إشكالية الأمن في الفكر السياسي العراقي: من الاستقواء بقوى خارجية إلى الاعتماد على النفس

إشكالية الأمن في الفكر السياسي العراقي من الاستقواء بقوى خارجية إلى الاعتماد على النفس
يعاني الأمن العراقي من فجوة بين خطاب السيادة والواقع الأمني القائم على تعدد مراكز القوة والاعتماد الخارجي. ويتطلب بناء عقيدة أمنية وطنية توحيد المؤسسات المسلحة، واحتكار قرار الحرب والسلم، وتعزيز التماسك الداخلي، واعتماد تعاون إقليمي متوازن وسيادي...

مقدمة:

يعد الأمن في الفكر السياسي العراقي الحديث من الأمور المعقدة والشائكة جدًّا؛ ذلك أنَّ الأمن لا يتوقف عند حدود الإدارة العسكرية بطرق إجرائية، فالأمن يتقاطع بشدة مع أسئلة السيطرة الداخلية والسيادة المطلقة للدولة وكيفية تشكيلها، مع بناء منظومة وطنية مستقلة بتجاوز الترتيبات الأمنية المعتادة، فالموضوع هنا أوسع وأشمل.

من الأسئلة المطروقة على العقل السياسي العراقي المعاصر، هل لنا القدرة على مواجهة التهديدات المباشرة؟!

بلا شك سؤال مهم، لكنه ليس كل شيء، والسؤال الأكثر عمقًا منه هو هل لنا القدرة على إعادة تعريف الأمن ذاته؟!

هنا تتضح الفكرة تمامًا، وهي بشكل مختصر، التحول من الحاجات الاستهلاكية المستوردة

من شركاء خارجيون وإقليميون؟ إلى بناء بنيوي خاص؟ بناء يقوم على الذات والعقد الوطني الصلب. والانسجام مع بيئة إقليمية قائمة على التعاون والتوازن السيادي. إذًا هذا مربط الفرس والتحول ا الجوهري المراد، بقدر الإمكان.

تفتت المفهوم بعد عام 2003 وظهور ما يسمى بأمن المكونات

أدَّى الانهيار المؤسسي بعد عام 2003 وحل أجهزة الدولة إلى تفكك المفهوم الجامع للأمن الوطني في نظام أصلا تأسس على المخاصصة والطائفية، مما يفسر عدم وجود أمن وطني واحد يجمع الكل تحت مظلته، فصار كل طرف له حسابه الخاص.

إنَّ حالة الانزلاق نحو الاستقواء بالخارج في ظل غياب العقد الاجتماعي الذي يضمن الحقوق لكل الأطراف قد ولّد حالة من الذعر والخوف الوجودي المتبادل بين القوى السياسية، فكل طرف يحذر الطرف الثاني، ومن هنا تحول الأمن من مسؤولية الدولة وحدها إلى أمن فرعي فئوي، وكل فرقة سياسية أصبحت تبحث على قوى إقليمية أو دولية تحافظ على وجودها وكيانها ضد منافسيها في الداخل العراقي.

إنَّ العراق كساحة لتبادل الرسائل هو ارتهان بنيوي، حوَّل الجغرافيا العراقية من سيطرة سيادية ذاتية، إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى.

لقد أصبح كلا الاتجاهين ( الخطاب السياسي والعقيدة الأمنية)  داخل المشهد العراقي يسيران باتجاهين مختلفين، مما يدلل على انفصام استراتيجي.

فالخطاب السياسي يتبنى كلام عن السيدة والدولة الوطنية، ويرفع شعار الحياد والتوازن الإقليمي. أمَّا العقيدة الأمنية، ففيها تشتت القيادة وازدواجية السلاح، والأجندات مرتبطة بمؤثرات عابرة للحدود وعلى الاعتماد على التسليح الخارجي والمواضيع الاستخباراتية.

التحول في الخطاب السياسي العراقي

في السنوات الأخيرة أصبح الفكر السياسي ذا نضج لغوي واضح. هذا النضج يظهر في الأدبيات الرسمية والتصريحات الحزبية. أي صار الحديث عن السيادة الوطنية أمرًا أساسيًا. وأصبح الكلام عن حصر السلاح بيد الدولة موجود بشكل متكرر. وكذلك سياسة بناء الجسور والدبلوماسية المنتجة، هذه كلها أصبحت من المواد الأساسية في الخطاب السياسي.

الدوافع الفكرية للخطاب

ما أسباب هذا التغير؟!

يعود ذلك إلى أكثر من سبب أولها أنَّ النخب السياسية لاحظت رفضًا شعبيًا كبيرًا لفكرة رهن القرار الوطني للخارج. هذا الرفض لم يكن بسيطًا، بل رفضًا عارمًا.هذا، أمَّا ثاني الأسباب: أنَّ الدولة أرادت أن تكسب شرعية دولية وإقليمية. هذه الشرعية تساعدها في جذب الاستثمارات. وتساعدها كذلك في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

الجمود في العقيدة الأمنية الحقيقية

لماذا تقف العقيدة الأمنية الحقيقية عاجزة عن ترجمة الخطاب السياسي المتغني بالسيادة إلى واقع ملموس؟!

أولًا: تعددية القيادة والسيطرة:

أي انَّ القرار الأمني ليس بيد جهة واحدة، فهناك أجهزة نظامية تعمل بعقيدتها المهنية. كما انَّ هناك فواعل مسلحين من غير الدول، وهؤلاء لديهم مرجعيات فكرية وأيدولوجية، وعندهم ارتباطات إقليمية مستقلة، لا تخضع للتوجيه المباشر للدولة.

ثانياً، غياب التوافق على تعريف التهديد القومي. الفكر السياسي العراقي لغاية الآن لا يستطيع صياغة إجماع وطني حول سؤال واحد: من هو العدو الاستراتيجي للعراق؟! ومن هو الحليف؟ وهنا المشكلة واضحة. الشيء الذي تراه جماعة معينة تهديدًا للسيادة، تراه جماعة أخرى عمقًا استراتيجيًا وضامنًا للأمن. والعكس صحيح.

ثالثاً، الاعتمادية التسليحية والاستخبارية. أي أنَّ العراق بحاجة ماسة إلى الغطاء الاستخباري أو الفني الدولي بشكل هيكلي من أجل أن يواجه بقايا التنظيمات الإرهابية. هذا الشي يجعل هامش القرار الأمني المستقل مقيد بالشركاء الدوليين.

ما الذي يمنع الانتقال لمفهوم الأمن الإقليمي التضامني؟!

الانتقال من نموذج “الأمن الذي يعتمد على الخارج” إلى نموذج “الأمن الإقليمي القائم على السيادة والتعاون” مو مجرد رفاهية فكرية. هذا خيار وجودي لإدامة الدولة. لكن هذا التحول يصطدم بمجموعة موانع، وفي نفس الوقت عنده فرص واعدة.

موانع تقاوم التغيير

1- اقتصاد الحرب واللادولة: ظهور شبكات مصالح واقتصادات غير رسمية. هذه الاقتصادات تعتمد على حدود رخوة، وتهريب، وعقود غير قانونية. وهي تتغذى على بقاء الوضع الأمني الهش؛ لأن الانتقال إلى سيادة الدولة الكاملة معناه تجفيف هذه المصالح.

2- معضلة الأمن الإقليمي المتبادل: فيه حالة شك وتوجس متبادلة بين القوى الإقليمية المجاورة للعراق. هذا الشك جعل استقرار العراق الشامل يقلق بعض الأطراف. هذه الأطراف تخشى أنَّ استقرار العراق يتحول لصالح محور منافس.

3- غياب المنظومة الأمنية الإقليمية الجامعة: منطقة الشرق الأوسط تفتقر لترتيبات أمنية مؤسسية جامعة. أي ليس لديها شبيه بالمنظومات الأوروبية أو الآسيوية. هذا يجعل الرهان على الأمن الإقليمي مرهونًا بالتقلبات السياسية والتفاهمات الثنائية المؤقتة.

الفرص والمقومات المتاحة

أولًا: التحول نحو الجيواقتصاد: الفكر السياسي الجديد يفتح فرصة لصياغة مفهوم للأمن القائم على شبكة المصالح المتبادلة. إذا ربطت البنى التحتية العراقية بجوارها العربي والإقليمي، تتأثر كل الحلقات مع بعض البعض. هذا الربط يتحقق عبر مشاريع الربط الكهربائي، وطرق التجارة الدولية مثل طريق التنمية، والمشاريع المائية والاستثمارية. وهنا تبدأ الفكرة بالبروز. استقرار العراق يتحول من مجرد مطلب سياسي إلى ضرورة اقتصادية حيوية لدول الجوار.

ثانيًا: الإنهاك الإقليمي والدولي: النزاعات في المنطقة وصلت لدرجة قريبة من الانفجار الشامل مما جعل القوى الإقليمية تقتنع أنَّ استخدام الجغرافيا العراقية كساحة للصراع صار مكلفًا جدّا، ونتائجه غير مضمونة ممَّا يفتح نافذة للعراق. نافذة يكون فيها وسيطًا وحكمًا في الوقت ذاته.

ثالثًا: الوعي الشعبي التراكمي: الوعي المجتمعي يكبر، وهذا الوعي يتجاوز المكونات. هذا الوعي يطالب بحصر السلاح، واستعادة هيبة الدولة، ويرفض أنَّ ان يكون البلد صندوقًا لرسائل أي طرف خارجي.

خريطة طريق فكرية لتأسيس عقيدة أمنية سيادية

من اجل أن يتجاوز الفكر السياسي العراقي مرحلة وصف المشكلة للوصول إلى صياغة حل، فغنه يجب أن يبدأ بخطة عمل متكاملة ومرتكزة على أبعاد ثلاثة:

– عقد اجتماعي وسياسي جديد

– توحيد العقيدة واحتكار السلاح

– التحايد الاستراتيجي وشبكة المصالح

– الأمن الإقليمي التضامني والسيادي

– إبرام عقد وطني أمني

فمن خلال التوافق على وثيقة أمن قومي تتجاوز الأحزاب والمكونات، هذه الوثيقة تحتوي على تعريف واضح للسيادة، وتعريف واضح للتهديد، وتعريف واضح للمصلحة الوطنية العليا.

توحيد المؤسسة العسكرية واحتكار العنف:

كل القوة المسلحة يجب دخولها دخولها تحت مظلة الدولة الرسمية.. تحت قيادة عامة، واحدة وموحدة.. والهدف إننا ننهي أي ازدواجية في القرار العسكري أو في المرجعية الأيدولوجية. أي انَّ الميدان كله ينبغي أن يسير على نفس النص الذي يقر به الدستور والقانون لا أكثر ولا أقل.

اعتماد سياسة “التحايد الاستراتيجي الإيجابي:

هنا الفكر السيادي يطور مفهومه للأمن بطريقة مختلفة. ويجعل من العراق دولة عازلة وصانعة، وليست دولة تابعة لأي محور. والتحايد هنا ليس العزلة، بل معناه بناء علاقات متوازنة ومكشوفة مع كل الأطراف الإقليمية والدولية على مبدأ المعاملة بالمثل، وعلى أساس المصلحة الوطنية المتبادلة. حيثما أمكن، هذا التوازن هو ما يحمي البلاد والعباد.

الختام

التحول في مفهوم الأمن العراقي من الاعتمادية والارتهان للخارج إلى الأمن الإقليمي السيادي والتعاوني، قطع شوطاً نظريًا مهمًا على مستوى الخطاب والمفردات السياسية، لكن على مستوى العقيدة الميدانية والممارسة الهيكلية، ما زال متاخرًا ومتعثرًا.

العقل السياسي العراقي مطالب اليوم بإدراك حقيقة استراتيجية واضحة. السيادة الخارجية هي دائمًا انعكاس مباشر للتماسك والصلابة الداخلية، فالتعاطي الإقليمي والدولي مع الملف الأمني العراقي لن يتغير. ومنظومة أمن إقليمي متكافئة لن تنشأ. ما لم يقم الداخل العراقي بحل معضلته الذاتية أولا عبر احتكار الدولة الكامل لقرار الحرب والسلم. وصياغة عقيدة أمنية وطنية، يُكتب حرفها الأول بلسان عراقي خالص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قمم تعانق الوهم

25 أكتوبر، 2026