محور المقاومة في دعم التفاهمات اصبحت عاملاً مهماً في تثبيتها.
داخل العراق، تستطيع هذه القوى أن تنظر إلى المبادرة باعتبارها مساحة لتطوير علاقتها بالدولة وتعزيز حضورها في صناعة القرار. ومن منظورها، فإن ما راكمته من خبرة قتالية، وما تستند إليه من مشاركة في مواجهة تنظيم داعش، يمنحانها أساساً للمطالبة بدور في مناقشة مستقبل الأمن الوطني وتزداد قيمة هذا الدور عندما يرتبط بحماية المجتمع، ودعم المؤسسات، والمساهمة في منع عودة التهديدات.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية، والفصائل ذات الأطر والقرارات المختلفة فالتعامل الدقيق مع هذه التشكيلات يتيح بناء تفاهمات تراعي أوضاعها القانونية والسياسية، وتحفظ حقوق المقاتلين وتستثمر خبراتهم أما جمعها في توصيف واحد، ثم اختزال النقاش في تقليص نفوذها، فقد يعقّد فرص التوصل إلى تسوية مستدامة.
وعسكرياً، يمكن أن توفر التهدئة الإقليمية فرصة للحفاظ على القدرات الدفاعية وتطوير تنظيمها ضمن رؤية أمنية عراقية متوافق عليها فالقوة العسكرية لا تفقد قيمتها عندما يتراجع استخدامها؛ إذ يمكن أن تسهم، إذا ارتبطت بقرار وطني منضبط، في الردع وحماية الاستقرار. ومن مصلحة الفصائل أن تُظهر قدرتها على الجمع بين الاستعداد الدفاعي وتقدير مقتضيات السياسة والدبلوماسية.
لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى ضمانات جدية. فمطالبة الفصائل بتغيير أدوارها ستكون أكثر قابلية للنقاش إذا اقترنت باحترام السيادة العراقية، ومنع الاعتداءات الخارجية، وضمان عدم استخدام أراضي دول المنطقة لتهديد بعضها بعضاً. وكلما كانت الالتزامات متبادلة وقابلة للتحقق، أصبح الانتقال إلى التهدئة خياراً يمكن الدفاع عنه أمام جمهور هذه القوى.
وعلى المستوى الإقليمي، قد تمنح مبادرة بغداد القوى القريبة من محور المقاومة فرصة لتوسيع أدوات تأثيرها عبر الحوار والعلاقات الاقتصادية والسياسية. ويمكن للعراق، بعلاقاته المتعددة، أن يسهم في نقل بعض ملفات التنافس إلى التفاوض، مع الحفاظ على علاقاته بإيران وتعزيز انفتاحه العربي. وهذا المسار قد يتيح لقوى المحور المشاركة في صياغة التوازنات بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
كما أن تخفيف التوتر بين إيران ودول الخليج قد يساعد على إبراز الأولويات العراقية المشتركة، وفي مقدمتها حماية الحدود، ومواجهة الإرهاب، وتأمين التنمية. وتستطيع الفصائل تعزيز موقعها السياسي إذا قدمت نفسها شريكاً في تحقيق هذه الأولويات، وأثبتت أن قدرتها على حماية البلاد تشمل أيضاً دعم فرص تجنيبها الحروب.
وبذلك، يمكن لمبادرة بغداد أن تفتح أمام الفصائل مساراً لتطوير دورها: استثمار خبرتها، وتعزيز مشاركتها السياسية، والإسهام في تفاهمات تحمي العراق ومحيطه. ويتوقف نجاح هذا الاحتمال على بناء شراكة داخلية تحترم المؤسسات، وضمانات إقليمية تعالج المخاوف المتبادلة، وإرادة لدى مختلف الأطراف لتحويل موازين القوة إلى استقرار قابل للاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *